08-يوليو-2022
الكتاب أمس، المكان، الآن

الكتاب أمس، المكان، الآن

"جاسدينا" يهتف أدونيس بوجه الأبجدية! هما إذن جسدان: جسد العربي وجسد اللغة، بينهما نداء شاعر، نداء ينطوي على أسئلة عميقة وعلى جواب خفي أعمق. أي جسد هذا للأبجدية؟ سؤال يجر خلفه قافلة عربية في فجر صحراوي مضبب. قافلة البداية والنشوء العربي. بين إذا كان للشاعر أن يجسد ما شاء من رؤى وصور فإن الشاعر العربي يختلف عن سواه عندما يتعلق الأمر باللغة ويجسدها لأن تداخل اللغة العربية والكيان العربي يصل الى نقطة التلاشي كلما تراجعنا نحو نقطة البدء، أين نبدأ أو أين بدأ الوجود العربي الذي تنتمي إليه اليوم الأمة العربية؟ أهي جغرافية المكان أي الجزيرة العربية. وبهذا فالعرب أبناء هذه المنطقة منذ ولادة الإنسان الأول فيها؟ أم هي سيماء الصوت أي أن العربي هو جنين هذه اللغة العملاقة التي منحت اسمها للجزيرة ومن ثم لأمة بكاملها خارج حدود الجزيرة؟  ولغة قريش، لغة الشعر الجاهلي والقرآن. ألها ننتمي؟

لم تنتج العربية أغنى وأهم من الشعر وهذا ما يؤكده بشكل واضح هيردر في تاريخ الحضارات عندما يذكر أن الفلسفة يونانية والقانون روماني والفن فارسي والشعر عربي

‎وبهذا نكون عربًا بلساننا لا بالمنطق الجغرافي؟ أسئلة جوهرية مؤسسة للهوية لم يُجب عليها أحد حتى ولم يطرحها أحد بشكل مباشر، تاريخي أو أنثروبولوجي.

‎هناك فرق هام بين الحالتين لأننا إذا ما عرفنا أن الجزيرة العربية قد عاشت خمسة عشر قرنًا قبل هيمنة لغة قريش وانتصارها سندرك أهمية هذا التباين. لن أتقدم أكثر في البحث التاريخي والمعرفي هذا ولكنني أثرت الإشارة إليه لعلاقة بحث أدونيس الشعري بالهوية العربية، وبالتالي بمكانة اللغة، لا كأداة للتعبير إنما كمحيط للوجود القومي بكامله. إن علاقة العربي باللغة كمؤسسة وجوده هي عنصر أساسي في ما سأسميه باللوغوس العربي والذي يمكن ترجمته ب المنطق المؤسس. (هنا تنازع اللغة العربية والاغريقية القديمة أصل كلمة لوغوس (logos) لان العرب يرجعونها إلى "لغز" ولأن اللغتين قديمتان لا يمكننا البت بأصل المفردة إلا أن معناها مخلف في اليوناني لأنها تعني الأصل المجهول، ومن هنا اختياري للتعبير بالمفردة اليونانية).

أضفنا إلى هذه النقطة بالذات سؤالٌ ينبع من نفس التساؤل الأول ألا وهو: ما هي هذا التداخل بينهما؟  يصر الجميع عربًا ومستشرقين وفلاسفة عبر كل العصور أن العربية أم أجمل أبنائها: القصيدة.

‎ لم تنتج العربية أغنى وأهم من الشعر وهذا ما يؤكده بشكل واضح المؤرخ والفيلسوف الألماني هيردر (1890) في تاريخ الحضارات عندما يذكر أن الفلسفة يونانية والقانون روماني والفن فارسي والشعر عربي. لا أعتقد أن في هذه المقولة من يجادل كثيرًا في صحتها الأمر الذي سيقودنا إلى معادلة في غاية الأهمية شعريًا، وخاصّة في ما يتعلق ببحث أدونيس وكتابه المذكور. ذلك أنه إذا كانت علاقة العربي باللغة علاقة تأسيس وحياة، وإذا أضفنا الى ذلك أن علاقة الشعر بالعربية هي الأخرى علاقة تأسيس وحياة فإننا سنحدد بوضوح ملامح ما أسميه باللوغوس العربي الذي اعتبره محور السؤال الشعري الوجودي العربي وفيه ومنه يكتب أدونيس، وقد كان لصيقًا بهذا منذ نصوصه الأولى واهتماماته الطلسم اللغوي - الوجودي وبحوثه (ديوان الشعر العربي، اسماعيل/ قصيدة، العلاقة مع الشعر الصوفي، هذا هو اسمي...) من هنا يجب أن يقرأ كتاب أدونيس ومن هنا تبدأ مغامرة شعر أدونيس الشعرية بأكملها.

‎هو شاعر يجسد اللغة أولًا ثم يدعو الى مجاسدتها مختليًا – كما يحب هو استعمال اسم الفاعل – بأنوثتها الابجدية ليلقي في بطنها جنين المرارات. وأقول المرارات لأننا لم نألف قبل ذلك – وبهذه الحدة - ان نلقي الضوء على مواضع المأساة والجريمة في تاريخنا. لقد تعودنا أن ندخل محراب الماضي بالشموع والبخور والأناشيد وأصداء الامجاد، حتى صار النظر الى الماضي نوعًا من ممارسة البنج/التخدير بمعناه الطبي قبل أن ندخل الى غرف العمليات لاستئصال أطرافنا كما يحصل اليوم.

