غرامشي والثقافة الشعبية.. الدرس الغائب عن

غرامشي والثقافة الشعبية.. الدرس الغائب عن "المثقف" العربي

رأى غرامشي أنه من الضروري الانخراط مع الطبقات الشعبية بأذواقها وخياراتها (Walker Art)

كانت النخبة المثقفة في أوروبا تستطيع التأثير على الجماهير بسهولة، وبسبب ذلك كانت تحظى بحظوة بارزة وسط المجتمع. لكن مع انتشار الراديو والتلفزيون في منتصف خمسينات القرن الماضي، حدث تغير هائل في الاتصال الجماهيري، وتراجع دور المثقف في صناعة السياسة الأوروبية.

من المهم كما يوضح غرامشي في كراساته أن يغرس المثقف أفكاره السياسية في جذور أشكال الثقافة الشعبية كما هي، بأذواقها وتوجهاته

درس غرامشي في التواصل مع الجماهير

ومع ذلك استمر المثقفون في تقديم أنفسهم على أنهم يمثلون الطليعة التي تقود الجماهير، وينظرون بعين الريبة إلى الثقافة الجماهيرية الجديدة التي صنعها التلفزيون، من موسيقى وسينما وبرامج شعبية، على أنها مجرد تفاهات عديمة الجدوى، غير أنهم لم يكونوا يدركون أن البساط يسحب منهم إلا بعد أن وجدوا أنفسهم على هامش المجتمع، متسائلين في حيرة كيف تهمل أفكارهم السياسية الجادة في الوقت الذي تجد فيه الأشياء التافهة النجاح وسط الجماهير.

اقرأ/ي أيضًا: كريم مروة: ثورات الربيع العربي بوصلة نحو المستقبل

لقد كان من الضروري للخروج من هذا المأزق، القيام بمراجعة نقدية لغطرسة المثقفين الذين رفضوا أن يهتموا بالثقافة الاستهلاكية الشعبية، ولم يتم ذلك سوى عن طريق مثقفين غير تقليديين، على غرار الفيلسوف والمناضل أنطونيو غرامشي.

لقد تعامل هؤلاء بطريقة أكثر استقلالية مع الأشكال الشعبية الترفيهية من موسيقى وأدب وسينما وكوميديا، واعتبروا أنه من الخطأ الاعتراض على هذه المنتجات الاستهلاكية أو الحكم عليها عبر موقف أخلاقي، لكونها أصبحت واقعًا يفرض نفسه لدى الشباب ويمكن التصرف فيها، ورأوا أنه من الضروري الدخول إلى هذا العالم الترفيهي لخوض معركة الأفكار على مستوى الثقافة الجماهيرية.

"من الضروري البدء من الخرسانة"  كما قال غرامشي في دفاتر ملاحظاته في السجن، موضحًا موقفه، بأنه "من المهم أن يغرس المثقف أفكاره السياسية في جذور أشكال الثقافة الشعبية كما هي، بأذواقها وتوجهاتها وأخلاقياتها، حتى لو كانت متخلفة وتقليدية".

ومنذ ذلك الحين، بدأت تتشكل في المجتمعات الأوروبية طبقة جديدة من المثقفين، الذين يتسربون في الثقافات الجماهيرية الاستهلاكية بألوانها المختلفة، حتى باتت اليوم النخبة المثقفة الجادة تحتفظ بحضور غير هين على أرض المنتجات الشعبية، في السينما والموسيقى والكوميديا، مما ضمن لها انتشار أفكارها السياسية وسط الجماهير.

المثقفين العرب الغائب الأكبر

بالمقابل، لا يزال المثقف العربي يحتفظ ببرجه العاجي متناسيًا درس غرامشي في ضرورة تماهي المثقف مع البعد الشعبي، وبدا واضحًا خلال العقد الأخير أن دوره غائب تمامًا داخل المجتمع، ولم يعد له أي تأثير يذكر على الجماهير أو في تشكيل المشهد السياسي أو حتى في صناعة الرأي العام.

بل أصبح اليوم تأثير مراهقين هواة على اليوتوب وفيسبوك، رغم محتوى ما يتفوهون به في غالب الأحيان، يفوق تأثير المثقفين في المجتمع، فضلًا عن الحديث عن نجوم الغناء والرقص والتمثيل. بالمقابل من النادر العثور على مثقف جاد يستخدم منصات التواصل الاجتماعية لبث أفكاره الجادة بطريقة تصل للناس.

اقرأ/ي أيضًا: بندكت أندرسن و"جماعاته المتخيلة"

هذا في وقت تعيش فيه المجتمعات العربية أوضاعًا صعبة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، تنتظر أفكارًا وحلولًا عاجلة للخروج من سطوة الفساد والاستبداد وضياع الأجيال، الأمر الذي لن يتحقق بدون استرجاع الصلة بين النخبة المثقفة المتنورة والجماهير الشعبية.

 لا يزال المثقف العربي يحتفظ ببرجه العاجي بعيدًا عن الشأن الشعبي، متناسيًا درس غرامشي في ضرورة تماهي المثقف مع هذا البعد

إن جني نتائج سياسية وفكرية حقيقية يتطلب من المثقف التخلي عن أوتوبياته الرفيعة والنزول إلى الميدان، ومباشرة مشاريع فكرية مستخدمًا الأدوات والأساليب العصرية التي تتناسب مع سياق شباب اليوم، فإذا كان هناك شخص يخطب وسط غابة ولا أحد يسمعه هناك، فليس لكلامه أهمية تذكر حتى لو قال أفضل ما قيل.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أنيس صايغ..أرشيف لفلسطين

مارلون براندو.. المشي على قطع الزجاج