غزوة مانهاتن.. الجهاد في زمن العولمة

غزوة مانهاتن.. الجهاد في زمن العولمة

غرافيتي لـ بانكسي في حي تريبيكا في مانهاتن

مرّت أمس ذكرى هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية، أو "غزوة مانهاتن"، التي "نفذها" تنظيم القاعدة، ويفاخر بها مناصروه في مجتمع "الجهاد العالمي"، بوصفها "الإنجاز" الأعظم في تاريخ التنظيم.

لا قيمة للحدود والدول عند "المجاهدين"، الذين سيفتحون العالم "لتطبيق شرع الله"

بقيت الهجمات مرتبطة باسم القاعدة، رغم أن كثيرًا من التقارير والدراسات والأفلام التسجيلية والوثائقية حول ذلك الحدث الهائل، ذهبت إلى تحميل السلطات الأمنية الأمريكية المسؤولية عنه، تلميحًا أو تصريحًا، إن لم يكن لجهة تقصيرها وإهمالها، فبتواطئها مع المنفذين، أو حتى من خلال استخدامهم بصورة ما، للقيام بالعملية كي تكون ذريعةً تُبنى عليها الأحداث اللاحقة (غزو أفغانستان والحرب على الإرهاب).

على أنّ إحدى أهم العلامات الفارقة في "غزوة مانهاتن" وتداعياتها، كان تكريس اندراج "الإسلام" في نسخته السلفية الجهادية على وجه التحديد، ضمن "النظام العالمي الجديد"، وتالياً صعود تيار "الجهاد العالمي"، ممهورًا بخاتم "القاعدة" كماركة إرهاب عالمية مسجلة، ثمّ تمدّده وانتشاره السريع في شتى أصقاع الأرض، محمولًا على بروباغندا "الحرب على الإرهاب". نقول "تكريس" باعتبار أنّ البداية سبقت ذلك بسنوات، فمنذ تسعينات القرن الماضي، شرع تنظيم القاعدة بالخطو على طريق "العولمة" مع إرهاصات ظهورها الأولى، إثر نهاية الحرب الباردة بسقوط جدار برلين ثم انهيار الاتحاد السوفييتي.

تعني "العولمة، فيما تعنيه، زوال أي اعتبار للحدود الجغرافية بين الدول، وتحوّل العالم إلى "مجتمع واحد" لا حدود له، بحيث يصبح أكثر اتصالًا، من خلال الانتقال السلس للسلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات.. على هذا، فإنّ أسلوب القاعدة، منذ العمليات الأولى خلال عقد التسعينات، في اليمن والصومال وكينيا والولايات المتحدة..، هو أسلوب معولم، بات "الإرهاب" سلعة تنتقل من بلد إلى أخر، يخطط لها وينفذها أشخاص من جنسيات مختلفة، وتنفق عليها أموال ابن لادن العابرة للحدود.

هكذا، غدت منظمة ابن لادن الإسلامية الجهادية العالمية متعددة الجنسيات، أينما ظهرت فروعها، المنافس القوي للمنظمات والهيئات الإسلامية والجهادية المحلية، أو "الوطنية"، شأنها شأن الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، التي تبسط سيطرتها على الكوكب في زمن العولمة.

غير أنّ هذه "العولمة القاعدية" تميّزت بأنها تتكّئ على "سندٍ فقهي" سبق وجودها، حيث "لا وطن لمسلمٍ ولا جنسية، ولا اعتزاز بأرضٍ ولا وطن"، على نحو ما نظّر سيّد قطب (1906 - 1966)، الذي يوصف بأنه "مهندس الإسلام الراديكالي". فبعد قطب، حلّ مفهوم "الوطن/ الأمة" محل مفهوم "الوطن/ الأرض"، وتاليًا لا قيمة للحدود والدول عند "المجاهدين"، الذين سيفتحون العالم "لتطبيق شرع الله".

في إطار هذه الاستراتيجية المعولمة، جاء إعلان أسامة بن لادن، مؤسس وزعيم القاعدة، عن قيام "الجبهة العالمية لمحاربة اليهود والنصارى" عام 1996، وانضوى تحت عباءتها عدد من المنظمات الجهادية، فأصبح العالم بأسره ساحة لنشاط التنظيم، وكل ما يخصّ"اليهود والنصارى" هدفًا محتملًا، وذاع صيت تنظيم القاعدة في الآفاق، لترتسم صورته في الأذهان بما يفوق حجمه الحقيقي. هذه الصورة التي عمل الإعلام المعولم على تضخيمها، كانت ملائمة بحيث قدمت للعالم، عند وقوع الحدث الذي غيّر وجهه في 11 أيلول/سبتمبر، مشتبهًا به خطيرًا وشريرًا لا حدود لإرهابه، هو القاعدة.

وكما أنّ من سمات العولمة "العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلدًا بعينه وهو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات"، وفق تعبير الراحل محمد عابد الجابري، فإنّ هذه النقطة بالذات هي أحد أبرز أوجه عولمة "الإسلام الجهادي"، سواء في نسخته القاعدية أو سلالاتها الداعشية وسواها، لجهة سعي أتباع هذا النهج إلى تعميم نمطهم على كافة المسلمين (وغير المسلمين أيضًا). الفارق بين الحالتين يكمن في ماهية النمط المراد تعميمه!