غجر إيطاليا.. الترحال كهوية أم هربٌ من العنصرية؟

غجر إيطاليا.. الترحال كهوية أم هربٌ من العنصرية؟

إحدى هجمات الشرطة الإيطالية لتجمع سكاني للغجر في 2014 (Getty)

كراهية ضد المسلمين واللاجئين والنساء والشيوعيين والمثليين، ولا يقف عند هذا تعداد المغضوب عليهم من طرف قوى اليمين المتطرف في أوروبا، وإيطاليا تحديدًا، كون هذه القوى التي يترأسها في إيطاليا حزب الرابطة وزعيمه ماتيو سالفيني، تأسس خطاب وجودها السياسي على العداء الذي تنصبه لكل ما يناقض تصورها الكلي لمجتمع إيطالي متخيّل.

يمثل الغجر في إيطاليا جزءًا لا يتجزأ من اللائحة السوداء المستهدفة من اليمين المتطرف، ويزيد سوء وضعهم بممارسة العنف ضدهم

وهكذا يمثل الروم الغجر، هذه التجمعات البشرية العريقة ذات الهوية الخاصة، في شبه الجزيرة الإيطالية، جزءًا لا يتجزأ من اللائحة السوداء التي تستهدفها قوى اليمين المتطرف.

اقرأ/ي أيضًا: الفاشية الإيطالية المتجددة.. باقية وتتمدد

يتواجد الغجر في أكثر من 40 دولة حول العالم، وتتركز مجموعة الغجر الروم أو "الرومن" في القارة الأوروبية. وتقول بعض الدراسات إن الأصل الموحد للغجر هو شمال الهند. وتجمع معظم الأبحاث الدراسية إلى إرجاع ترحالهم الأول إلى ما قبل 1500 عام.

اختلفت على طول هذه المدة أشكال حياتهم، إلا أنها تجتمع في شأن واحد هو العيش في جماعات منغلقة على ذاتها. أسلوب العيش هذا جعلهم دائمًا على هامش المجتمعات التي يجاورونها، وبالتالي يجعلهم بذات الشكل عرضة لاضطهاد لطالما رافقهم في ترحالهم بين الأقطار.

الغجر في إيطاليا
يعاني الغجر في إيطاليا من ممارسات عنصرية تتسم أحيانًا كثيرة بالعنف المادي

في إيطاليا المعاصرة، يعيش أكثر من 170 ألف من الغجر الروم في وضعية هامشية، معلّقين بين التشبث بالخصوصية الثقافية المتوارثة وبين ضرورة العصر التي تجذبهم إلى داخل بوتقة العولمة والمجتمع ذو النمط الواحد. كما يشكلون شوكة في حلق القوى اليمينية، مع التغيرات السياسية التي عرفتها البلاد.

الغجر في مخيال المجتمع الإيطالي

تبرز دراسة تعود لسنة 2008، تبرز مدى العنف الرمزي الذي يعيشه الغجر في إيطاليا، ومدى التهميش الاجتماعي الذي يكابدونه. منهج الدراسة ينطلق من استطلاع رأي يقوم على سؤالين أساسيين: مدى وعي الإيطاليين بهذه المجتمعات، وصورة هذه المجتمعات في المخيال العام الإيطالي.

تكشف الأرقام أن 56٪؜ من الإيطاليين يجهلون تمامًا عدد الغجر الإيطاليين، في المقابل يبالغ 35٪؜ في تعدادهم بينما 6٪؜ فقط يعرفون العدد الصحيح، في حين يعتقد 50٪؜ كون الغجر ليسوا إيطاليين، ويعتقد 84٪؜ أنهم بدو رحل.

وبشكل عام تقول الدراسة، إن التعاطف مع الأجانب في إيطاليا قد انخفض في السنوات الأخيرة، لكن لا توجد مجموعة عرقية لديها مثل هذا التقييم السلبي مثل الغجر.

هناك عنصر آخر تشير إليه الدراسة، وهو العلاقة الاطرادية بين العنصرية ومستوى التعليم، بحيث كلما ازدادت درجة التعليم  يزداد التعاطف مع الشعوب الأجنبية، إلا في حالة الغجر يحدث العكس. فـ71٪؜ من حاملي الشهادات ليس لديهم تعاطف مع الغجر.

وتدور صورة الغجري في المخيال الإيطالي حول الترحال واللصوصية والعيش في معسكرات هامشية مغلقة على حواف المدن، تصاحبها جهل نوعي بمقومات وجود هذا المجتمع. وهي صورة ليس وليدة اللحظة، بل يرجع اضطهاد الغجر إلى حقب التنوير، وأصبحت ذات أهمية خاصة مع تطور المجتمع الصناعي، وبلغ ذروتها خلال الفترة النازية والفاشية.

