22-مارس-2022
اغناسيو

لوحة لـ إغناسيو إيتوريا/ الأوروغواي

لقد كانت الحياة التي أحب هي تلك التي أحياها داخل الكتب. هل توجد هناك حدائق؟ هل يرتاد سكان الكتب المقاهي والمسارح؟ هل يثرثرون في ثنايا الكتب؟ هل يغتابون زملاءهم؟ هل توجد هناك مستشفيات حقيقية للتداوي من أمراض العصر العجيبة والغريبة؟ هل يطمح سكان الكتب إلى الزيادة في الأجور؟ هل يمارسون الشك الذي حثنا عليه الحكيم ديكارت؟ هل يلتقون أصدقاءهم بشكل مستمر؟

تستطيع داخل دروب وأزقة الكتب أن تلتقي بأصدقائك، وأن تسلم عليهم واحدًا واحدًا. تستطيع أيضًا أن تتذكرهم بقوة، وأن تتمنى لهم مستقبلًا زاهرًا

وهل يسافرون؟ هل لديهم نفس الأسفار الجغرافية التي لدى سكان مدن الإسمنت، أم أن أسفارهم مختلفة ومتفردة؟ هل يدخرون أموالهم؟ هل يهجسون؟ هل يصيبهم الأرق؟ هل يستطيعون ثني أقربائهم الموتى عن المكوث طويلًا بعيدًا عن دوائر تواجدهم؟ هل يمارسون رياضاتهم الصباحية، التي تُمارس عادةً في الغابات وعلى إسفلت الكورنيش؟ هل يجلسون في المقاهي، ويشاهدون مباريات نهاية الأسبوع؟ هل يراقبون النشرات الجوية مثلما يفعل البحارة والمزارعون؟ هل يقصدون الشواطئ في الصيف لتبديد الضجر والصهد؟

تستطيع داخل دروب وأزقة الكتب أن تلتقي بأصدقائك، وأن تسلم عليهم واحدًا واحدًا. تستطيع أيضًا أن تتذكرهم بقوة، وأن تتمنى لهم مستقبلًا زاهرًا. فليست هناك أية فرصة سانحة لاغتيابهم أو حتى للثرثرة. إن المتاح لكل القراء هو التأمل والتفكير.

في الماضي، قبل اختراع التلفاز، كانت الكتب تتيح حياة مطمئنة تخلو من مناقصات الأسواق الأسبوعية، وتخلو أيضًا من حذلقات تجار متاجر البقالة. فداخل الكتب تستطيع أن تمتلك أكثر من منزل. تستطيع أيضًا أن ترتاد شققًا كثيرة، ومسارح فيها الكثير من البهرجة، وأخرى تسودها السكينة. لا أحد يهدم أي شيء، مهما كان صغيرًا أو كبيرًا، داخل المجمعات السكنية المتحدة للكتب.

داخل الكتب لا تجد سوى البناء، وليست هناك أية بناءات عشوائية أو ازدحام مثل ذاك الذي تجده في مدن الإسمنت البشرية المدججة بالقلق واللامعنى. مدن الكتب لا تضاهيها إلا مدن الفلاسفة، كتلك التي تحدث عنها أفلاطون وأسماها بالجمهورية الفاضلة. داخل مدن الكتب لا أحد سيطالبك بواجب الكراء الشهري، أو بضريبة النظافة. كما لن يأتيك السماسرة والمنعشون العقاريون لتخريب سكينتك وقدراتك على مواجهة الحياة.

داخل مدن الكتب ليست هناك طرق ملتوية أو متاهات، بل طرق مستقيمة وأشجار مخضرة طيلة السنة: أشجار مشذبة ووارفة الظلال. كما أن هناك حدائق تسكنها العصافير التي تزين سماوات الكون بسيمفونياتها الخرافية. لذلك فإن كل من يتساءل عن سبب تناقص عدد العصافير في مدن الإسمنت المسلح، أو يتساءل عن سبب تحول العصافير إلى كائنات شريرة مزعجة، بحيث تحولت زقزقاتها إلى زعيق يشبه أنين الموتى؛ سأجيبه قائلًا إن تلك العصافير قد سافرت إلى مدن وغابات الكتب. لقد فضلت السكينة على الفوضى بعد أن تعبت من حديث الحروب والبورصات، والأخبار التلفزيونية العاجلة التي تحصي عدد الموتى. لذلك اختارت عدم المشاركة في مهزلة العيش داخلة حياة يحكمها القتلة العقاريون وغيرهم. فماذا يعني أن تعيش العصافير وسط طبول الحرب، ولغط الموتى، وغرور المبشرين على شاشات التلفاز بالسعادة داخل شقق إسمنتية أشبه ما تكون بجوارب ضيقة؟!

