ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم.. آمال عريضة هل تبتلعها التحديات؟

13 يناير 2026
كامل إدريس
أعلن كامل إدريس عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم (AFP)
أمير بابكر عبد اللهأمير بابكر عبد الله

حملت السلطة التنفيذية حقائبها، يتقدمها رئيس الوزراء كامل إدريس، عائدةً لمزاولة أعمالها من العاصمة السودانية الخرطوم بعد 1000 يوم غياب. فمنذ اندلاع الحرب في 15 نيسان،أبريل 2023، أغلقت الدولة مؤسساتها في الخرطوم بعد أن بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على القصر الرئاسي والمناطق المحيطة به، والتي تشمل كل مقار العمل الوزاري والحكومي، إلى جانب حصارها للقيادة العامة للجيش، التي يقع مقرها في قلب العاصمة.
أجبر هذا الوضع اتخاذ مدينة بورتسودان الساحلية، التي تبعد عن العاصمة بنحو 900 كيلومتر بالطريق البري، مقرًا إداريًا لمجلس السيادة والوزارات والمؤسسات الحكومية، كعاصمة مؤقتة ومقر لإدارة شؤون الدولة.

دافع العودة والتحدي الأمني

إذا كان سبب انتقال الدولة بمؤسساتها من الخرطوم إلى بورتسودان متعلقًا بالأوضاع الأمنية التي خلقتها الحرب وتداعياتها، فمن الطبيعي أن ترتبط العودة بانتفاء أسباب الانتقال.

في أيار/مايو 2025، أعلنت قيادة الجيش السوداني خلوّ العاصمة القومية من أي وجود لقوات الدعم السريع، بعد خروج آخر تلك القوات عبر عدة معابر متجهة إلى الغرب.

وعلى الرغم من إعادة بسط الجيش سيطرته على كل أرجاء العاصمة، مقر السلطة السيادية والتنفيذية قبل الحرب، قبل نحو 8 أشهر من عودة الحكومة إليها، إلا أن المهددات الأمنية لا تزال قائمة في ظل عدم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، والانخراط في عملية مفاوضات السلام والانتقال السياسي.

ذا كان سبب انتقال الدولة بمؤسساتها من الخرطوم إلى بورتسودان متعلقًا بالأوضاع الأمنية التي خلقتها الحرب وتداعياتها، فمن الطبيعي أن ترتبط العودة بانتفاء أسباب الانتقال

يمكن تفسير عودة الحكومة السودانية لمزاولة أعمالها من الخرطوم من خلال ثلاثة مؤشرات متداخلة. يرتبط المؤشر الأول بعودة الأمن، أو هي الرسالة التي تبعثها الحكومة في بريد المستهدفين بها. ويدعم هذا المؤشر عودة بعض المؤسسات والوزارات، مما يعني أن الجيش بات يسيطر ميدانيًا على العاصمة وتحسنت قدرته على تأمين المقار والطرق والاتصالات.

لكن ما يضعف من قوة هذه الرسالة أن هذا المؤشر يظل جزئيًا وليس كاملًا، إذ تبقى عودة الأمن والاستقرار وظيفية محدودة تسمح بإدارة الدولة، وهو ما يمكن وصفه بالأمن الانتقائي، وليس أمنًا مدنيًا مستدامًا يعيد الحياة إلى طبيعتها الكاملة حتى الآن.

يشهد على ذلك استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة داخل الخرطوم، ما يعني أن العاصمة ليست آمنة بالمعنى الكامل، فضلًا عن غياب عودة واسعة للسكان، وبقاء البنية الخدمية شبه مشلولة.

استمرت التهديدات الأمنية، ورغم غياب إحصاء رسمي شامل، حيث استهدفت عشرات الهجمات بطائرات مسيّرة مواقع عسكرية ومدنية في الخرطوم وضواحيها خلال الفترة من أيار/مايو إلى تشرين الأول/أكتوبر 2025. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الهجمات تجاوز 20–30 هجومًا، مع تفاوت في الحجم، إذ نُفذت بعض الهجمات باستخدام عدة طائرات في اليوم الواحد.

اتفاق تحت الطاولة

كما يمكن تفسير هذه العودة على أنها مؤشر لاتفاق "تحت الطاولة" بين الجيش وقوات الدعم السريع، وربما برعاية دولية أو إقليمية، تمهيدًا لخطوة جادة في طريق وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، ومن ثم محادثات السلام التي تفضي إلى وضع انتقالي متفق عليه.

وهناك مؤشرات تجعل من هذا التفسير مقبولًا، ولكن ليس بالدرجة الكافية. ويغذي هذا الاحتمال توقف أو انخفاض وتيرة الاشتباكات البرية داخل قلب الخرطوم، وانتقال الصراع إلى ضربات مسيّرات بعيدة بدل القتال المباشر. كما أن هناك سوابق سودانية وإقليمية لاتفاقات أمنية غير معلنة لإدارة الصراع لا إنهائه.

لكن تظل هناك مؤشرات تناقض هذه الفرضية، إذ لا يزال الدعم السريع يعلن العداء السياسي والعسكري للسلطة القائمة، مع استمرار الضربات الجوية، ما يوحي بأن قواعد الاشتباك لم تُحسم. كما يغيب أي مكسب سياسي واضح لقوات الدعم السريع مقابل الانسحاب.
كل ذلك يجعل فرضية الاتفاق تحت الطاولة أقرب إلى إدارة مؤقتة للاشتباك، وليس اتفاق سلام أو تقاسم نفوذ.

لذلك، تظل القراءة الأرجح بأن هذه العودة رسالة سياسية أكثر من كونها تحولًا أمنيًا. فهي تمثل خطابًا سياديًا يعني أن العاصمة تحت سيطرة الدولة، كما تحمل في طياتها رسالة تفاوضية تقول إن موقف الجيش تحسن في أي مسار سياسي قادم، فضلًا عن كونها رسالة ضغط في مواجهة الطروحات التي تتحدث عن عاصمة بديلة.

التحديات الاقتصادية

تناول رئيس الوزراء ملامح ما يتوقع أن يكون عليه الاقتصاد بعد العودة إلى الخرطوم، وتزامن حديثه عن ميزانية 2026 مع هذه العودة منح التصريحات بعدًا رمزيًا واضحًا يهدف إلى إيصال رسالتين في وقت واحد: الأولى للداخل، لطمأنة المواطنين بأن الدولة عادت لممارسة وظائفها من العاصمة، وأن مرحلة الطوارئ تقترب من نهايتها، والثانية للخارج، لإظهار قدر من الجدية والانضباط المالي أمام المانحين والمؤسسات الدولية، باعتبار أن إعداد ميزانية دون أعباء إضافية يعكس نية الاستقرار لا الجباية.

يقول الاقتصادي ومنسق منتدى مراقبة الموازنة العامة، عبد العظيم محمد، إن هذه التصريحات تعكس في جوهرها طموحات سياسية أكثر من كونها برنامجًا اقتصاديًا قابلًا للتنفيذ، لأن أي حديث عن خفض التضخم أو رفع النمو أو استقرار سعر الصرف يفترض أولًا وجود دولة مستقرة ومؤسسات عاملة وموارد حقيقية، وهو ما لا يتوفر في الواقع الحالي.

ويذهب محمد في حديثه لـ"الترا صوت" إلى أن الحديث عن التضخم يظل في إطار إدارة الأزمة ما لم تترافق الميزانية مع كبح حقيقي لتمويل العجز عبر طباعة النقود، وضبط فعلي للإنفاق العام، لا سيما الإنفاق العسكري. ويؤكد أن خفض التضخم لا يتحقق بالتصريحات، وإنما بسياسات نقدية ومالية منسقة، وإيقاف التمويل بالعجز، وإصلاح النظام الضريبي. ويضيف: "هي قضايا لم يتم توضيح كيف ستُعالج في ظل الحرب وتآكل الإيرادات".

