(Getty) في مخيم خانيونس

الاسم: ثرية أبو ليلى  
تاريخ الميلاد: أبصرت الحياة مذ بني المخيم، يعني أنني أتيت قبل مولدي، فالمخيم يوم ميلادي. المخيم أعيادنا التي لا تنتهي، المخيم يوم أتكئ على جدرانه كأنما غُبار الذهب، ذلك الغبار مصنوع من الله، أو أن الله قد صنع  من غبار المخيم، صدقوني.

الجنس: يقول راضي إنني لست حقيقة، إنني رائحة أرض المخيم بعد عناق طويل مع المطر، بعد اشتباك حباته بأسمنت جلبناه دَينًا إلى اليوم لم نسدده. 

رقم الهاتف: لا هاتف لدينا، تقول أمي دائمًا: "زيكو زي كل أهل المخيم، فش إلا أم قاعود عندها تلفون، ودخيلكو مهيو المخيم قد عين الديك بدوش تلفونات لنتواصل مع بعض"، تخطّئ نفسها في أحيان أخرى وتقول: "ولكو فش أكبر من هالمخيم قد الدنيا قلبو واسعنا كلنا".

العنوان: أسكن في عيون راضي، لكن حينما تمطر أهرول إلى قلبه خوفًا من بلل دمعه، من فرط شعوره أخاف الغرق.  
هل لكم مصدر دخل أو راتب معين: كثيرًا ما نتبادل السكبات نحن وأم عمران، تحوك أمي الصوف أيضًا ونعطيه لأم صلاح بدلًا من الكعك الذي تصنعه، لا دخل محدد لدينا، ربما الحب، نقتات على حب بعضنا البعض في هذا المخيم. 

أكملت الأسئلة المطروحة في استمارة طُلب مني تعبئتها للحصول على "المعونات". كنت أتمنى أن أجيب على تلك الأسئلة بالطريقة التي أحبها، لكني أجبت كما هو معتاد وأعطيتها للمتطوعة وذهبت.

أحب راضي، وليل المخيم لا أزال مدهوشة من هول المشهد فيه. ليل المخيم ليس كأي ليل، ليل المخيم كله صبح، من أين له بكل هذا النور، ليل المخيم شاهد عيان على جرائم الحب، ليل المخيم صديقه الصدوق مقطع "يا ظريف الطول يوم الغربوك/ شعر راسي شاب والظهر انحنى"، لكثرة ما استقبلناه به. الليل في المخيم قنديل لُمح ضوؤه من منزل غني بالبساطة ما أفقره للحزن. الليل في المخيم ليل منشق عن لياليكم خارجه، الليل يا الله كيف يغمض لنا جفن فيه وهو بكل هذا اللطف، ضيف لا قدرة لنا على التغاضي عن زيارته وعدم فتح أبواب قلوبنا له، الليل في المخيم  ضيف من الطبقة المخملية، نحن الذين لا يدوس أرضنا إلا الطبقات التي اهترأت أقدامها لكثرة ما وقفت أمام جمعيات للإعانة، لكن رغم ذلك قلوب تلك الطبقة لا تهترئ، بعيدة أبعد ما يمكن عن الكبر.

ليل المخيم كيف نرتديه معطفًا يحمينا من برد المدن الأخرى؟ من العصر من الظهر من كل وقت سواه، ليل المخيم حرام يسكرنا ويذهب عقولنا لفرط جماله، ليل المخيم يُعبد، نخطط أن نلملم بضعة منه ونبني معبدًا، ليل المخيم لا ينسانا حين نعود أليه بعد صبح شاق، ليل المخيم يا الله كيف أوصفه؟ 

يغار راضي من جدران المخيم لكثرة ما مرت عليها شفاهي، يتعجب في بعض الأحيان ويسألني: كيف لك أن تقعي في غرام حائط، يقول دائمًا: "ولك انتي مجنونة وبدك تجننيني، صرت أغار من الحيطان". لو يعلم راضي لكم أهيم بجدار المخيم! مرت عليها شفاهي وأصابع طفولتي، حتى أن دمعي مرة مسحته به يوم استشهد البقال ولا مناديل لدينا، أرض المخيم واسعة، واسعة مثل لا شيء لأن الشيء دائمًا محدود، لكنه الوحيد الحُر دونما حد.

أنا أيضًا أغار من حبه الشديد لشجرة الياسمين الملاصقة لمنزله: "خيا طول بالك، ع فكرة شجرة، شجرة لا راحت ولا إجت"، وفي قلبي يقين كبير أنها ليست مجرد شجرة، كل شيء في المخيم معذور، البارحة كان رأفت ابن عمي الصغير يمرر السلحفاة على حجر الحارة، ويحدثها ظنًا منه أنها تفهم كل ما يقوله: "ديري بالك تخدشي حجار المخيم، يما شوفي عندها أظافر، يباي شو صغار". 

إننا المجانين الأكثر نضجًا، لأننا الوحيدون الذين نؤمن أن المخيم يحسنا، ويشعرنا، ويسمعنا، ويحتضن يُتمنا.
 
"ياريت إنت وأنا بالبيت 
شي بيت أبعد بيت 
ممحي ورا حدود العتم والريح 
والتلج نازل بالدني تجريح"
لست أتخيلني أسكن خارج راضي والمخيم. راضي الوحيد البارع القادر على جعل قلبي ينبض أسرع من فهد يصطاد  فريسته، راضي الذي لا يملك أي مبلغ من المال، لكنه قادر على جعلي أسافر وأجتاز الحدود دونما جواز حتى. راضي الذي لولاه لما كنت عرفت فيروز كل هذه المعرفة. أصبحت أذهب كل فجرٍ عند باب المخبز لأستمع إلى أغنياتها التي لا يعرف الخباز كيف يصنع عيشنا دونما نكهتها. خمس ملاعق من مقطع "أنا ولله كنت مفكرتك برات البلاد". ينفض يديه جيدًا عندما يقترب هذا المقطع، ويعيده ويكمل صنع سعادتنا. 

أيعقل يا الله أن نرمم جوعنا ونسكته برغيف كُله بلادٌ وفيروز، رغيف "مخيمجيٌّ" أشبع ضلوعنا شغفًا وحبًا، على كل خباز في هذه الأرض أن يأتي إلى المخيم يخبز العيش للناس ويذهب، لعلّ الجميع يشبع حبًا، لعلّ الجميع يملأ الفراغ الذي لا تملأه كل وجبات المطاعم الفاخرة.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

غميضة لا تنتهي

قهوة مع عبد الله زريقة