ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

غرينلاند: الطوق القطبي الجديد

16 يناير 2026
نوك عاصمة غرينلاند
الشارع الرئيسي في نوك عاصمة غرينلاند (Getty)
نادين الكحيلنادين الكحيل

تتسارع الأحداث مؤخرًا حول غرينلاند، الجزيرة القطبية التي تختزن ثروات طبيعية ضخمة تحت الجليد، حيث تسعى الولايات المتحدة الأميركية للسيطرة عليها لتطويق روسيا ومنع التمدد الصيني، في حين تواجه معارضة شرسة من الدول الأوروبية التي بدأت مناورات عسكرية بدعوة من الدنمارك لضمان السيادة والحماية.

وفي الوقت نفسه، تُعد هذه التحركات رسالة واضحة لأميركا برفض أي ضغوط أو طموحات تتعلق بمستقبل الجزيرة، ورسالة للصين وروسيا بأن حلف "الناتو" لن يسمح باستخدام القطب الشمالي لأغراض عسكرية.

أهمية غرينلاند الجيوبوليتكية والجيوستراتيجية

تتمتع غرينلاند بمكانة جيوبوليتيكية هامة بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط بين أميركا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي. وتعتبر أكبر جزيرة في العالم، بمساحة تُقدَّر بحوالي 2.166 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها نحو 60 ألف نسمة. وهي منطقة شبه مستقلة تابعة لمملكة الدنمارك، ولها حكومتها المنتخبة. تتميز بموارد طبيعية هائلة، مثل المعادن النادرة والنفط والغاز الطبيعي، مما يجعلها محط أنظار القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

ومن المتوقع، خلال العقود القادمة، أن تصبح أحد الشرايين الأساسية للتجارة العالمية، مما يجعلها نقطة تحكم في الممرات البحرية القطبية. ومع التغير المناخي والاحتباس الحراري وذوبان الجليد، قد يُتاح فتح طرق أقصر بين آسيا وأوروبا، وبالتالي تعني السيطرة على غرينلاند عمليًا التحكم في هذه البوابة البحرية والعسكرية الحساسة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استغلال الموارد المدفونة تحت طبقات الجليد، حيث تخفي غرينلاند ثروات هائلة من المعادن النادرة، واليورانيوم، والليثيوم، والجرافيت، والنفط، والغاز.

من المتوقع، خلال العقود القادمة، أن تصبح غرينلاند أحد الشرايين الأساسية للتجارة العالمية، مما يجعلها نقطة تحكم في الممرات البحرية القطبية

وفقًا لتقرير صدر في العام 2024 عن مجلة "الإيكونوميست"، فإن الجزيرة لديها رواسب معروفة لـ43 من أصل 50 من هذه المعادن النادرة، والتي تُعد موارد حيوية للاقتصاد العالمي وصناعات التكنولوجيا المتقدمة، حيث تكتسب هذه الموارد قيمة استراتيجية هامة في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

السيطرة الأميركية، أو على الأقل منع الخصوم من الوصول إليها، تشكل جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الاقتصادي للولايات المتحدة وحلفائها. وبذلك تحولت غرينلاند من جزيرة جليدية إلى عقدة استراتيجية عالمية، تشكل محور صراع محتمل تحت الجليد.

ركائز البعد العسكري والامني:

بحسب تقرير لموقع "The Conversation" الأسترالي، فإن الرئيس ترامب ليس أول سياسي أميركي يحاول السيطرة على غرينلاند، إذ تعود أقدم محاولة موثقة لشراء الجزيرة إلى عام 1868. وفي العام 2019، طرح ترامب فكرة شراء غرينلاند من الدنمارك وسط معارضة دولية. واليوم، يبرز الاهتمام الأميركي المتكرر بهذه الجزيرة بهدف التوسع الإقليمي والتمدد العسكري.

تاريخيًا، تدير الولايات المتحدة منذ عقود قاعدة "ثول" الجوية في شمال غرينلاند، وهي إحدى أهم ركائز منظومة الإنذار المبكر الأميركية ضد الصواريخ الباليستية. وتُعد هذه القاعدة درعًا حيويًا للأمن القومي الأميركي، فهي جزء من منظومة الدفاع الصاروخي، وتُستخدم للتصدي للصواريخ العابرة للقارات، كما تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي تهديد محتمل من روسيا، وتمنح واشنطن قدرة متقدمة على مراقبة التحركات العسكرية في القطب الشمالي، حيث تعمل موسكو على عسكرة المنطقة عبر قواعد جديدة وأساطيل كاسحات جليد نووية.

