عين الفوارة... عادوني يا ماليا

عين الفوارة... عادوني يا ماليا

التمثال رائع

"من يشرب من مائها حتمًا سيعود إليها مهما طال الزمن". هذه مقولة توارثتها الأجيال في الجزائر عن "عين الفوارة"، إنّها نافورة الماء العتيقة التي يشرب منها أهل المدينة وزوارها، عبارة عن نصب مبني بالحجر وتعلوه امرأة، يقع في قلب عاصمة الهضاب العليا سطيف.

قبل الحديث عن الرحلة إلى نافورة عين الفوارة التاريخية ينبغي العودة إلى تاريخها وسبب إنشائها، إذ تعدّ نافورة عين الفوارة أو تمثال عين الفوارة المائي، واحدة من أبرز معالم مدينة سطيف الواقعة على بعد ثلاثمائة وخمسين كيلومترًا عن العاصمة الجزائر، بناها النحّات الفرنسي فرانسيس دو سانت فيدال سنة 1898. يعود سبب تشييدها بوسط المدينة إلى كون الحاكم الفرنسي أزعجه وجود المصلين للوضوء في ذلك المكان صباحًا من أجل صلاة الفجر. وذلك لتواجدها بالقرب من المسجد العتيق، فجاءته فكرة وضع تمثال يخدش الحياء لمنع المصلين من التواجد في ذلك المكان. بالمقابل ترجع بعض الروايات السبب إلى امرأة جميلة وفاتنة كان يعشقها أحدّ الحكام الفرنسيين ولم تكن من نصيبه فقرر تخليد صورتها بنحت تمثال فوق منبع الماء الذي كان عبارة عن منبع طبيعي.

واحدة من أبرز معالم مدينة سطيف الواقعة بـ350 كلم عن العاصمة الجزائر وبناها النحّات الفرنسي دو سانت فيدال

نافورة "عين الفوارة" هي عبارة عن تمثال حجري تعلوه امرأة بجسد عاري و"فاضح"، ما زال إلى غاية اليوم واقفًا وشامخًا رغم تعرضه لعدة محاولات اعتداء بهدف إزاحته وتحطيمه. لكن السلطات المحلية ووزارة الثقافة والسياحة تعتبرانه من الآثار التي تملكها الجزائر وينبغي المحافظة عليها، مثله مثل باقي تماثيل نساء ورجال عراة تتواجد في ثلة من متاحف البلاد، وبالتالي لا داعي لتضخيم الأمر حسب تصريحات المسئولين، كما أنّ هذا التمثال أصبح يشكل معلمًا سياحيًا مهمًا وقبلة لزوار سطيف من داخل وخارج الجزائر.

أصبحت المدينة اليوم تعرف باسم مدينة عين الفوارة نسبة إلى هذا المعلم، حتّى أنّ ثلة من الفنانين تغنوا به هو حال الفنان الراحل عبد الكريم بلخير الذي تغنّى به في أغنية شهيرة بكلمات ودرجة محلية بعنوان "عين الفوارة عادوني يا ماليا"، فضلًا عن الجماهير الرياضية التي تناصر فريقها وفاق سطيف بشعارات مختلفة منها: "اسمعوا يا ناس، هذا العام نرفدو الكأس، عين الفوارة زاهية ولباس"، وغيرها خاصة بعدما ارتوت الكأس العربية التي فاز بها الوفاق مرّتين على التوالي من عين الفوارة، كما ارتوت بكأس رابطة أبطال أفريقيا والكأس الممتازة مؤخرًا وكؤوس الجمهورية وألقاب البطولة. لكنّ يصر بعض المتشددين بأنّ تمثال المرأة العارية يخدش الحياء لاسيما وقوعه أمام المسجد العتيق وتوسطه لشارع رئيسي يعجّ بالمارّة من العائلات والأطفال والنساء والرجال، إذ يدعون في كلّ مرّة إلى تحطيمه أو على الأقل تغيير موقعه.

