غرداية... الوجه الأزرق الساطع للجزائر

غرداية... الوجه الأزرق الساطع للجزائر

على بعد ستمائة كيلومتر جنوب العاصمة الجزائرية، تقع مدينة غرداية، أو "ثغردايث" كما يحلو لسكانها أن ينادوها. مدينة ضاربة في عمق التاريخ، تأسست في مطلع القرن الحادي عشر من الميلاد، على ضفاف وادي ميزاب، مدينة القصور السبعة. نموذج عالمي فريد، دخل إرث اليونسكو عام 1982، بفضل مدينتها الهرمية القديمة، ومئذنة جامعها ذات المائة وأربع عشرة درجة، وباحة السوق القديم الذي يتوسط القصر. أشياء كثيرة في غرداية.

قصة غرداية تبتدئ من اسمها. فهناك من يرجح أن الاسم الحقيقي هو "ثغرذايث"، وهي كلمة أمازيغية معناها المنطقة المستوية من الأرض والواقعة جنب الوادي، فيما يرى آخرون أن اسمها غرداية وتعني "غار داية"، ويستندون أنه في القديم وجدت امرأة وحدها في الشتاء في غار في وسط جبل، سألوها عن اسمها فقالت إنها داية، وقد تركتها القافلة هنا، فسميت المنطقة بهذا الاسم.

قصة غرداية تبتدئ من اسمها فهناك من يرجح أن الاسم الحقيقي هو "ثغرذايث"

تتميز غرداية بطابع اجتماعي ومعماري منقطع النظير. إنها مدينة تقابلك قصورها العتيقة أينما وليت وجهك. آثار حضارة بني ميزاب وفنهم المعماري شديدة الوضوح بين أزقتها، كما تعد المدينة بوابة الصحراء، ومركزًا تجاريًا هامًا، لكونها مفترق طرق الصحراء الكبرى. كما أنها تعتبر أيضا عاصمة التعايش والاختلاف في المغرب الكبير، إذ استقرت بها منذ القدم عائلات من الأمازيغ والعرب، قدموا من مختلف ربوع شمال أفريقيا، واستقر رأيهم على الإقامة في هذا المكان المنعزل عن الأخطار وسط الصحراء، مكونين قبائل مختلفة الأنساب والأعراق. انتشروا في سكناها حول وادي ميزاب مكونين الشكل الحالي للمدينة، وهو ما يمنح غرداية طابعًا إنسانيًا تختص به وحدها.

إن حضارة وادي ميزاب ، تتجلى أيضًا في تمسك أهاليها بأصالتهم وتقاليدهم، في هندستهم المعمارية الأصيلة. لقد بنوا مدنا كاملة فوق جبال وعرة بطريقة رائعة، رغم أنهم لم يكونوا من أصحاب المعدات الضخمة. استعملوا الأخشاب والسعف والجريد، ليبنوا قصورًا بسحرٍ خاص. بنوا مدنًا كاملة فوق صخور ضخمة، وهو ماجعلها قبلة للدراسين في علوم الحضارات والإنسان. أحد المستشرقين قال عنها:

"ميزاب له أضواء وسحر خاص. لقد ذهبت إلى ميزاب في مطلع هذا العام (إحدى سنوات السبعينيات)، ثم رجعت إليه في الربيع، ثم ذهبت إليه في الصيف مرتين، وإنني أنا كمصور لم أر في بلاد الغرب ما يشبهه، سحر خاص يجذبني إلى هنا من أعماق باريس".

وتنتشر بغرداية مناسبات للفرح تتناقلها الأجيال، حيث لازال بنو ميزاب يحتفلون بقدوم الربيع، ويقيمون كل عام "مهرجانا للزربية" في سوق المدينة. تعد زرابيهم التي تنسج يدويًا في المنازل أحد أبهى وأرقى أنواع الزرابي في الجزائر، ويغلب على الزرابي المزابية اللون الأحمر المائل إلى البني وترسم فوقها أشكال ورموز أمازيغية ذات أبعاد تاريخية وثقافية وتراثية مختلفة.

إن حضارة وادي ميزاب تتجلى أيضًا في تمسك أهاليها بأصالتهم وتقاليدهم وفي هندستهم المعمارية الأصيلة

إلى ذلك، يفخر وادي ميزاب بأبنائه. من بين أشهرهم صاحب "الياذة الجزائر"، وكاتب كلمات النشيد الوطني الجزائري، مفدي زكريا، و"الشيخ أطفيش". هذا العلامة الشهير الذي جاوزت شهرته حدود ميزاب، بل وحدود القطر الجزائري، والذي صارت المكتبة التي تحوي تراثه ومخطوطاته العلمية مزارًا هامًا لمن يقصد المدينة.

غرداية، يقف أمامها الدميع بنفس درجة الانبهار. فابن البلد حين يصلها يكتشف مكانًا سحريًا مطليًا بالأبيض الناصع المائل إلى الزرقة وسط الصحراء، وتقع عيناه فجأة على أسطح ممتدة من أعالي الجبل إلى ضفاف الوادي. كذلك السائح الأجنبي المتعود على الأشجار الباسقة وتزاحم الناس، فسيجد نفسه فجأة بين وطن من النخيل، وغالبًا سيشعر ببهجة الانتقال من "أنفاق المترو" إلى أزقة ضيقة، تقع في آخرها ساحة كبيرة. وإذا ببني ميزاب يرتسمون أمامه بوجوههم البريئة ولهجتهم الميزابية الرقيقة، ولباسهم التقليدي المميز. رداء لم ينزعوه رغم جحافل الحداثة وإغراءات العولمة.

اقرأ/ي أيضًا:

"ورزازات" المغربية.. هوليود إفريقية دافئة
لا مظلات في شارع دوبانتون