أما بالنسبة للدنمارك، التي تتمتع بالسيادة على الجزيرة، فإن التنافس الدولي يشكل تهديدًا لهيمنتها على موارد غرينلاند وموقعها الاستراتيجي. لذلك، بدأت بمناورات لضمان وجود عسكري أكثر ديمومة، بالتعاون بين الجيش وحلفائه، وفق تصريح وزير الدفاع الدنماركي.

إستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة لتطويق تمدد الصين وروسيا

إن التحولات المناخية المتسارعة وصعود المنافسة بين القوى الكبرى حوّلا هذه الكتلة الجليدية إلى أحد أكثر المواقع حساسية والنقاط الساخنة في الجغرافيا السياسية العالمية، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية في تنافس عالمي متصاعد. باتت غرينلاند بذلك تشكل قلب الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، ضمن ما يمكن وصفه بـ"الطوق القطبي الجديد".

وتؤكد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهميتها من الناحية الأمنية، إذ قال: "الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي"، وأضاف: "غرينلاند مهمة للغاية لمشروع القبة الذهبية الدفاعي الصاروخي"، و"إذا لم نحصل على غرينلاند ستحصل عليها روسيا أو الصين"، مما يبرهن أن الولايات المتحدة تسعى لمنع تمدد الصين وروسيا ولتطويقهما في عملية ردع استباقية.

كما تسعى الصين إلى تثبيت حضورها في القطب الشمالي، فمن خلال الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية والأبحاث العلمية، تطمح بكين إلى دمج الممرات القطبية ضمن "طريق الحرير القطبي". وبالتالي، تمثل السيطرة الأميركية المحكمة على غرينلاند عائقًا استراتيجيًا أمام هذا التمدد، وتمنع الصين من تحويل النفوذ الاقتصادي إلى حضور أمني مستقبلي في المنطقة.

تداعيات الخناق القطبي على روسيا والصين

يُعد القطب الشمالي بالنسبة لروسيا مجالًا حيويًا للأمن القومي والطاقة والنفوذ الدولي، فأي تعزيز للوجود العسكري الأميركي في غرينلاند يحدّ من حرية الحركة الروسية ويضع الأسطول الشمالي تحت مراقبة دائمة. وبالتالي، قد يدفع هذا الأمر موسكو إلى مزيد من التصعيد العسكري في القطب، أو إلى تعميق شراكتها مع الصين لمواجهة الضغوط الغربية، خاصة بعد تصريح السفارة الروسية في بروكسل بأن الناتو يستغل موقف واشنطن من غرينلاند لصالح أجندة معادية لروسيا والصين.

أما على الصعيد الدولي، فقد أكدت الدول الأوروبية رفضها لأي محاولة اعتداء على الحدود الأوروبية. ولذلك بدأت بإرسال تعزيزات عسكرية في إطار التدريبات والمناورات مع الدنمارك. ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأوروبيين لتحمل مسؤولياتهم تجاه غرينلاند، لأنها تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي وتُعد أحد حلفائه.

تزامن ذلك مع وصول أول دفعة من الجنود الفرنسيين والوحدات العسكرية إلى غرينلاند للمشاركة في مناورات "الصمود القطبي". كما كشفت مصادر صحفية عن أن نحو 1500 جندي بريطاني يتوقع مشاركتهم في تدريبات بجزيرة غرينلاند خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة.

بدوره، أوضح وزير الخارجية الهولندي أنه من المتوقع صدور قرار بإرسال قوات قبل نهاية الأسبوع إلى الجزيرة، وشدد وزير الدفاع الدنماركي على أن هدف المناورة هو ضمان وجود عسكري أكثر ديمومة في غرينلاند.

التحولات المناخية المتسارعة وصعود المنافسة بين القوى الكبرى حوّلا هذه الكتلة الجليدية إلى أحد أكثر المواقع حساسية والنقاط الساخنة في الجغرافيا السياسية العالمية

مستقبل التوازن الدولي: القطب الشمالي كساحة صراع بارد جديد

تعكس غرينلاند انتقال الصراع الدولي من المناطق التقليدية إلى هوامش العالم الجغرافية. فالتنافس على الجزيرة ليس مجرد خلاف على الأرض أو الموارد، بل هو جزء من إعادة هندسة النظام العالمي وموازين القوى الدولية، وقد يتحول القطب الشمالي إلى ساحة "حرب باردة جديدة"، عنوانها السيطرة على التكنولوجيا والممرات البحرية والمعادن النادرة.