وقد عبرّ بعض ممن التقاهم "الترا صوت" خلال زيارة إلى "عين الفوارة" قبل أيام، عن تذمرهم للتصرف الذي يبدر من دعاة تكسيرها وتهديمها واستبدال تمثال المرأة المجردة من ثيابها برمز من رموز المقاومة والثورة الجزائرية أو شخصية عالمية، مؤكدين بأنّ التمثال ذاته يعكس تاريخ المدينة ونضالها ضد الاحتلال الفرنسي، وبقاء التمثال لغاية اليوم دليل على أنّ الاستعمار مرّ من هنا وأنّ سطيف قاومت وناضلت إلى جانب باقي الجزائريين لتتحرر الجزائر.

يقول أحد الإعلاميين إن حياء سكان المدينة لا يقاس بتمثال لا ينطق ولا يتحرك، كما أنّ "من يدعو إلى إسقاطه وتنحيته لا يدرك قيمة مدينته التاريخية". أمّا الكاتب الشاب سفيان خرفي فذكر بأنّ التمثال تعرضّ إبّان سنوات الإرهاب إلى تفجير، لكن رممته السلطات بسرعة، ردّا على الإرهابيين وفكرهم المتشدد".

ويعتقد الأستاذ الجامعي أحمد بوعون بأنّ كلّ ما هو تراث وآثار لا يمكن أن يفهم بطريقة خاطئة، إذا ما حمل إن صحّ التعبير إيحاءات جنسية، لأنّ التماثيل تعود لفكر الناحت وبيئته وثقافته". ويؤكد المتحدث لـ"الترا صوت" بأنّ الاستعمار خلّف مآسي لم تندمل جراحها في المجتمع الجزائري، لكن ليس من شق التاريخ أو الآثار لأنّ الأمر لا يعدو كونه يتعلق بالجانب التاريخي للمدينة والحضاري والفني والثقافي.

في السياق ينتقد الذين يرونه تمثال عار يخلّ بالحياء ويشوه منظر المدينة، فيرى البعض سواء مثقفين أو مواطنين عاديين أن التمثال يثير اشمئزاز العائلات المحافظة الزائرة أو القاطنة بسطيف بل ذهب بعضهم إلى حدّ القول بأنّ من وراء تشييده طمس للهوية الجزائرية العربية والأمازيغية والإسلامية التي سعت فرنسا لمحوها منذ احتلالها للجزائر في 1830، وإلا لماذا بني مقابل المسجد العتيق منارة العلم والقرآن والتعاليم الإسلامية؟

قبل جمع هذه التصريحات المتباينة بخصوص تمثال "عين الفوارة" كانت الرحلة إلى مدينة سطيف ممتعة بفضل المشاهد الطبيعية الخلابة المرسومة على جنبات الطريق تشكلها جبال جرجرة وسهول البرج والبويرة المخضرة، فبعد قطع مسافة ثلاثمائة كيلومتر في ثلاث ساعات وهي مدّة زمنية قياسية بفضل إنجاز الطريق السيّار "شرق-غرب"، وصلنا إلى عاصمة الولاية.

يرحب بك كرم السطايفية. في جولةٍ بقلب المدينة، النابض بالحياة، أسواق خضر وملابس هنا ومحلات بيع الهواتف ووسائل التكنولوجيا هناك، وغيرها من العناصر التي تعطي معاني الحركية لمدينة يعرف أهلها بالنشاط التجاري، على مستوى الشرق الجزائري، إلى أن بلغنا عين الفوارة حيث الماء يتدفق من جهاتها الأربع والزوار يحيطون بالمكان لالتقاط الصور وشرب جرعات ماء بارد يخرج من صلب جبال "البابور" وترائب "ستيفيس" الاسم القديم لسطيف.

 ما يلاحظه الزائر بأنّ الناس أو السياح الذين يعدّون بالمئات لا ينقطعون عن المكان، فضلًا عن المصورين الذين يجعلون من تصوير الزائرين مهنة لكسب قوت عيشهم، فلا يمكن أن تمرّ دقيقة واحدة إلا وتجد شخصًا يلتقط الصور أو يرتوي من الماء العذب للنافورة، ما يتسبب أحيانًا في خلق ازدحام مروري لأنّ "عين الفوارة" تقع في قلب المدينة وتحيط بها مقاهٍ شعبية تعج بالناس، وبالقرب من فندق "الربيع" الذي يتوافد عليه، أو يستقبل أحيانًا البعثات الرياضية والدبلوماسية، إضافة إلى الشباب الذين بلغوا سن الثامنة عشرة، والملزمين بالتقدم لمكتب الخدمة الوطنية غير البعيد عن هذا المعلم، بحيث يلتحقون يوميًا لتأدية الفحص الطبي للتجنيد أو لطلب التأجيل أو للحصول على الإعفاء، وبالتالي يستغل هؤلاء تواجدهم بالمدينة لزيارة عين الفوارة والشرب من مائها العذب.