واستمر تكريس نكران الغجر حتى بعد سقوط شمولية في أوروبا، حيث لم يتم حتى إدراجهم في مشروع المصالحة الأوروبية الذي تلى الحرب العالمية الثانية.

وخلقت صفة الترحال، والتي التصقت بالغجر كتصحيح صوابي للاسم نفسه، مشكلة أنثروبولوجية حرجة، وهي تقترن بهذا الشعب، في تناقض مع ما تأسست عليه أوروبا سياسيًا أي فكرة الدولة الوطنية الثابتة، الشيء الذي خلق رهابًا من هؤلاء الجماعات المتنقلة، تمثل في إرغامهم على الاستقرار داخل الهوامش الفقيرة، وفي خطاب العنصرية الذي يواجهونه، خصوصًا مع اختراق اليمين الشعبوي الإيطالي للمشهد السياسي، أي نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة.

يؤكد ذلك بيان اللجنة الأممية لمكافحة التمييز العنصري، الذي عبر عن قلقه من وضعية التي يعيش فيها الغجر في إيطاليا؛ من التهميش والعنصرية التي تطالهم، وما يكرسها من عزلة اقتصادية، ثقافية واجتماعية.

سياسة صفر تسامح مع الغجر!

"رفاقي في رابطة الشمال، كلماتي هذه بمثابة إعلان ثورة! ثورة ضد المهاجرين غير الشرعيين، ضد مخيمات الرُّحل والغجر. ولقد كنت قد دمرت مخيمين لهم في تريفيزو، مطهرًا تلك الأرض منهم إلى الأبد. وسأستمر في تصفية الغجر، ونسلهم الذي يحترف سرقة الشيوخ والنساء. وإن كان ماروني (قيادي في حزب رابطة الشمال) دعا سابقا إلى صفر تسامح مع الغجر، فأنا أدعو إلى صفري تسامح معهم!".

هذا حديث مقتطف من خطاب يعود لسنة 2007، لـ"جيانكارلو جنتيلي"، القيادي في حزب رابطة الشمال، والنائب البرلماني وعمدة محافظة تريفيزو الإيطالية سابقًا.

الغجر في إيطاليا
شنت قوات الشرطة الإيطالية هجمات على تجمعات الغجر عدة مرات

هذه الادعاءات التي وردت على لسان جنتيلي ليست فردية في إيطاليا اليوم، ولا معزولة، ويؤكد ذلك المرصد الدولي للميز العنصري والكراهية ضد الأجانب، بل هي تعبير عن شعور منتشر على نطاق واسع في المشهد السياسي والإعلامي وعموم الرأي العام في البلاد. في وقت يخلق فيه مجرد التلميح بلخطاب كهذا يستهدف أقليات أخرى موجة استنكار كبيرة، الاستنكار الذي يغيب والصمت الذي يطغى في حالة الروم الغجر.

ورافق هذا الصعود المدوي لخطاب الكراهية هذا في إيطالي، المرحلة الأخيرة من توسع الاتحاد الأوروبي، بضم رومانيا وبلغاريا اللتين تجمعان عددًا كبيرًا من الغجر، الأمر الذي جعل قوى اليمين تلك تضغط سياسيًا بخطاب رهاب من موجات الهجرة التي قد تعبر من هذه البلاد إلى شبه الجزيرة الإيطالية. في المقابل ركز الإعلام على تصوير ترحال هذه المجتمعات، الشيء الذي جعل الظاهرة تبدو بارزة، مؤلبًا بشكل غير مباشر المجتمع الإيطالي عن هذه الأقلية.

في تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2007، صرَّح الوجه الإعلامي المشهور إيطاليًا، ماوريزيو بيلبييترو، بأن روما كانت أكثر أمنًا قبل انضمام رومانيا إلى الاتحاد الأوروبي. بعدها بأيام، لم يتردد والتر فيلتروني، عمدة العاصمة الإيطالية روما آنذاك، في تحميل مسؤولية ما أسماه "ارتفاع مستوى الجريمة" للمهاجرين الرومانيين.