الإقامة داخل كتاب تعفيك من تطفل جيران جسورين. كما تعفيك أيضًا من سماع شجاراتهم في منتصف الليل. فجيرانك داخل الكتب هم مجموعة أفكار لا تطالبك بأي شيء

إنها شقق إسمنتية تشبه زنازين المحكومين بالإعدام. حيث يتحول سكانها، بعد استحواذهم على مفاتيحها مباشرةً، إلى هذه الصفة. ويبدؤون، حينها، بالتناوب على حراسة الآلام مع أبنائهم الذين سيرثون رصيدًا ضخمًا من القلق والشكوى. سيرثون نفس الضجر ونفس الألم اللذين تحدث عنهما آرثر شوبنهاور، الذي رأى أن الحياة الإنسانية يتناوبها نوعان من المشاعر، هما: الألم أو الملل، ولا شيء غير ذلك.

إنها شقق سكنية مصابة بكل الأمراض المعدية وغير المعدية. أمراض تمتد من الشقيقة إلى كل أشكال الانفصام. شقق تنتشر داخل مدن غريبة وأسطورية تبدو كل أسماء شوارعها مرادفات للشر والرذيلة. قد تجد مثلًا: شارع الخديعة، شارع الثرثرة، شارع اللؤم، شارع النفاق، شارع الازدراء، شارع الكراهية، شارع الأنانية، شارع التمييز العنصري، شارع التطاول، شارع الوقاحة، شارع التصابي، شارع الغش، شارع الكذب، شارع الجحود.. إلى الدرجة التي تجعل شارل بودلير يعود من موته لتأليف كتاب بعنوان "شوارع الشر"، ويضعه بجانب "أزهار الشر".

ما الفرق إذًا بين مدن الكتب ومدن الإسمنت؟ ما الفرق بين أن تقيم داخل كتاب، والإقامة داخل شقة تجعلك تتفقد يوميًا وثائق الملكية المشتركة؟

تجعلك الإقامة داخل كتاب تحس بأنك تمتلك شيئًا ما، أو على الأقل هذا الكتاب الذي بين يديك. تمتلكه تمامًا مثلما تمتلك حذاءك الذي اشتريته من تلك المدينة البعيدة، حيث فضلت التيه ذات صيف. لذلك فالإقامة داخل كتاب تعفيك من تطفل جيران جسورين. كما تعفيك أيضًا من سماع شجاراتهم في منتصف الليل. فجيرانك داخل الكتب هم مجموعة أفكار لا تطالبك بأي شيء. لا تطالبك مثلًا بمساهمتك الشهرية المخصصة لتأدية راتب حارس العمارة. كما أنها لا تتلصص عليك حينما تخرج مسرعًا للارتماء في متاهات الحياة.

اقرأ/ي أيضًا:
صفحات لا مرئية

أنت الآن سعيد.. تحس بالغبطة تمامًا، كأنك حصلت على إجازة علمية ما. تحس الآن بالسرور وبراحة البال، بحيث لا يمكن لأي جلاد من جلادي محكمة تأنيب الضمير معاقبتك على أي شيء، ذلك لأنك لم تسمح لنفسك يومًا ما بتصديق المشهرين بكل أنواعهم، خاصةً أولئك الذين يدعونك بلغة جميلة وبكلام مهذب إلى شراء شقة الأحلام التي تكفل لك حقك في السعادة. يظلون طيلة الوقت يذكرونك بهذا الحق.

لكن حقك هذا رهين بشراء شقة صغيرة بحجم ظفر، ولذلك لم تصدقهم أبدًا. دائمًا تكتشف أن هناك مانع ما يمنعك من ذلك: هناك خطأ ما، هناك تذاكي ما، هناك مؤامرة ما.. المشهر متآمر حقيقي مع أرباب المقاولات والمتاجر الكبرى والمصانع. المشهرون أشبه بالسماسرة، لذلك فكلامهما لا يختلف كثيرًا عن صرير الأبواب القديمة أو فحيح الأفاعي. يخدعونك في أول إغفاءة لك أو سهوم، مثلما يفعل اللصوص في الحافلات المزدحمة. في أول استكانة منك تجد نفسك قد دخلت إلى سراديب مظلمة تسكنها العفاريت وبنات آوى، هم ينتظرون بفارغ الصبر هذه الإغفاءة.

حينما تغفو أنت يستيقظون هم. حينما تحزن، يفرحون. حينما تهجس، يشعرون بالطمأنينة والسكنية. حينما نتقلب حياتك إلى كابوس مزعج، يسعدون ولا يرون في نومهم سوى أحلام وردية. حينما تلجأ إلى التقشف لتصريف ورطتك المالية، يلجؤون إلى اللهو والاستجمام داخل فنادق مصنفة. حينما تضطر أنت إلى الاقتراض، يكونون هم قد اغتنوا وتضخمت أرصدتهم البنكية بشكل فاحش. حينما تفكر في حبس نفسك داخل شقتك الشبيهة بصندوق جدتك، يسافرون إلى أمكنة بعيدة.