وحسب ما شاهدناه أنّ وجود نساء من عجائز وفتيات في مقتبل العمر بعين المكان ينفي تصريحات الذين يدّعون بأنّ "عين الفوارة" التي نقلت سنة 1889 من متحف الفنون الجميلة بباريس إلى سطيف تخدش الحياء، فالجميع يرى بأنّها مجرد تمثال وقطعة أثرية تضيء سماء المدينة، بعد أن تملكت قلوبهم وأسرت اهتمامهم مثلما صارحتنا به المصورّة الشابة أحلام وبجرأة كبيرة قالت:"لا أراها تخدش الحياء وإنّما التمثال يعكس تاريخ مدينتنا التي قاومت فرنسا الاستعمارية"، وأضافت:" الناس يأتون من جهات مختلفة، وبأعداد هائلة لالتقاط صور للذكرى وأنا شخصيا ألتقط صورًا للعائلات والنساء والشباب معًا دون أي حرج يبدو عليهم".

من جهة أخرى أصبح المعلم يشكلّ وجهة تتبرك به النسوة والرجال على حدّ السواء بحسب الصديق مرافقنا في الجولة، كما قال مازحًا:"يقال إذن من يشرب من ماء عين الفوارة يعود إليها وأنتم حتمًا ستعودون إليها...".

وعن هذا الجانب سألنا بعض الزوار، فكانت إجابة الزائرة "نريمان بأنّها لا تعلم شيئًا عن مثل هذه الخرافات كما وصفتها ولا علاقة لزيارتها للمعلم بالتبرك، بل بحكم أنّها طالبة مقيمة تأتي للفسحة وشراء أغراض لا توجد داخل الإقامة الجامعية. وهو الجواب الذي قدمته صديقتها هدى، الطالبة بكلية علم النفس. والتي أضافت بأنّ هذه الممارسات اللامنطقية لا تمتّ بصلة للدين الإسلامي وقد تميل إليها النسوة المتقدمات في السن اللواتي يمارسن طقوسًا غريبة عادة ما ترتبط بالسحر والشعوذة. أمّا نجيب أربعيني العمر التقيناه رفقة ابنتيه، فإنّه لا يؤمن بهكذا أساطير، لكن يؤكد بأنّ شهرة المعلم تجاوزت حدود الجزائر.


كاميرات مراقبة لحماية المعلم

يلفت الانتباه أنّ السلطات المحلية قد نصبت كاميرات مراقبة بالبنايات المجاورة لرصد الحركة قرب المعلم لمراقبة احتمال وقوع هجمات ضد "التمثال" المنحوت من المرمر والرخام بغرض تحطيمه أو سرقته من أجل المتاجرة به. ذلك لأنّ قيمته المالية تضاهي تلك الكنوز الأثرية المتوافرة في المتاحف والمواقع الأثرية. وتأتي هذه الخطوة على خلفية الاعتداء الذي طال التمثال في التسعينيات وبسبب الاستراتيجية التي انتهجتها الحكومة الجزائرية في السنوات الأربعة الأخيرة، والمتعلقة بزرع كاميرات في الشوارع والطرق ومحطات النقل البرّي والأماكن العمومية بشكل عام بهدف تعزيز الأمن بالمدن وفك طلاسم الجرائم التي تفشت في المجتمع الجزائري، بحيث أعطت ثمارها وتمكن أفراد الأمن الوطني من الإطاحة بعشرات الشبكات الإجرامية سواء في السرقة أو الاعتداءات أو الناشطة في مجال تهريب الآثار أو غيرها.

اقرأ/ي أيضًا:
غرداية... الوجه الأزرق الساطع للجزائر
الوقوف على أطلال قورينا الليبية