ومن الناحية الفنية، فإن استهداف خفض التضخم إلى 70% يظل اعترافًا ضمنيًا بأن الاقتصاد ما زال في نطاق التضخم الجامح، وحتى في حال تحقق الهدف تبقى النسبة مرتفعة جدًا ولا تعكس حالة استقرار اقتصادي.

أما الحديث عن تحقيق نمو في الناتج المحلي بنسبة 10% في اقتصاد مدمر البنية التحتية، ومشلول في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، ويعاني من نزوح واسع للسكان، فيقول محمد إن هذا الحديث يبدو غير واقعي ما لم يسبقه وقف فعلي للحرب، وإعادة تشغيل الإنتاج، وحماية القطاع الخاص. وفي غياب هذه الشروط، قد يتحقق نمو اسمي محدود بفعل تغيرات سعر الصرف أو توسع الاقتصاد غير الرسمي، دون أن ينعكس فعليًا على معيشة المواطنين.

ويظل السوق الموازي المؤشر الأكثر صدقًا لحالة الاقتصاد، فهو ليس مجرد ظاهرة نقدية، بل انعكاس مباشر لانعدام الثقة في السياسات المالية والنقدية. ودون توحيد فعلي لمراكز القرار الاقتصادي، وضمان موارد حقيقية من الصادرات أو دعم خارجي مستدام، ستظل السوق الموازية الحاكم الفعلي لسعر العملة.

ويتساءل الاقتصادي عبد العظيم، من موقع الرقابة على المال العام: أين الموازنة التفصيلية؟ ولماذا لا يتم نشرها بوضوح؟ وأين بنود الصرف الحقيقي المخطط له، وما هي الأولويات؟ بمعنى: هل وكيف ستُوجَّه الموارد المحدودة للخدمات الأساسية أم للأمن والإدارة السياسية؟ وقال إن الوعود الاقتصادية لا قيمة لها دون أرقام واضحة، ومصادر تمويل محددة، وجدول زمني معلن، وآليات مساءلة شفافة، "فالموازنة ليست خطابًا سياسيًا، بل عقدًا ماليًا مع المواطن".

وحذّر من أن التفاؤل وحده لا يصنع اقتصادًا، وأن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس نقص الوعود، بل غياب الصدق المالي والوضوح والاعتراف بحجم الأزمة، والعمل عليها بخطوات صغيرة واقعية قابلة للقياس.

تحدي الوضع الإنساني

بدا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس أكثر تفاؤلًا وهو يخاطب جمعًا من الناس بعد وصوله إلى العاصمة الخرطوم من بورتسودان، واصفًا تلك العودة بأنها نقطة تحول في تاريخ البلاد. لكنه، وكأنما يخاطب سكان العاصمة مباشرة، قاطعًا وعوده بتوفير الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، إلى جانب تأهيل المدارس وإعادة تشغيل الجامعات، بما في ذلك جامعة الخرطوم. إذ قال: "نعود اليوم، ومعنا تعود حكومة الأمل إلى العاصمة الوطنية. نعد شعبنا بتحسين الخدمات وتوفير حياة أفضل لهم".

بدا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس أكثر تفاؤلًا وهو يخاطب جمعًا من الناس بعد وصوله إلى العاصمة الخرطوم من بورتسودان، واصفًا تلك العودة بأنها نقطة تحول في تاريخ البلاد

تعني عودة الحكومة المركزية إلى الخرطوم أنها تباشر مهامها وخدماتها لكل أطراف السودان، بحواضره وأريافه، وليس داخل حدود ولاية الخرطوم فقط، كما تعني مواجهة الكارثة الإنسانية التي تعيشها البلاد بسبب تداعيات 1000 يوم من الحرب، بحسب بيانات المنظمات الأممية والدولية.