‎تشبه قصيدة أدونيس هذه ضربة سيّاف الى عنق تمثال الماضي المشيد على ركام الحاضر العربي. إنها لمفارقة غريبة نعيشها نحن العرب حيث لا شيء نختلف فيه وعليه أكثر من حاضرنا، ولا شيء نتفق عليه وفيه أكثر من ماضينا، بعد أن صار ماضيًا، ولهذا فإن الكتاب محاولة لإعادة النظر في عبادة الماضي، علها تقودنا الى التراجع عن لعنة الحاضر. وهو مشروع شعري قبل كل شيء.

‎يمتص أدونيس أزهار التراث الدموية ليصنع منها رحيقه الخالص، نحلة أبجدية، عاملة ماهرة تعرف رائحة كل الأزهار في هذا الحقل الشاسع.. هي ارتواء من الدم والراوي هو من يبتدر القول كمن يسقط السيف، ومن هنا فإن تثنية الكلام من تثنية الطعنة.

‎هذا الجلباب الذي ينتظر المؤرخ وضعه أدونيس اليوم في يد الشاعر! هو شاعر يكتب بدم الحتف، يلون صفحات مصائر لم تغرب ويطوي أخرى لم تتخثر بعد. شاعر يحتفل بالذاكرة جسدًا للقصيدة وبالجسد حبرًا لها، لا شيء غير الكلام عبثًا نفتح جبهات أخرى، نحن العرب، عبثًا نهرول نحو مطالع للفجر خارج القاموس وخارج الصوت، أرضنا مختبر للصوت لا ينطق فيها إلا الموت. نعرف ذلك وقد حفظناه ملفوفًا بالأسماء وبالأشياء والجسد، عتبة مدنسة ورأس طليق في هواء السياق ولذا نسكن لكن لا نسكن إلا في كلمات. عندما يسقط الرأس الذي يجتز كمقطع مكتوب من حياة الناس/النص، يرتطم مرتين، الأولى في يد السياف والثانية في يد الراوي، وعلى شفتيه لغة لا يترجم أسرارها غير القتل لكنها لغة تصلبت وترامت، نحرث فيها، نزرع ونبني الإمبراطوريات ونشيد الأحكام، لغة أرض تسعى، أين تذهب هذه اللغة وفي أثر أي نبي صار صولجانًا، أو شاعر صار كوة سوداء في كون مجراته وكواكبه تبدأ من إيقاع الفعل الماضي "فَعَلَ"، سيف عربي ماض مفتوح الغمد يسيل دمه على كل شفة. وحده يفتح باب الأيام ويعلق على شرفاتها وجدرانها كتاب الوجود: ارسموا شكلها في كتاب فالأشياء هي قبل كل شيء كتاب والتجسد كتاب والقرآن "اقرأ" والغد مكتوب والحرف نون لما يسطرون: وهي اللغة الكون، الميلاد، الحتف عربيًا. ما ترانا؟ کتاب أم لغات توسوس أحشاءها ونهاجر منها كي نحرر إيقاعها في لغات سواها.

 "الكتاب: أمس، المكان، الآن" محاولة لإعادة النظر في عبادة الماضي، علها تقودنا الى التراجع عن لعنة الحاضر. وهو مشروع شعري قبل كل شيء

هكذا يتوغل أدونيس في اللوغوس العربي الحبر الأول لنص يريد له أن يغمر كل شيء في لا وقت في الأرض إلا لكي نجعل الأرض شعرًا. هو الشاعر العربي ينحت غيمة، يرصف أهواله مثل مناد للقيامة، يطلق صوت سماء مخنوقة، يتموج يهذي في الأجسام المحروقة يصوغ من حواليه تماثيل للتراب وأخرى للذهب في لغة واحدة من لسان العرب

‎ولكنه لسان يكرر معجزته منذ البدء أن يبتكر كلمات للمكان... كلمات تصير زمانًا. أن ما أسميته قبل قليل باللوغوس العربي يمكن اعتباره انطلاقًا من هذه الصورة بالذات بـ"لوغوس الشعر"، فهي الكلمات التي تتحول الى أزمنة، أنه مسار يذهب أبعد من فكرة التأسيس لدى هولدرلين لأن الزمن تأسيس ولكن لحياة، أنه الصوت والكتابة يصيران رحمًا لولادة الحياة. في منعرج الكلمة يمكن إذن انتشال معدن الزمن. هذا كون يقرأ فهو موجود، والخروج منه مسار يطل على شفير هاوية الكلام:

‎لم يعد يقرأ الكون، يعرف أن يقرأ الكون

‎غير الخروج

‎وغير التطوح فوق شفير الكلام.

‎أين يكتب العربي القصيدة، والجسد صفحة، رأسه مقطع، ذراعه

‎فاصلة والموسيقى رميم العالم من حوله؟

‎أين يكتب العربي والأرض مدونة ولا جغرافية إلا القاموس؟

‎أين يكتب العربي ولا صفحة بيضاء إلا شحوب الجثة؟

‎أين يكتب العربي والقصيدة هي كوكبة، تضاريسه الجهات الأربع

‎كلها وهي المجهول والطرق الى المجهول؟

‎أين يكتب العربي، عندما يرسم وجه الأرض في ضوء يديه

‎أو

‎عندما يغسل الكلام الأرض؟