سكان الشقق الإسمنتية، وليس غرف الكتب المكيّفة، يراكمون الخيبات سنة بعد سنة. أناس اعتادوا الهزائم والويلات، شديدو الهشاشة مثل قطعة شوكولاتة

وحينما تلجأ إلى المدارس العمومية لتعليم أطفالك بسبب ضيق ذات اليد التي كانت نتيجة سوء تقديرك للأمور، يندفعون هم إلى المدارس الخصوصية باحثين عن البهرجة والمستقبل الآمن لأطفالهم. حينما تشتري ملابسك من متاجر "Defacto" الرخيصة، يذهبون برفقة زوجاتهم المدللات إلى متاجر "La Coste"، و"Massimo Dutti". حينما تسافر في حافلة مهترئة، يسافرون هم في الدرجات الأولى لقطار مكيفة. حينما تعض على شفتيك بأسنانك حتى تكاد تدميها دلالة الخيبة والهزيمة، مثلما يفعل مقامر خسر في رهانٍ ما، يفركون أيديهم ويستعيرون ابتسامات رديئة ومبتسرة من موسوعات طبية متخصصة في مدح الضحك وانفراجات الفكين.

لذلك فإن ابتساماتهم تجعلني أتخيلها كحركة الأبواب المغناطيسية في متاجر السوبر ماركت. ابتسامات تشبه حلولًا رياضية جاهزة منقولة بحنكة تلميذ يتقن الغش المدرسي في امتحانات البكالوريا، التي تختلف الآن عن استعراضات المعارض المحلية لتسويق السلع والفواكه الموسمية، وذلك من خلال تقنية لـ VIP. تقنية تعدم المدرسة بطلقة مسدس متطور وكاتم صوت.

أستطيع الجزم بأن المشهرين هم أناس قساة بالضرورة. لذلك فهم يغمى عليهم من شدة الفرح، حينما تلامس شفتيك طعم منتوجاتهم الرديئة العالق في شصوص صناراتهم المستوردة من بلدان أجنبية. صنارات وشصوص وأناس مغرر بهم اعتادوا الاستعجال: الربح بشكل عاجل، والعيش بشكل عاجل، والسفر بشكل عاجل، والحلم بشكل عاجل، والتعلّم بشكل عاجل في مدة أقصاها خمسة أيام، والزواج بشكل عاجل، والطلاق بشكل عاجل، والموت بشكل عاجل نتيجة أمراض خرافية، والشهرة بشكل عاجل، والاغتناء بشكل عاجل، والاغتيال الرمزي بشكل عاجل، والنجاة من العقاب بشكل عاجل، والمرور عبر طرق ملتوية بشكل عاجل، والحصول على وظائف كبيرة بشكل عاجل، والحصول على جسد مثالي بشكل عاجل، والتخلص من الآلام بشكل عاجل، والنوم بشكل عاجل من خلال أقراص مخصصة لهذا الغرض، والفرح بشكل عاجل، والحزن بشكل عاجل لأن الحياة لا تنتظر أحدًا، والسكن بشكل عاجل داخل شقق جاهزة تشبه آلات التصوير ذات الاستعمال الواحد: الـ Jetable.

سكان الشقق الإسمنتية، وليس غرف الكتب المكيّفة، يراكمون الخيبات سنة بعد سنة. أناس اعتادوا الهزائم والويلات، شديدو الهشاشة مثل قطعة شوكولاتة. أناس لا يؤمنون بأي شيء سوى كلام المشهرين على شاشات التلفاز. كلامٌ يتم حفظه عن ظهر قلب كتعاويذ تقيهم الشر والبلوى. كلامُ مشهرين مطعّم بخلفية موسيقية سرعان ما يتحول إلى أناشيد يرددها الأطفال، ويستشهد بها المدرسون في المدارس. كلام مشهرين تفوح منه روائح خديعة تكاد تزكم الأنوف، منظوم ومقفى بواسطة شعراء مغمورين إلى الدرجة التي تجعل من حفظه سهلًا من طرف ربات البيوت المغلوبات على أمرهن.

كلامُ مشهرين صيغَ بعناية منقطعة النظير بحيث يخترق الطبقات الرسوبية السفلى للقلوب المتعبة. كلامٌ يدغدغ العواطف، سريع الهضم، منكّه بمنكه "جومبو" الشهير، ومفعوله سريع مثل أدوية سحرية، وناصع البياض كالثلج، يشبه مطرًا جادًا لا يلوي على شيء. كلامٌ لا يحتاج إلى جسور معلقة كي يعبر إلى أقصي المناطق الجغرافية من جسد الإنسان المعاصر، يأتي مدجج بترسانة من الأسلحة غير المرئية. كلامٌ ناضج يخرج من أفواه أناس ناضجين.