وبهذه المناسبة، ومع مرور 1000 يوم على اندلاع الحرب في السودان، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من تفاقم أزمة الجوع في السودان، مشيرًا إلى أن أكثر من 21 مليون شخص يواجهون الجوع الشديد.

وقال البرنامج الأممي في بيان إنه يقدم مساعدات إنسانية لنحو 4 ملايين شخص شهريًا، رغم محدودية الموارد، مؤكدًا حاجته العاجلة إلى تمويل إنساني وممرات آمنة لضمان إيصال المساعدات إلى المتضررين، ومتوقعًا تفاقم الجوع اعتبارًا من شباط/فبراير 2026 مع نفاد مخزونات الغذاء واستمرار القتال.

ودعا برنامج الأغذية العالمي، ووكالات الأمم المتحدة الشريكة، إلى إنهاء الأعمال العدائية وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق وبصورة مستمرة، مشددًا على ضرورة ذلك لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح وحماية سبل العيش.

وأوضح أن "الفجوة الكبيرة" بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة تزيد من هذه التحديات الهائلة، حيث حُرم الملايين من المساعدات المنقذة للحياة، مع اضطرار البرنامج إلى إعطاء الأولوية للأشخاص الذين يعانون من أشد مستويات الجوع، مشددًا على حاجته إلى 662 مليون دولار إضافية للوصول إلى 8 ملايين شخص شهريًا.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن النظام الصحي في السودان تضرر بشدة جراء القتال المستمر، والهجمات المميتة المتزايدة على مرافق الرعاية الصحية، والنزوح الجماعي، ونقص الإمدادات الطبية الأساسية، والعجز في أعداد العاملين الصحيين، وشُح التمويل. وقال الدكتور شبل صحباني، ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان: "إن هذا النزاع المستمر منذ ألف يوم في السودان قد دفع بالنظام الصحي إلى حافة الانهيار. وتحت وطأة الأمراض والجوع وعدم إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، يواجه الناس وضعًا مدمّرًا".

كلمات مفتاحية
كتائب القسام

سلاح حماس في غزة: بين الخطة الأميركية ورفض الوصاية

عاد ملف نزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة إلى الواجهة

ترامب ونتنياهو

بين "تفضيل الصفقة" والاستعداد للضربة: ماذا يكشف لقاء ترامب ونتنياهو؟

مرّ لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهدوء لافت. لا مؤتمر صحافي، ولا تصريحات مشتركة، ولا حتى تغطية إعلامية واسعة

حزب المواطن الوطني

بنغلاديش أمام محطة مهمة.. أول انتخابات حرة بعد الثورة الشعبية

تفتتح بنغلاديش صفحة جديدة في تاريخها السياسي مع الانتخابات المقررة غدًا الخميس، وهي أول انتخابات وطنية منذ الإطاحة بحكومة الشيخة حسينة

الجيش السوري
قول

الجغرافيا العسكرية في سوريا وحدود تفاعلات القوى على الأرض

أصبحت سوريا فضاءً عسكريًا وسياسيًا تُقاس أهميته بقدرته على تنظيم التفاعلات الإقليمية داخل حدوده وعبرها

نوتنغهام
رياضة

إقالتان في يوم واحد.. توتنهام يتخلى عن توماس فرانك ونوتنغهام يطيح بشون دايتش

في يوم واحد فقط، أقيل مدربان من قيادة فريقيهما في البريميرليغ، في مؤشر على تخبط إداري واضح بالدوري الإنجليزي

أوروبا
مجتمع

تربية الأبناء في أوروبا.. عن التحديات التي يخوضها العرب في الغربة

تخوض العائلات العربية المقيمة في أوروبا معركة دائمة لتربية الأبناء والبنات

بي إم دبليو
سيّارات

شركة BMW تستدعي مئات الآلاف من سياراتها بسبب خطر اندلاع حرائق

أوصت الشركة مالكي السيارات المتأثرة بعدم ترك المركبة دون مراقبة بعد تشغيل المحرك، خاصة عند استخدام ميزة التشغيل عن بُعد