غزة بعد الهدنة: الفلسطينيون بحاجة إلى مستقبل لا مجرد مساعدات
7 نوفمبر 2025
طرحت صحيفة "الغارديان" البريطانية في افتتاحيتها، تساؤلًا حاسمًا: ما المستقبل الذي ينتظر الفلسطينيين في غزة؟ مشيرة إلى أن إعلان وقف إطلاق النار الأخير جلب قدرًا من الارتياح العميق، لكنه في الوقت ذاته أثار مخاوف متزايدة من أن تكون الهدنة مجرّد هدنة هشة، تسبق مرحلة طويلة من الجمود السياسي والإنساني.
ارتياح مؤقت في ظل مشهد أكثر قتامة
تقول الصحيفة إن مرور نحو شهر على وقف إطلاق النار لم يجلب تحسنًا يُذكر في الأوضاع المعيشية. فالهجوم الإسرائيلي تراجع بالفعل، وحركة حماس أعادت المحتجزين الأحياء وبعض الجثامين، فيما أفرجت إسرائيل عن عدد من الأسرى الفلسطينيين، غير أن النتائج الإنسانية الكارثية لم تتبدل.
فقد أستشهد أكثر من 200 فلسطيني منذ وقف إطلاق النار، بينهم أطفال، في غارات إسرائيلية تدعي تل أبيب أنها "ردّ على هجمات من حماس". وتُقدّر الصحيفة أن آلاف الجثث لا تزال مطمورة تحت الأنقاض، وهي أنقاض تحتاج إلى أسطول من أكثر من مئة شاحنة تعمل لسبع سنوات لإزاحتها بالكامل.
أما المساعدات الإنسانية، فبرغم استئناف تدفقها، فهي لا تزال غير كافية إطلاقًا، بسبب العراقيل التي تفرضها إسرائيل على عمليات التوزيع، بالإضافة إلى تقيد عمل المنظمات الإنسانية.
مدارس مدمرة وأطفال يولدون بين الركام
تشير "الغارديان" أن عمليات الهدم الإسرائيلية ما زالت متواصلة في المناطق الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال داخل غزة. فيما حذّرت منظمة "اليونيسف" من انهيار وشيك للنظام التعليمي، بعد تدمير أكثر من 90 %من مباني المدارس والجامعات خلال عامين من الحرب.
وتنقل الصحيفة صورة مأساوية: "أطفال يولدون بين الركام، وأمهات لا يجدن منزلًا ولا مستشفى عاملًا".
الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى الغذاء والمساعدات الإنسانية، بل إلى مستقبل يضمن لهم العدالة والسلام الدائم
الهدنة قائمة.. لكن إلى متى؟
لا تزال المخاوف بشأن صمود الهدنة قائمة. وتلفت الصحيفة البريطانية إلى أن مفاوضات جارية تقودها وساطات إقليمية ودولية، تتضمن خطة تمنح مقاتلي حماس المحاصرين في رفح ممرًا آمنًا للخروج، مقابل تسليم أسلحتهم.
لكنّ الدبلوماسي القطري ماجد الأنصاري حذّر في حديثه إلى الصحيفة من خطر أكثر عمقًا: أن تنزلق غزة إلى حالة "لا حرب ولا سلم"، وهي حالة تستمر فيها الوفيات ويُمنع فيها أي تقدم نحو إعادة الإعمار.
قوة دولية تحت مظلة مجلس الأمن؟
تشير الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة تسعى لتمرير قرار في مجلس الأمن يقضي بتشكيل قوة دولية لتثبيت الاستقرار في غزة، غير أن هذا المقترح، بحسب "الغارديان"، يواجه سلسلة من العقبات المعقدة، أبرزها الاتفاق على صلاحيات هذه القوة وتركيبتها في ظل الرفض الإسرائيلي لمشاركة قوات تركية ضمنها.
كما يتعيّن تحديد طبيعة العلاقة بين القوة الدولية والشرطة الفلسطينية المدنية، إضافة إلى حسم مسألة القيادة الأميركية المحتملة لهذه القوة، ووضع جدول زمني واضح لانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع، بالتوازي مع تسوية ملف أسلحة ومقاتلي حركة حماس.
ترامب بين هدنة غزة وتوسيع "اتفاقات أبراهام"
ترى "الغارديان" أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى للحفاظ على "وقف إطلاق النار الذي يُنسب إليه"، إذ يرى في استقراره رصيدًا سياسيًا، كما يطمح إلى توسيع اتفاقات أبراهام التي أبرمها خلال ولايته الأولى، لتشمل دولًا عربية جديدة. إلا أن تحقيق هذا الهدف، كما تقول الصحيفة، لن يكون ممكنًا دون تحسين جوهري في أوضاع الفلسطينيين.
غضب عالمي ضد حرب الإبادة… والعالم يشيح بوجهه مجددًا
تقول الصحيفة إنه رغم ما يبدو من أن كثيرًا من التحركات الدولية باتت رهينة نزوات الرئيس الأميركي، فإن وقف إطلاق النار لم يكن "هدية عشوائية من ترامب"، بل جاء نتيجة تصاعد الغضب الشعبي العالمي من حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة، حيث قادت الشعوب هذا الغضب، بينما جرّت الحكومات خلفها جرًا.
لكنّ الخطر اليوم، كما تضيف الصحيفة، هو أن غزة بدأت تتراجع مجددًا عن أولويات العالم. فحتى ألمانيا، التي فرضت في آب/أغسطس الماضي قيودًا على تصدير السلاح لإسرائيل، سارعت إلى اقتراح رفعها مجددًا.
"غزة تحتاج إلى طعام… لكنها تحتاج إلى مستقبل أيضًا"
تختتم "الغارديان" افتتاحيتها بتحذير واضح: "إسرائيل لا تزال ترفض دخول الصحافة الدولية إلى غزة، والرأي العام العالمي يجب أن يبقى يقظًا. فقط الضغط الدولي المتواصل يمكن أن يضمن التزام إسرائيل بالاتفاق الحالي ويمنع أي خيانة جديدة للفلسطينيين".
وتخلص الصحيفة إلى القول إن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى الغذاء والمساعدات الإنسانية، بل إلى مستقبل يضمن لهم العدالة والسلام الدائم، مشددة على أن تحقيق ذلك لن يكون ممكنًا إلا عبر ضغط دولي متواصل يُلزم إسرائيل باحترام اتفاق وقف إطلاق النار، ويمنع انهياره أو تحوّله إلى حالة من "اللا حرب واللا سلم" التي تُبقي غزة في دوامة الدمار والمعاناة.






