جزء من لوحة لـ محمد بن لامين/ ليبيا

توقف قلبي ساعة كاملة.

توقف كلّ شيٍّ فيَّ، لم تعد الأرض تدور والشمس بكلّ ما تملك من جبروت عجزت عن التحرك من بلدٍ لآخر، أُعلنت حالة الطوارئ في مدنٍ كثيرة، أخبارٌ عاجلة تنتشر على كل المحطّات والمواقع والصفحات.

تأخرت نشرات الأخبار، تغيّرت حالة الطقس، تعطلت ساعات الدوام، تثائبت السماء على مهلها كأنها تعلم بما يحمل الغيمُ للذين ينتظرون تجمّعه، والذين ينتظرونه كانوا في مكانٍ آخر تمامًا.

هل يحتملُ الله كلَّ هذه الوصايا؟

نكررُ أسماء أيامنا التي نحياها فتبدو عاديّة ومملة، إلى أن تأتي تلك اللحظة التي نشعر فيها أنّنا سنصيرُ غيرنا إن استسلمنا، أو سَلّمنا، ولم نقاوم بما يرضي نومنا القادم. تحتلُّ أنانا حيزًّا يكفي لمحاربة قارّة حين نريد، ونعجزُ عن فتحِ الباب القريب حين نبحثُ عنها، ولا نجدُ مقدار فنجان قهوة من ثقة لمواجهة الواقع.

ما الذي يجعل أجسادنا ترتعش؟ وهل لكل واحدةٍ منها معنى مختلف؟

نرتعشُ حين نبرد، وحين نخاف، نرتعشُ حين نتوقع الأسوأ، على باب غرقة الانعاش، حين تهزّنا رسالة، حين تتملكنا الخيالات، حين نصارع التوقعات، نرتعش لأتفه سببٍ أحيانا لنطمئن أنفسنا بأننا لازلنا نملك القدرة على الإحساس.

*

 

كلُّ شيء بيد السماء.

تحددُ وحدها مساحة مزاجنا حين تقرر أن هذا الصباح سيكونُ رماديُّ معتم، تحرمنا لذّة الرغبة في النهوض لمرّة مكررة جديدة لنستقبل الشمس التي أدمنّاها، فهي، وإن كانت خادعة وبعيدة، ضيفٌ نحب أن نستقبلهُ دون مشاعر، ونكره غيابه.

فراغُ الأفق الذي نراه حين تكون الشمسُ على طرفِ النافذة هو ما نُريد، لا الشمسُ ذاتها.

*

 

حين ندرك المعنى الخفي خلف رغباتنا سيصيرُ الغد طموحًا نترقبه، وفي اللحظة التي ستتخفف أضلاعنا من كل ثقلٍ حملناه رغمًا عنا، سنتفهمُ مزاج العصافير.

نميلُ للأحرار، ونكره الأقفاص.

تذكرنا أقفاص الطيور بثوراتنا البسيطة التي خضناها حين وصلت قناعاتنا إلى تلك اللحظات التي لم نجد غير كلمة "لا" في ملفِ إجاباتنا.

هذه الـ"لا"،كانت كلفتها وقتٌ أهدرناه فيما نريد، وحياةٌ ضاعت علينا لأن الجُبن كان يحتلُّ فينا مركزَا متقدمًا فَسلمنا له بطاقة الدخول، وظننا أن هذا هو كلّ شيء.

*

 

توقف قلبي ساعّة كاملة،

وبقيت الأرض تدور.

دورانها الثابت هو الذي يقتلنا، كأننا لا شيء، كأننا لسنا هُنا.

*

 

حين ترتعشُ أجسادنا نشعرُ بحياة جديدة، أمّا حين ترتعشُ الأرض فإنها تُطفئُ ابتسامات كثيرة دون أن تُعطينا أي تفسير لنقص الفرح في حياتنا.

ترتعشُ الأرض فيقلُّ استهلاك الأكسجين، وتخفتُ الشمعة التي تعاني لتبقينا أحياء.

*

 

نحبُّ الأيام التي تشبهنا، تلك التي تزيد في أعمارنا ضحكة أخرى، الأيام التي حين نتذكرها ستعيدنا إلى لهفة اليوم الأول.

أوائلُ الأشياء لها طعمٌ منفرد، تتخذُ من قاع الذاكرة مكانًا لتقيم فيه، لكنها تطفو على السطح في اللحظة التي نكادُ أن ننساها، نلعبُ معًا لعبة لا قوانين لها، تجاذبٌ وتنافر لا حدَّ له، نودُّ لو أننا نملك ميزةَ ملفّات الــ MS Word، CtrlA + Del. ، لننسفَ كل ما نحمله من صورٍ وأصوات وأسماء، ونبدأ من جديد.

وأواخرُ الأشياء لها مكانٌ مميزٌ أيضًا.

حين نصل إلى المقعد المخصص لنا في الطائرة المُغادرة بعد قليل، تثيرنا الثواني القليلة الفاصلة بين إسفلت المَدرج وعجلات الطائرة، إقلاعًا وهبوطًا، وما بينهما عاديٌ تمامًا، لا يحرك فينا شيء، وإن صادفتنا بعض المطبّات السماوية فسنحاولُ إهمالها مطمئنّين أنفسنا أنه إن حدث شيء، فلن يستغرق سوى ثوانٍ قليلة، ستمرُّ بطئية حتمًا، لكنها مجرد ثوانٍ لا نقلقُ بشأنها في أيامنا العادية.

كم مرّة تمنينا أن نهبط في مكانٍ جديد لم نختره؟ وكم مرّة حلمنا باقلاعٍ لا هبوط بعده؟

إن فكّرنا يومًا ما أننا حين نسافر نضع ثقتنا في شخصٍ لا نعرفه، ولم نره، ولن نلتقيه، ونثقُ به ليطيرَ بنا من مطارٍ لآخر، فأغلبُ الظن أننا سنترددُ في حجزِ التذكرة التالية.

عَودتنا الحياة أن نعيد العدَّ مرتين أو ثلاث حين نواجهُ موقفًا يحتملُ الخسارة، وأن لا نثق ببرجمة الصرّاف الآلي فنتحسسُ عدد أوراق النقد التي طلبناها، لنطمئن، لكننا ننسى مثلًا أن نتأكد من أن قائد الطائرة المتجهة إلى المكان الذي نُريد يعيشُ علاقة مستقرة.

*

 

كأننا نراهنُ على ما لا نريد أن نعرف لنصل إلى ما لا نعلم.

كأننا نخاف اتخاذ قرار ما، فنبتعدُ عن الطريق الذي يوصلنا لإجابته.

كأننا نريد لغيرنا أن يقول عنّا ما نُريد،

لأن الحقيقة كانت أكثر قوّة منّا، ولا نريد لحَلقنا أن يتمرر بطعم الهزيمة.

 

توقف قلبي ساعة كاملة؛

وفي وقفته هذه، رأيتني، رأيتُ آخري، ارتعاشة اقلاعي الاخير الذي لا هبوطَ بعده.

ساعة كاملة توقف.

غادرتُ ما أعيش، لأعيش ما سأصير، ضحكاتٌ كثيرة بعثرتها على الطريق، ستصيرُ نرجسًا في الربيع،

ولعلّني أصيرُ قطرةَ مطرٍ في شتاء عادي،

وأنبتُ كقمحة في عيد الحصاد.

عيدُ حصادنا الحقيقي،

ذلك الذي سنجعل منه كلَّ شيء حيّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصيدة النسيان

إلى أن أنتهي