غزة.. شرعية الدم التي لم تعد تجدي

غزة.. شرعية الدم التي لم تعد تجدي

عماد نصار- غزة

الحرق والاختناق والغرق والموت داخل نفق، موت غير اعتيادي لا دم فيه. كتب الشعراء كثيرا عن الدم الحار واستعاره الخطباء، وارتفع في الوجدان انفجار الدم في أي مواجهة. وفي فلسطين صار الدم هذا مادة رئيسة في اكتساب الشرعية. تعميدا لدخول المجال السياسي والوطني، "من يروي الأرض بدمه هو الأحق بها"، هذه من المسلمات الأولى، بل المسلمة السابقة على كل المسلمات. ألف باء العمل السياسي في فلسطين. ولتعرفوا صعوبة أن تنشط سياسيا وتكتسب أي تأييد شعبي دون دم، تحدثوا إلى دعاة النضال السلمي. هؤلاء يعرفون جيدا كيف يمكن أن تعمل لسنوات لكسب جزء يسير من الجمهور الفلسطيني، ثم تكتشف أنك تعزف على نغمة خارج المجال السمعي للجماهير، تلك التي تسألك عن عدد شهدائك وعدد من قتلوا، قبل أي شيء.

غزة تعرف منذ سنوات أنواع موت جديد، لا دم فيه، وشرعية الدم تتآكل هناك، من أغزر نقاط الدم تتآكل شرعيته

"غزة قادرة على صناعة المستحيل"، نعم، حتى المستحيل الذي لا يعجب أصحاب العبارة. وهو في الأيام الأخيرة، التشكيك في شرعية الدم. غزة تعرف منذ سنوات أنواع موت جديد، لا دم فيه، وشرعية الدم تتآكل هناك، من أغزر نقاط الدم تتآكل شرعيته، مفارقة لطيفة لنفهم ماذا تفعل غزة بنا منذ سنوات.

اقرأ/ي أيضا: لا تلووا ذراعنا بالشهداء

هنالك من يقدم دماء كثيرة في الحروب مع إسرائيل، لا يبخل بشيء، من دمه ودم الناس، إلا أن الناس - أو شطرا كبيرا منهم، أو شطرا منهم، أو شطرا يسيرا منهم- يتجرأون على السؤال عن الجدوى، وبذلك يشككون في علاقة هذا الدم بهم وما يريدونه، بحاجتهم لحياة لا يموت فيها الأطفال كأعراض جانبية. لم يعد كثيرون قادرين على فهم قيمة مآسايهم وما يقدمونه من أثمان، في معادلة النضال والمقاومة والانتصارات.

كيف نعرف أن الأمر أكثر من مجرد غاضبين على فيسبوك؟- كما تحب حماس وأعضاؤها الادعاء- نعرف من سلوك حماس نفسها، من تعاملها المسرحي مع احتراق أطفال الشاطئ وخطابها المتنصل من دورها كصاحبة أمر واقع في غزة، والبحث مع الناس عن مسؤول. من استخدامها لغة الشارع نفسه مع حادثة يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم وفي أحسن الظروف المعيشية. والسؤال هنا: كل ما سبق من تضحيات حياتية بسيطة كان يبرر بالحصار، ويُمنح بعدا نضاليا، فلماذا في حالة أطفال الشاطئ، تحولت النغمة للنقمة عن المسؤول عن أحوال غزة، أي السلطة أبو مازن الحمد الله، وبمعنى معيشي لا سياسي، لا مصر ولا الاحتلال بل السلطة؟؟

أول ما يخطر للذهن، أن حماس تدرك أن إذابة شكوى الناس وتذمرها وقهرها في خطاب المقاومة والدم لم يعد ممكنا، فلم تستخدمه هذه المرة، ولن تستخدمه في القادم القريب. لأنه لم يعد مجديا، ولأن امتهان استخدامه أفقده جزءا وافرا من قيمته. هكذا ساهمت حماس في تبديد قيمة أهم مصادر شرعيتها، الدم.

اقرأ/ي أيضا: الشموع تحصد أرواح أطفال غزة..والسياسيون يتعاركون

ولكن، ليست غزة وحدها من تغيرت، كل شيء تغير، في الضفة لديك سلطة تحت الاحتلال، تتصرف كدولة وتريد من الناس التعامل معها كدولة، وهم، لسوء حظهم وحسن حظها مضطرون، يقر الرئيس قانونا مجحفا في ظل تغييب المجلس التشريعي، يخشى الناس أن يسري عليهم، يخرجون للتظاهر ضده، كأن الأمر عادي، دولة يتغول فيها رئيس على صلاحيات غيره وتحاول الجماهير المتحضرة ردّه إلى مساحته "القانونية". يخرج الناس للتظاهر، وقبل النوم ينظرون إلى السقف، فتصبح الأمور أوضح، يدركون أنها كذبة محكمة، ينامون وهو يفكرون في حل "عملي- وطنيّ"، فلا يجدونه.

ما يجري منذ سنوات هو تفريغ الحياة الفلسطينية اليومية من السياسية، ومن بديهياتها الأولى أننا شعب تحت احتلال

حين تُفرض وقائع على الأرض، لا يمكنك تجاوزها، لا أنت ولا من فرضها. ما يجري منذ سنوات هو تفريغ الحياة الفلسطينية اليومية من السياسية، السياسية التي من بديهياتها الأولى أننا شعب تحت احتلال، ولا نزال. لدينا مطالب حياتية ونقابية ومعيشية، لا يوجد من يؤطرها في خطاب سياسي كامل، لا يمكنك أن تتحدث عن الحال المعيشية في غزة بعيدا عن السياسية، ولكن ببساطة الكل يفعل ذلك، وحماس مؤخرا انصاعت لخطاب الناس العادي. لا تستطيع أن تسكت على التجاوزات القانونية للسلطة في رام الله، لأنها ستسري عليك، ولكن كيف يمكنك الرفض دون المشاركة في الكذبة الكبيرة؟ لا يمكنك ذلك دون تصور سياسي عن وجود السلطة كله وعلاقتها الوظيفية مع الاحتلال.

مرة تلو أخرى يثق الفلسطينيون بالدم، يعودون إليه مضطرين، يسيل، ينتفضون لأشهر، ثم تستخدم شرعية الدم نفسها ضدهم، التنظيم الكبير يبرر قمع العمل النضالي وتنسيق سلطته مع الاحتلال، بدماء كثيرة دفعها قبل عقود ودماء يتقن نسبتها لنفسه، فكل دم فلسطيني لا يتبناه فصيل أخر هو صاحبه. التنظيم الكبير الآخر، يريد دما بمقدار وفي مناطق سيطرة الآخر، ومع الوقت نكتشف أنهما يسيران على ذات الخطة، "كيف تحكم دون مساءلة؟ وما دور تضحياتك في تحسين مكاسبك"، مع فوارق زمنية وسوء إخراج أو إتقانه. وللمنشغلين بالتفريق بين هذا وذاك، حين تلدغ من جحرين، لن تفكر في الفوارق بين الجحرين، ستعلم أن كليهما يلدغانك مهما كانا مختلفين.

أما الفلسطينيون فهم ربما بحاجة اليوم لمن يقنعهم مرة أخرى بالعلاقة التي كانت بسيطة، بين دم طفل، والقدس والكرامة والحياة سواسية تحت احتلال نعمل للتحرر منه.

اقرأ أيضا:

شمال غزة.. منطق الصراع الهادئ

الحصار باقٍ ويتمدد.. غزة بلا حِرَف