غرفتي في دمشق على متن قطار فرنسي

غرفتي في دمشق على متن قطار فرنسي

العمل الفني لـ نور عسلية/ سوريا

ضوء كثيف يهبط على الغبار من سقف غرفتي الذي اخترقته قذيفة هاون قبل عامين أو أكثر. سواد الحرائق يلون جدرانها. نصف صورة لبينلوبي كروز فقط، فالنصف الآخر احترق. أبي يجمع ما تبقى من مكتبتي الصغيرة يسألني عبر الفيديو هل تريد هذا الكتاب أو هذا؟ انظر ماذا وجدت هنا إنها حقيبتك الصغيرة، لا تزال مفاتيحك فيها وبعض الأقلام وبطاقة اشتراك المكتبة وصورة فتاة لا أعرفها؟ هل تذكر هذه الفتاة؟ من هي؟ لا بد أنك نسيتها (يقترب بالصورة إلى الكاميرا). انظر إلى هذا إنه دفتر صغير يبدو كأنك كنت تدوّن عليه يومياتك. الحمد لله لم يره الجنود الذين مروا من هنا، والحمد لله لم تره أمك. لماذا كنت تكتب هذا الهراء؟ هل ما زلت تفعل هذا؟ سمحت لنفسي بقراءة بضع صفحات سوف أكمله لاحقًا (يضحك) لا تخف إنها ليست أسرارًا، لكن يبدو أنك نسيت ما كنت تكتب، حسنًا سوف أجمع لك تلك الأشياء وأرسلها لك إلى فرنسا ما رأيك؟ كما ترى، غرفتك هي الوحيدة التي لم تلق مصير باقي المنزل، هل تسمعني؟

- نعم أسمعك. ما هذا الذي في الزاوية خلفك؟

- أين؟ هل تقصد هذه؟ إنها كرة خريطة العالم هل تذكرتها. أصبحت سوداء بالكامل. احترقت.

لا تبدأ بالأسئلة. لن أقضي النهار هنا. لقد ترددت كثيرًا قبل الاتصال بك لأريك ما حل بالمنزل. المكان شبه مدمر وموحش للغاية، وما يزيده غرابة هو صمتك وسماعي أصوات حديث الفرنسيين من حولك. قل شيئًا يا حبيبي. أين أنت؟

-أنا في القطار المتوجه إلى باريس. أراك وأسمعك جيدًا لكني لا أستطيع التحدث.

- أكبر ثرثار في دمشق لا يستطيع التحدث في فرنسا؟!

يقولها وهو يضع الجوال في زاوية رؤية تتيح لي رؤية كل الغرفة ورؤيته أيضًا وهو يتحرك.

يعود إليّ بعد ثوان. انظر إلى هذه إنها بطاقة دخولك إلى امتحان البكالوريا أنت لا تشبه نفسك أبدًا. لقد رسبت في هذا العام اليس كذلك؟ يا إلهي لماذا كنت تحتفظ بما يذكرك بفشلك. صور حبيباتك اللواتي تركنك ودفتر يوميات بائس، وهوية بطاقة دخول الى امتحان رسبت به، حسنا سأحتفظ بكل هذا لي، إنها من أثرك سوف أضعها في صندوق افتحه حين أشتاق إليك ولا تجيب على مكالماتي، وأقرأ لأمك وأخوتك من يومياتك؟

- هل ستفعلها حقًا؟

-هذه سمعتها أليس كذلك؟ لا تقلق لن أفعل ذلك طالما أنك تجيب على هاتفك حين أتصل بك. أنظر الى سقف غرفتك لطالما كنت تشكو أن الشمس لا تدخل غرفتك، الآن أصبحت لديك فتحة بعرض متر ونصف، صناعة وطنية (يضحك).

يخرج أبي من الغرفة، غرفتي أمامي الآن كما لو أني أقف في تلك الزاوية، أقترب أكثر من شاشة الهاتف أحاول أن أتعرف على هوية الأشياء، أن أعي الزمن الفاصل بيني وبينها الآن.

أنا في غرفتي في دمشق على متن قطار يتجه من مدينة روان الفرنسية حيث أعياني البحث عن غرفة للإيجار عائدًا إلى باريس، هناك أيضًا حيث تنتظرني صناديق جمعت فيها الكثير من الأشياء التي راكمتها خلال سنواتي الخمس هنا، كتب تعلم اللغة الفرنسية وملابس شتوية وبريد حكومي لست أجرئ على رميه خلفي، أشياء لا أملكها لتملكني كما تفعل بي بطاقة دخول امتحان رسبت به مرتين، أو دفتر يوميات ما زلت حريصًا على ما عدم قراءة ما بداخله بالرغم من أني قد نسيت كل ما كتبته هناك.

في هذه الاثناء يطلب مني المفتش أن أغلق هاتفي وأنزع السماعات من أذني وأريه تذكرة القطار. يعود أبي يأخذ هاتفه ويحدق بي قبل أغلق المكالمة وأنا أسمعه يذكرني بموعد إرسال النقود، المفتش أيضًا يذكرني بالقوانين: "إذا لم يكن لديك بطاقة ستدفع 100 يورو غرامة". يعيد أبي الاتصال بي ولا أستطيع الرد، سيغضب كثيرًا لكنه الآن سيغادر منزلنا محملًا بصندوق مليء بتفاصيل تعوضه عن مكالمة متقطعة وهمهمات لغة لا يفهمها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ليلة مصرع كوفيد التاسع عشر

حكاياتنا التي لن نرويها لأحد