ويُندرج التحرك الأوروبي اليوم ضمن استعراض القوة بهدف حماية السيادة الدنماركية وتعزيز الدور الأوروبي في الجزيرة. فالمناورات العسكرية تكرس القطب الشمالي كساحة صراع نفوذ بين أوروبا وروسيا والصين وأميركا، كما تفرض أوروبا نفسها كلاعب مستقل في المنطقة، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. فالكلفة السياسية على واشنطن ستكون مرتفعة، إذ إن أي محاولة لفرض السيطرة ستعد سابقة خطيرة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وستؤدي بالتأكيد إلى أزمة عميقة مع أوروبا، وبالتالي ستخدم روسيا والصين استراتيجيًا.

ومن المتوقع أن تلجأ واشنطن إلى توسيع وجودها العسكري في غرينلاند عبر نشر المزيد من القواعد العسكرية والرادارات ومنظومات الدفاع الصاروخي، وتوقيع عقود طويلة الأمد للمعادن النادرة، مما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا وأمنيًا عبر الاتفاقيات والصفقات والتسويات، ويجعلها أكثر ارتباطًا بالأمن الأميركي.

غرينلاند محور التوازنات الدولية المستقبلية

لم تعد غرينلاند مجرد جزيرة محمية بالثلوج وسط القطب الشمالي، بل أصبحت مسرحًا لصراع النفوذ والقوة، باعتبارها نقطة ارتكاز جيوسياسية وجيواقتصادية في العالم، بحكم موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية الضخمة، مما يجعلها هدفًا للأطماع الدولية ومركزًا للتنافس بين القوى الكبرى.

ختامًا، يهدف سعي الولايات المتحدة الأميركية لتعزيز سيطرتها ونفوذها في غرينلاند إلى تطويق روسيا، وكبح الطموحات الصينية، وضمان التفوق الاستراتيجي والعسكري، وبالتالي رسم ملامح خارطة مستقبل التوازنات الدولية القطبية في العقود القادمة.

كلمات مفتاحية
لاريجاني وبوسعيدي

لاريجاني في مسقط ونتنياهو إلى واشنطن: ما دلالات التحركات المتزامنة؟

التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في مسقط، سلطان عُمان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي

ملفات إبستين

مكتب التحقيقات الفيدرالي: جيفري إبستين عميل للموساد الإسرائيلي

كشفت الدفعة الجديدة من الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأميركية عن روابط تشير إلى أن المموّل الأميركي جيفري إبستين كان يعمل لصالح جهاز "الموساد"

طيران كوبا

كوبا على حافة الشلل الجوي: أزمة وقود بسبب الحصار الأميركي

يسعى ترامب من خلال تشديد العقوبات على كوبا إلى ممارسة ضغط اقتصادي خانق يضعف الحكومة ويدفعها نحو تقديم تنازلات سياسية

لاريجاني وبوسعيدي
سياق متصل

لاريجاني في مسقط ونتنياهو إلى واشنطن: ما دلالات التحركات المتزامنة؟

التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في مسقط، سلطان عُمان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي

حمزة عرباوي
قول

في أربعينه: رسالة إلى طارد الضباع حمزة عقرباوي

عزيزي طارد الضباع عن حيّنا، حمزة عقرباوي

ملفات إبستين
سياق متصل

مكتب التحقيقات الفيدرالي: جيفري إبستين عميل للموساد الإسرائيلي

كشفت الدفعة الجديدة من الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأميركية عن روابط تشير إلى أن المموّل الأميركي جيفري إبستين كان يعمل لصالح جهاز "الموساد"

فيضانات تيطوان
مجتمع

فيضانات المغرب تتفاقم.. خسائر بشرية ومطالب بإعلان مناطق منكوبة

لم تكد مناطق واسعة من شمال المغرب وغربه تتنفس الصعداء من تداعيات العاصفة "ليوناردو"، حتى استقبلت من جديد المنخفض الجوي "مارتا"