"عيون الحرامية".. استعادة الانتفاضة الثانية

من الفيلم

في فيلمها الروائي الثاني "عيون الحرامية"، تعود المخرجة الفسطينية نجوى نجّار إلى الانتفاضة الثانية، وبالتحديد سنة 2002 لتختار بطل حكايتها. "عيون الحرامية" اسم واد شهير بين رام الله ونابلس أقام فيه الاحتلال الإسرائيلي نقطة للجيش وحاجزًا عسكريًّا، قام قنّاص فلسطيني بإطلاق الرصاص على عناصره باستخدام بندقية أمريكية الصنع، وهو التفصيل الذي اعتمد عليه الأمن الإسرائيلي -في حينه- لترجيح أن يكون المسؤول عن التنفيذ شيخًا مسنًّا شارك في الحرب العالمية الثانية، أو مقاتلًا شيشانيًا، ولكن بعد مرور عامين اتضحت هوية الشاب الفسلطيني منفذّ العملية وتم اعتقاله والحكم عليها بالمؤبد.

يعتمد فيلم "عيون الحرامية" على عملية حقيقية لقناص فلسطيني أطلق النار على عناصر حاجز إسرائيلي

تتغيّر الحكاية قليلًا في فيلم نجّار الذي يتابع في ساعتين وعشر دقائق قصة منفذّ العملية الذي تغيّر اسمه من ثائر إلى طارق (خالد أبو النجا) - وتغيرت بلدته من سلواد إلى سبسطية وتغيرت ديانته من مسلم إلى مسيحي- الذي يسجن عشر سنوات في السجون الإسرائيلية ويعود إلى بلدته ليفاجأ بموت زوجته واختفاء ابنته التي أودعت في أحد دور الأيتام، لتبدأ رحلته في البحث عن ابنته في المدن الفلسطينية.

بهذا التمهيد السردي، تؤسّس المخرجة دراما فيلمها على الثيمة الشهيرة "عودة الغائب" الذي يعود إلى عالمه القديم ويصطدم بطارئ الأحداث ومستجدات الوضع. ومع كلّ خطوة ومرحلة من رحلة طارق لاقتفاء أثر ابنته المفقودة ستتشكّل بداخله صورة جديدة عن وطنه وعالمه ونفسه: يبحث طارق، الحاصل على بكالوريوس الهندسة، عن عمل فينتهي به المطاف إلى إصلاح مواسير المياه لحساب واحد من الحيتان الصغيرة لمرحلة ما بعد أوسلو يدعى عادل (سهيل حدّاد). 

لدي عادل مشغل لفساتين الزفاف تعمل به عدد من السيدات من بينهن ليلى (سعاد ماسي) التي تماطل في الزواج من عادل. لدى ليلى ولد من زوجها المتغيّب قسرًا وابنة بالتبني (ملك أرميلة). تنشأ علاقة صداقة بين طارق وملك التي يرى فيها ابنته المفقودة وترى فيه أبيها الغائب، يجدان في البلياردو مساحة مشتركة للتواصل وإنماء علاقتهما، وبطريقة ما يحدث استلطاف بين طارق وليلى لينطلق شرر ما يشبه العلاقة الرومانسية لتكتمل أضلاع مثلث الحب المتصارع.

اقتراب طارق من عمل عادل يضع يده على عديد من الأمور التي تتمّ في الخفاء ليصل إلى اكتشاف تعاون ربّ عمله مع الإسرائليين لإمداد مستوطنة جديدة بالمياه في الوقت الذي تنقطع فيه عن نابلس. يتشكّل صراع الفيلم الدرامي في مثّلث أضلاعه طارق وليلى وعادل وفي القلب منه نور/ملك. يقرّر طارق فضح عادل أمام أهل البلدة في يوم زفاف الأخير على ليلى، التي رفضت سابقًا الهرب مع طارق في سبيل تأمين حياة كريمة في ظلّ عادل المتنفذّ والقادر على توفير مستقبل مطمئن للعاملة الجميلة وأسرتها الصغيرة.

"عيون الحرامية" أُنجز بمساعدة مختبر صندانس لكتابة السيناريو واختير لتمثيل فلسطين في سباق "الأوسكار" للعام الماضي، والفيلم في عرضه لحكايته المتجذّرة في الواقع المظلم للاحتلال الإسرائيلي يبدو كأحد نتاجات ورش الكتابة الهوليوودية مع قفزات سردية غير مبرّرة والحرص على نثر بعض الترميزات والإسقاطات السياسية (الحديث الدائر وقت نقل طاولة البلياردو مثلًا) وتطعيم الفيلم بقدر موسيقى أكثر من اللازم، والمحاكمة المسرحية في نهاية الفيلم، والنهاية السعيدة نفسها التي تذكّرنا بالمشهد الشهير لشادية في نهاية فيلم "شيء من الخوف".

في "عيون الحرامية"، يظهر التأكيد على عروية القضية الفلسطينية من خلال تنوع جنسيات الممثلين والأغاني 

"عودة الروح" يصلح عنوانًا بديلًا لهذا الفيلم الذي حاولت مخرجته تقديم وجه آخر لحياة فلسطينيي الداخل المحتلّ وعرض النضال الوطني للفلسطيني المسيحي ضد الاحتلال، والإشارة كذلك إلى خلل النفس الفسلطينية بوجود المتعاملين مع العدو الذين يتحايلون على قهر إرادة أبناء وطنهم في سبيل طموحهم الشخصي المرتبط بالعدو، مع تركيز المخرجة على تفاصيل اليومي والمعاش للفلسطينيين في الأراضي المحتلة بما فيه من أوقات مرح وكدر وفرجة للتأكيد على تمسّك الشعب الفلسطيني بحقّه في الحياة "العادية".

التأكيد على عروبة القضية الفلسطينية كان محور الكثير من أحاديث المخرجة، ولا يظهر ذلك في كاستينغ الفيلم فقط ولكن في الاختيارات الموسيقية التي تتناثر في الفيلم فنسمع أغاني مصرية ولبنانية وفلسطينية وجزائرية، وكأن المخرجة تقول أن ما فشلت فيه السياسة ربما ينجح الفنّ في إيجاده. خالد أبو النجا وسعاد ماسي تدرّبا لفترة على اللهجة الفلسطينية وإن كان أداء الممثل المصري أوفر حظًا في الإقناع، ولم تخلُ هذه التجربة من المشاكل سواء مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي تعنّتت كعادتها في استخراج تصاريح الدخول للممثلين، أو في اتهامات بالتطبيع لاحقت الممثل المصري المعارض للنظام الحاكم.

اقرأ/ي أيضًا:

السينما المصرية.. شريط يروي حكاية قرن

مرحبًا بك في راب العصابات