عودة الترحال السياسي بالمغرب.. تراجع الحزب وصعود المرشح
7 سبتمبر 2026
مع انطلاق عملية إيداع الترشيحات للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 أيلول/سبتمبر الجاري، عادت ظاهرة الترحال السياسي إلى واجهة المشهد السياسي المغربي بقوة، بعدما أشعل تسارع انتقال البرلمانيين والمنتخبين والمرشحين بين الأحزاب صراعات حادة واتهامات متبادلة بالاستقطاب والضغط ومحاولات استمالة الأسماء ذات الوزن الانتخابي، حتى داخل مكونات الأغلبية الحكومية نفسها.
وبين الاستقالات المتتالية والانتقال من حزب إلى آخر بحثًا عن تزكية أفضل أو مقعد مضمون، يبدو أن "الميركاتو الانتخابي" يعيد ترتيب العلاقة بين الحزب والمرشح، إذ لم يعد الحزب دائمًا هو من يصنع مرشحيه بقدر ما أصبح بعض المرشحين الأقوياء انتخابيًا قادرين على التفاوض مع الأحزاب حول شروط التحاقهم بها ومواقع ترشحهم.
استقالات لافتة عشية الانتخابات
عشية الاستحقاقات بالمملكة، رصدت الأوساط السياسية والإعلامية حراكًا مكثفًا شمل مجموعة من الفاعلين السياسيين الوازنين الذين غيّروا انتماءاتهم الحزبية ونالوا التزكيات لخوض الانتخابات المقبلة بألوان تنظيمية جديدة، في تحولات يُرتقب أن يكون لها أثر في إعادة تشكيل جزء من الخريطة السياسية المغربية.
وتكشف سلسلة قرارات المحكمة الدستورية خلال شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 2026 بشكل واضح عن موجة لافتة من مغادرة المقاعد البرلمانية عشية الانتخابات، إذ بلغ عدد المقاعد التي صرّحت المحكمة الدستورية بشغورها، أو قضت بتجريد أصحابها والتصريح بشغور مقاعدهم، في مجلس النواب 18 مقعدًا بين الفاتح من آب/أغسطس والأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر 2026.
رصدت الأوساط السياسية والإعلامية حراكًا مكثفًا شمل مجموعة من الفاعلين السياسيين الوازنين الذين غيّروا انتماءاتهم الحزبية ونالوا التزكيات لخوض الانتخابات المقبلة بألوان تنظيمية جديدة
ويكتسب هذا الرقم دلالته من توقيته، إذ جاءت غالبية هذه القرارات في الأسابيع الأخيرة من الولاية التشريعية، حين تتراجع الكلفة السياسية والتمثيلية لفقدان المقعد، مقابل ارتفاع قيمة إعادة التموضع استعدادًا للانتخابات المقبلة، سواء من خلال الحصول على تزكية جديدة أو خوض الاستحقاق بألوان حزبية مختلفة.
الجرار يستقطب كوادر حليفه
يبرز حزب الأصالة والمعاصرة كأحد أبرز الرابحين في معركة الاستقطاب، بعدما نجح في استقطاب خمسة نواب قادمين من حليفه الرئيس في الأغلبية الحكومية، حزب التجمع الوطني للأحرار.
بل إن هذه الانتقالات لحزب "الجرار" لا تتوقف في عدد من الدوائر عند المرشحين، إذ امتدت إلى شبكات انتخابية محلية. وهنا يبرز إقليم الناظور (شمال شرق) كمثال، حيث شهدت جماعة أولاد ستوت انتقال رئيس الجماعة ومعه 18 مستشارًا جماعيًا إلى هذا الحزب الذي التحق به حديثًا الوزير المكلف بالميزانية ورئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم، فوزي لقجع.
وهذا الأمر يجعل من الترحال الحالي يتجاوز مجرد تغيير الانتماء الحزبي، خصوصًا أن انتقال شخصية ذات وزن انتخابي مثل لقجع قد يعني انتقال شبكة المنتخبين والمنتمين، وبالتالي خسارة الحزب الأصلي جزءًا من حضوره، مقابل تعزيز موقع الحزب المستقطب.
صراع على الخزان الانتخابي
لم يمر هذا الاستقطاب دون ردود فعل، إذ اتهم حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة التي تنتهي ولايتها بعد أيام قليلة حليفه بشن حملة "استمالة وضغوط" لاستقطاب منتخبيه وكوادره، مهددًا باللجوء إلى القضاء لحماية مرشحيه.
ورد الأصالة والمعاصرة باستحضار انتخابات 2021، مذكرًا بأن الأحرار سبق أن استقطب وطرح أكثر من 17 برلمانيًا من خمسة أحزاب مختلفة، بينهم ستة نواب من حزب "الجرار".
الواضح أن هذا التراشق بين الحزبين تحوّل إلى انعكاس لصراع أوسع على الخزان الانتخابي، علاوة على أن توقيت التحركات يرفع كلفتها السياسية؛ لأن المعركة لا تدور فقط حول الفوز بمقاعد في مجلس النواب، وإنما حول ترتيب القوى السياسية الذي سيحدد موازين التفاوض بعد الانتخابات، بما في ذلك داخل الأغلبية الحالية نفسها.
استراتيجية انتخابية وتمثيلية جاهزة
يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد المنعم لزعر، أن الأحزاب الساعية إلى تصدر الانتخابات التشريعية باتت تستثمر بشكل واضح في الترحال السياسي، من خلال استقطاب برلمانيين ورؤساء مجالس جماعية ومجالس عمالات وأقاليم وفاعلين منتخبين ينتمون إلى أحزاب أخرى، بما يجعل الظاهرة جزءًا من التنافس الانتخابي نفسه.
ويفسر لزعر لموقع "الترا صوت" عودة الترحال بقوة مع اقتراب نهاية الولاية "بضغط القيود القانونية التي أصبحت تمنع الانتقال من حزب إلى آخر داخل الفترة الانتدابية، وثانيًا بضعف التكلفة التمثيلية والسياسية والرمزية للترحال السياسي خلال هذه الفترة، حيث تكون التكلفة صفرية تقريبًا".
ويربط أستاذ العلوم السياسية أيضًا بين الظاهرة وبين التحول في سلوك الأحزاب نفسها، إذ يقول إن "غالبية الأحزاب السياسية، باستثناء حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار، أصبحت تستثمر بكثافة في الترحال وتعتمده كاستراتيجية فعالة للحصول على المقاعد والأصوات"، وهو ما "يكشف في عمقه تحولات تهم طبيعة الأحزاب وتراجع قدرتها على التأطير وتخليها عن الاستثمار في المشاريع السياسية والإيديولوجية".
لذلك، يشدد المتحدث على أن "أهم تداعيات انفجار ظاهرة الترحال السياسي هو تحويل التنافس الانتخابي من تنافس بين البرامج والمشاريع والخيارات السياسية إلى تنافس بين الشخصيات ومحترفي السياسة، وهذا التحول يجعل الأحزاب السياسية ضعيفة مؤسساتيًا وسياسيًا أمام طموحات وثقل محترفي السياسة والعائلات السياسية".