موجة ردود فعل أشعلتها وقتذاك جريمة قتل راح ضحيتها سيدة إيطالية، والمتهم الرئيسي شخص روماني. كما سهلت الجريمة على الحكومة تمرير قانون 181/2007 الذي يرمي إلى طرد كل أقلية "تهدد الأمن الداخلي للبلاد". وهكذا توفر للشرطة بعدها السند القانوني لشن هجمات على مخيمات الغجر، وملاحقتهم وترحيلهم نهائيًا من البلاد، قبل ساعات فقط من إقرار القانون.

ووصولًا إلى الانتخابات البرلمانية الإيطالية سنة 2008، كانت "مشكلة الغجر" طاغية على الخطاب الانتخابي، فيما أبقت حكومة بيرلسكوني، برئيس داخليتها روبيرتو ماروني، الذي استطاع تقنين منع إقامة مخيمات الغجر، وفي نفس الوقت لم يقدم أي سبيل لتقنين تواجد هذه المجتمعات. وبهذا الشكل، باتت غارات الشرطة المكثفة على تجمعات الغجر، مبررة بذريعة قانونية!

سالفيني.. بقاء العنصرية ضد الغجر

"في جعبتي برنامج خاص لحل مشكلة الغجر"، هكذا صرّح ماتيو سالفيني، وزير الداخلية وزعيم حزب الرابطة الإيطالي، في لقاء تلفزيوني السنة الماضية، مضيفًا أن مشروعه يقوم على إحصاء واسع لأفراد هذا المجتمع، "فمن ثبت عدم حيازته على الإقامة الإيطالية سيتم ترحيله، ومن ثبت العكس سنكون مرغمين، مع الأسف، للإبقاء عليه في إيطاليًا.

وهكذَا يأسف سالفيني على مشاركة الهواء مع الغجر، بخطاب يصنفهم أدنى درجة أو درجات، استطاع أن يكسب أصوات المجتمع الإيطالي، وصلًا غلى اختيار الرابطة حزبًا يقود الحكومة.

لم يدخر سالفيني وقتًا في الوفاء بوعوده، أو الاستمتاع بهوايته "دك مخيمات الغجر"، وبطموحات موسولينية من الحجم الصغير، خاض سباق الإجلاء القسري لتلك التجمعات السكنية الهامشية، أيامًا قليلة بعد تصريحه الأول.

 


ماتيو سالفيني، وزير الداخلية وزعيم حزب الرابطة الإيطالي

"تشريد المئات من العائلات، نساءً وأطفالًا صغار؛ هو أمر بلغ من القسوة حدَّ الشناعة!"، تعلق كاترينال موتوك عن منظمة العفو الدولية بإيطاليا، فيما أشار تقرير لذات المنظمة إلى أن هذا التحرك من الحكومة الإيطالية "يمثل خرقًا صريحًا للمواثيق الدولية والأوروبية فيما يخص حقوق الإنسان ومحاربة التمييز العنصري"، وناشد كافة القوى الإيطالية والدولية للتدخل بغرض رفع هذا الحيف.

ولم تقف منظمة العفو الدولية عند هذا الحد، بل دفعت القضية أكثر إلى الأمام، تزامنًا مع تخليد اليوم العالمي للروم الغجر، والذي يحل في الثامن من نيسان/أبريل من كل سنة، رافعة شكوى للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان بخصوص "الخروقات الحقوقية التي ترتكبها الحكومة الإيطالية ضد شعب الغجر، وتكرر حالات الإجلاء القسري والعنيف لهؤلاء الأقليات، مع استمرار "حرمانهم من الولوج إلى سكن اجتماعي يحترم كرامتهم ويستجيب لشروطهم الاجتماعية والصحية"، يقول نص الشكوى.

84%  من الإيطاليين يحملون شعور الكراهية ضد الغجر، وهو ما استطاع اليمين أن يكرسه بخطابه المتطرف على مدار سنوات

هذا ولم تتغير النظرة العنصرية لشعب الغجر، بل تزداد بحسب ما تثبته أحدث الإحصائيات والتي تعود لسنة 2016، أن 84٪؜ من الإيطاليين يحملون شعور الكراهية ضد الروم الغجر، ناعتين إياهم بنعوت احتقارية تتجلى بوضوح في الخطاب العام الإيطالي، حيث كلمة الغجر ترتبط اطرادًا بالصورة نمطية للسرقة والكسل وقلة النظافة ورفض الاندماج في المجتمع. وهي ذات النظرة التي تظهر بوضوح في شعار اليمين الإيطالي "إيطاليا أولًا" كما دأب سالفيني على ترديده.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما الذي نعرفه عن الغجر؟ 5 كتب تجيب عن ذلك

الأوروبي المنزعج: "لا مرحبًا باللاجئين ولا بالسياح!"