كلامُ مشهرين شهام لا تلومهم في الجشع لائمة. كلامٌ يسمن ويغني من جوع ضدًا على اللازمة الشهيرة: لا يغني ولا يسمن من جوع. كلامٌ يفتح كل الأبواب الموصدة: Passe – Partout. كلامٌ مليء بالغزل والإيحاءات الأخرى التي تخطر على بالكم، وتلك التي لا تخطر أيضًا. كلامٌ يشبه إفشاء أسرار تقود إلى كنز علي بابا الأسطوري، لا يولد أي معنى شفاف ما عدا المعاني التي اشتغل عليها الحاذق أمبرتو إيكو. كلامٌ يشبه خطابات السفسطائيين البائس، مفخخ مثل سيارات ملغومة، تخترقه راكضة أرانب سمينة تبشر بالحياة السعيدة، أكثر وخامةً وإيلامًا من العنف الفيزيائي الذي يقصد من خلاله إلحاق الأذى بأجساد الأخرين، لأنه عنف لطيف ومهذب، لا يعترف به حتى المعنفون أنفسهم، وذلك على حد تعبير الرجل الموضوعي بيير بورديو، الذي سلط كلماته لفضح أحابيل العنف الرمزي.

التلفزة لا تفي بوعودها. فالتعبئة المضاعفة ليست كذلك. ومساحيق التصبين الخرافية لا تقضي سوى على أيادي ربات البيوت المقهورات

لكن هذا الكلام لا يستطيع الدخول إلى آذاني. يظل يحلق بجانب رأسي كذبابة جسورة، ويبقى معلقًا في الهواء دون أن يحصل على إذن بالدخول، ذلك أنه مجرد كلام مشهرين أُلقي به في سلة مهملات داخل غرفة مكتبي المليئة بأوراق مسوداتي القصصية، التي أصبحت أتخلى عنها لأنها غير نافعة.

لذلك فأنا سعيد جدًا لأنني لم أصدق بعد كلام هؤلاء المشهرين، لأنني لم أُخدع بعد. أستطيع النجاة من أحابيلهم مستعينًا بشك ديكارت، ومطرقة نيتشه، وتمحيصات إيمانويل كانط. أسخر منهم مثلما كان يفعل سقراط حينما يستمع لمرافعات السفسطائيين. وهكذا فإنني أعدم كل أحاسيس الجشع، أغتالها قبل أن تولد.

كما أنني لا أشارك في أي مسابقة تلفزيونية تبشر بالفوز بشقة سكنية فاخرة، وتخفي بشكل محترف، وبخط غير مرئي، جملة تفيد أن الصور غير تعاقدية، ذلك أنها مسابقات تعلب الأوهام والأطماع. مسابقات لا أصدقها. لذلك فالفتاة التي تبشر بالسعادة طيلة الوقت، وخلال ما يعرف بوقت الذروة، تبدو متصنعة جدًا في كلامها، بل تبدو وكأن كلامها لا يريد مغادرة فمها. أو، على الأصح، تتكلم كأنها تخرج أسلاكًا معدنية من فمها، فهي ربما تفكر في خطيبها الذي تتمنى أن يكون هو الفائز الوحيد، أو فقط تتمنى ألا يفوز أبدًا في أية مسابقة تليفزيونية، أو غير تليفزيونية، لأنه لم يفي بوعوده. هذا فقط لأنه لم يتزوجها مفضلًا فتاة أخرى أنحف من زانة.

التلفزة هي الأخرى لا تفي بوعودها. فالتعبئة المضاعفة ليست كذلك. ومساحيق التصبين الخرافية لا تقضي سوى على أيادي ربات البيوت المقهورات. ومنكهات "جومبو" الشهيرة هي الأخرى تحتاج إلى تنكيه، وكذلك المشروبات الغازية التي أصبحت كمياه الصنابير المحلاة.

أما المسابقات التلفزيونية، فلا يفوز فيه أحد ماعدا الفتاة التي قدمتها بحسن نية، وإن كانت قد أبدت الكثير من الخبث، حينما فكرت في إمكانية الربح فيها، وهذا ما لا تريده طبعًا، من طرف خطيبها الذي اختفى مثلما يختفي فص ملح في كأس ماء. لهذه الأسباب مجتمعة لا أشارك في هذه المسابقات، ولم أظفر بعد بشقة الأحلام. أفضّل أن أظل قابعًا في غرفة مكيّفة داخل كتاب.

اقرأ/ي أيضًا:
جيش سارقي البيض

دلالات: