10-يونيو-2024
عيشة قنديشة

عيشة قنديشة هي أسطورة مغربية أنثوية تجسد مزيجاً فريداً من الجمال المرعب والغموض الساحر

تعتبر الأساطير والحكايات الشعبية جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي لأي مجتمع، وتعكس هويته وتصوراته عن العالم. وفي المغرب تنتشر العديد من القصص التي تأسر الألباب وتثير الفضول، لعل أبرزها قصة عيشة قنديشة. تجسد هذه الأسطورة مزيجاً فريداً من الجمال المرعب والغموض الساحر، حيث تتجسد في شخصية امرأة فاتنة تحمل في طياتها لعنة تجعلها مروعة بقدر جمالها. يعكس الحديث عن عيشة قنديشة عالماً خيالياً تتشابك فيه الأساطير مع الواقع، ويكشف عن البعد الثقافي والاجتماعي للشعب المغربي الذي تمكن عبر الأجيال من الحفاظ على هذه الحكاية ونقلها من جيل إلى جيل. دعونا نستكشف أصول هذه الأسطورة، رموزها، وتأثيرها المستمر على الثقافة الشعبية المغربية.

 تتجسد أسطورة عيشة قنديشة في شخصية امرأة تجمع بين الجمال الفاتن والرعب الغامض، كما إنها توصف بالفتنة القاتلة أو بالعجوز الساحرة.

 

عيشة قنديشة.. أسطورة الجمال المرعب في التراث المغربي

يطلق عليها عيشة قنديشة، أو عائشة الكناوية، أو عيشة السودانية، أو عيشة مولات المرجة، أو لالة عيشة، وقد سماها البرتغاليون بعايشة كونديشة أو (contessa) أي الأميرة عايشة، ومهما أطلق عليها من أسماء فهي واحدة من أكثر الأساطير الشعبية الأنثوية المغربية إثارةً للرعب والفضول. ولقد انتقلت قصة عائشة قنديشة من جيلٍ إلى جيل، وأصبحت جزءًا من الفلكلور المغربي. وقد ادّعى الكثيرون أنهم رأوها، وأولئك الذين نجوا من احتضانها المميت حذروا الآخرين من البقاء بعيدًا. ولكن ما هي الحقيقة وراء هذه الأسطورة المرعبة؟

 

 تتجسد هذه الأسطورة في شخصية امرأة تجمع بين الجمال الفاتن والرعب الغامض، كما إنها توصف بالفتنة القاتلة أو بالعجوز الساحرة في نفس الوقت الحاسدة والتي تقضي وقتها في حبك الخطط للتفرقة بين الأزواج، ووصفت بسفيرة الجن التي ترعب الرجال بقدر ما ترعب النساء، مكونةً بذلك رمزاً معقداً يمتزج فيه الخيال بالواقع، ليعكس تجربة ثقافية غنية متجذرة في التراث الشفهي المغربي.

قد بدأت قصة عيشة قنديشة في القرن السادس عشر خلال العصر الوطاسي في سياق صراع شرس ضد الوجود البرتغالي على الأراضي المغربية، وقد كانت عائشة قنديشة في الأصل واحدة من أوائل المقاومات المغربيات في التاريخ. ويزعم المؤرخون أن عائشة قنديشة كانت ابنة أحد الأعضاء البارزين في قبيلة سوس.

 

أصول أسطورة عيشة قنديشة

تعود جذور أسطورة عيشة قنديشة إلى العصور القديمة في المغرب، حيث تناقلتها الأجيال عبر الحكايات الشعبية والأغاني الفلكلورية. ويُقال أن عيشة قنديشة كانت امرأة فاتنة الجمال تعيش في القرون الوسطى، وقد استخدمت جمالها لاستدراج الجنود البرتغاليين الذين غزوا المغرب، لتقتلهم انتقاماً لما ارتكبوه من جرائم ضد شعبها. وتعتبر هذه القصة مثالاً على دور المرأة البطولية في الدفاع عن الوطن، رغم الطابع المرعب الذي أحاط بها.

عيشة قنديشة توصف بأنها امرأة ذات جمال أخاذ، طويلة القامة، ولها شعر أسود حريري طويل ينسدل على ظهرها ويصل إلى وركها وبشرتها فاتحة ونقية.

 

سمات شخصية عيشة قنديشة

عيشة قنديشة توصف بأنها امرأة ذات جمال أخاذ، طويل القامة، وشعر أسود حريري طويل ينسدل على ظهرها ويصل إلى وركها وبشرتها فاتحة ونقية، وعيونها لوزية ونفاثة، وفمها بلون الدم، وقد وُصِف جمالها بأنه نادر ولا مثيل له، لكن على الرغم من جمالها الظاهري يُقال إنها تمتلك أقداماً مشوهة أو حوافر تشبه حوافر الماعز، مما يضفي عليها طابعاً شيطانياً. وهذا التناقض بين الجمال والرعب جعل منها شخصية مثيرة للاهتمام والخوف في آنٍ واحد.

 

الروايات المختلفة حول عيشة قنديشة

تتعدد الروايات حول عيشة قنديشة التي يكتنفها الغموض في مناطق المغرب المختلفة حيث يقول البعض إنها كانت ساحرة قوية خانها عشيقها وتحولت إلى شيطان. ويعتقد آخرون أنها كانت امرأة ماتت أثناء الولادة ثم تحولت إلى روح انتقامية.

وفي رواية أخرى قيل إن عائشة كانت مخطوبة لقائد مغربي شاب ذو لحية طويلة، وبعد أن تزوجته قتل على يد البرتغاليين وتعهدت بالانتقام له فانضمت إلى رجال القرية في حرب العصابات ضد البرتغاليين لتنفيد ذلك. ومهما كانت الحقيقة فلا يمكن إنكار الخوف الذي تثيره.

وفي بعض المناطق تعتبر روحاً شريرة تسكن الأماكن المهجورة والمظلمة، بينما في مناطق أخرى تُصور على أنها حامية للفقراء والمظلومين. وفي بعض القصص يُقال إنها تعيش في البحيرات أو المستنقعات وتخرج ليلاً لتستدرج الرجال الذين يتجولون بمفردهم، ثم تقتلهم أو تجعلهم يفقدون عقولهم. وبمجرد أن يصبحوا في قبضتها تقوم بلف جسدها الأفعواني حولهم، وتسحقهم حتى الموت. ثم تتغذى على دمائهم بعد قتلهم، والبعض الآخر يقول إنها تلتهم أرواحهم.

ومع وقوع الليل على المغرب ينتاب قلوب الناس الخوف من عائشة قنديشة، فتظل أسطورتها حية وتظل قوتها تطارد الأرض. ومع ذلك حتى في ظل هذا الرعب يكمن شيء مثير في فكرة مواجهة مخلوقٍ قوي وخبيث كهذا. وبالنسبة لأولئك الذين يمتلكون الشجاعة الكافية للبحث عنها، فإن رعب عائشة قنديشة ينتظرهم. وهذه التنوعات في الرواية تعكس التباين الثقافي والجغرافي في تفسير الأسطورة وتأثيرها.

 

رموز ومعاني أسطورة عيشة قنديشة

ترمز أسطورة عيشة قنديشة إلى العديد من المعاني الثقافية والنفسية. فهي تمثل الخوف من المجهول والقوى الخارقة، وكذلك الفتنة والجمال الذي يمكن أن يخفي وراءه خطراً مميتاً. كما تعكس الأسطورة صراع الإنسان مع قوى الطبيعة والعالم الغيبي، مجسدةً بذلك القلق البشري من الأشياء التي لا يمكن تفسيرها أو السيطرة عليها.

 

تأثير أسطورة عيشة قنديشة على الثقافة المغربية

لا تزال أسطورة عيشة قنديشة تحظى بشعبية كبيرة في المغرب، حيث تُروى قصصها في الجلسات العائلية واللقاءات الاجتماعية. وبالإضافة إلى ذلك ألهمت هذه الأسطورة العديد من الأعمال الفنية والأدبية، مثل الروايات والقصائد والأغاني، مما يعكس تأثيرها العميق والمستمر على الوجدان المغربي.

وقد استرعى اهتمام المغاربة بذل المحاولات لهزيمة عائشة قنديشةوسيطر على تفكير الكثير طرق التخلص منها كفكرة مرعبة أو حتى كوجود قد يكون حقيقيًا بنظر البعض. وقد اقترح البعض أن تلاوة آيات معينة من القرآن يمكن أن يردعها، بينما ادعى آخرون أن القلب النقي والإرادة القوية هما السلاح الوحيد ضدها. 

 

تأثير الرواية الشفوية والحكايات حول أسطورة عيشة قنديشة

تُعتبر الحكايات الشعبية التي تروي قصص عيشة قنديشة جزءاً مهماً من التراث الشفوي المغربي. وهذه الحكايات لا تُروى بهدف الترفيه فقط بل تحمل أيضاً دروساً وحكماً يمكن استخلاصها من الأحداث والمواقف التي تمر بها الشخصية. فقصص عيشة قنديشة بما تحمله من عناصر الرعب والإثارة تساهم في تعزيز الروابط الاجتماعية وتناقل الثقافة والتقاليد من جيل إلى جيل.

تظل أسطورة عيشة قنديشة حية في الذاكرة الشعبية المغربية تشكل جزءاً من التراث الشفهي الذي يربط بين الأجيال ويعكس عمق التجربة الإنسانية في مواجهة المجهول والمخيف. وعلى الرغم من التغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المغرب، فإن هذه الحكاية تستمر في الانتقال عبر الزمن، محافظةً على غموضها وجاذبيتها. إذ تعتبر عيشة قنديشة مثالاً حياً على قدرة الأساطير على البقاء والتأثير، حيث تظل رمزاً للخوف والجمال في آنٍ واحد محفورة في الوعي الجماعي، ومجسدةً تحديات ومخاوف البشر. وإن استكشاف هذه الأسطورة لا يفتح لنا نافذة على الماضي فحسب، بل يتيح لنا أيضاً فهم تعقيدات النفس البشرية وكيفية تعاملها مع قوى الطبيعة والخوارق. وبذلك تستمر عيشة قنديشة في إلهام الأجيال مضيفةً بُعداً غنياً لعالم الحكايات والأساطير المغربية.