عوالم الكتابة عند ليلى سليماني

عوالم الكتابة عند ليلى سليماني

الروائية ليلى سليماني (The Times)

ليلى سليماني روائية فرانكو– مغربية (1981)، حازت على جائزة الغونكور عن روايتها "أغنية هادئة" عام 2016، وقد أثارت هذه الرواية اهتمام النقّاد والقرّاء على حدّ سواء.

يلعب الخوف دور المُحرّك للكتابة، لأنّه يدفع بالكاتب إلى البحث باستمرار عن موضوع مختلف.

في 2017، أجرى معها رئيس تحرير أسبوعية "La 1" اريك فوتورينو (Eric Fottorino)  حوارًا مطوّلا صدر في كتاب بعنوان "كيف أكتب?" (Comment j’écris) عن دار نشر "L’Aube" في عام 2018.

اقرأ/ي أيضًا: ليلى سليماني ... صوت الفرنكفونية الفائز بـ"غونكور"

عبر هذا الحِوار الطويل، وضعت ليلى سليماني أمام القارئ تصوراتها الشخصية حول الكتابة الروائية بشكل عام، وعن بعض الخلفيات التي سبقت كتابة روايتها "أغنية هادئة".

الواقع هو الذي يصنع الخيال

لقد استفادت ليلى سليماني من عملها في الصحافة المكتوبة، وتحديدًا في مجلة "Le jeune Africain" فاكتسبت القدرة على الانتباه إلى الواقع، بكلّ تفاصيله، وكما تقول فإنّ ما يحتاج إليه كاتب الريبورتاج هو الجلوس في مكان ما، والاستعانة بحاسة البصر لملاحظة حركة الحياة من حوله، وتحديدًا كيف يتعامل النّاس في يومياتهم، وكيف يمشون في الشوارع، أو كيف يتواصلون بالكلام، أو حتّى كيف يمسكون بالأشياء. تقول سليماني: "حتّى الطريق هو أيضًا كتاب".

أمّا عن موضوع روايتها "أغنية هادئة" فقد تفجّر أوّل مرّة على إثر قراءتها لمقال في مجلة "Paris Match" عن جريمة مروّعة وقعت في مدينة مانهاتن بنيويورك، ويروي المقال عن إقدام مربية أطفال على قتل طفلين كانت ترعاهما ببرودة دم. تركت الحادثة في داخلها أثرًا عميقًا، دفعتها إلى كتابة رواية مستندة إلى هذه الحادثة.

تقول سليماني، في سياق الحديث عن مصدر الإبداع، أنّ مصطلح الإلهام جدّ معقّد، لأنّ هناك في واقع الأمر عوامل كثيرة تتداخل فيما بينها، تفجّر في الكاتب طاقته الإبداعية، وبالنسبة لها، فأحداث الواقع هي بمثابة مفجّر حقيقي للكتابة. ثمّ تأتي بعدها المخيلة التي ستعيد استثمار أحداث الواقع ضمن نسق روائي – فنّي – تخييلي، دون نسيان أدوات الكِتابة، التي يتم اكتسابها بالقراءة وبالتعلّم أيضًا.

إذا لم تكن خائفًا فلا تكتب

سألها فوتوريو: هل ارتعشت يدك وأنتِ تكتبين الصفحات الأولى من "أغنية هادئة"؟ كان الصحفي يلمّح إلى علاقة الكتابة بالخوف. بالنسبة للروائية ليلى سليماني فالخوف الوحيد الذي تشعر به هو الخوف من كتابة رواية سيئة، أو الخوف من عدم العثور على موضوع أو شخصيات لروايتها. فالخوف هنا يلعب دور المُحرّك للكتابة، لأنّه يدفع بالكاتب إلى البحث باستمرار عن موضوع مختلف. أما الخوف من طبيعة الموضوعات التي تكتبها، فهي لا تلقي بالًا إذا كان الموضوع قد يثير حالة رعب في نفوس القراء. والحقيقة أنّ موضوع روايتها "أغنية هادئة"، قد أحدث بعض ردود الأفعال من قبيل أنّ طبيعة جريمة مربية الأطفال جدّ مرعبة، قد لا يتحمّلها بعض القرّاء.


غلاف كتاب: "كيف أكتب؟"

تقول سليماني، في هذا السياق، إنّ الكتابة تحرّر الكاتب من كوابيسه، لهذا فهي حين تستعد للكتابة، تلقي بكلّ شيء خلفها، وتدخل في حالة عميقة من التركيز، تنسى من خلالها أنّها امرأة أو أنّها مغربية أو فرنسية أو أنها أمّ، بل تنسى كذلك أنها تعيش في باريس. الكتابة بهذا المعنى حالة تحييد شديدة للكاتب من أي شكل من أشكال الانتماء إلى هوية ما أو مكان ما.

تحدثت ليلى سليماني عن الالتزام الكامل للكاتب، مستعينة بكلام للروائية الأمريكية توني موريسون، تقول فيه إنّ الكاتب يبحث عن نوع من القارئ المُلتزم، بحيث يبحث الكاتب عن طريقة ما لإرباكه أو إزعاجه. الكاتب هو الذي يزعج قارئه بطريقة ما. أي أن ينقل الكاتب مركز الخوف والارتباك إلى الطرف الآخر "القارئ".

ما الذي يُمكن للرواية تغييره؟

هناك رغبة ما عند الكاتب لتغيير شيء ما في القارئ. وكأي محبّ للأدب، كانت ليلى سليماني، تطرح على نفسها هذا السؤال الكبير: ما الذي يستطيع الأدب فعله؟ هناك مستويان للإجابة عن هذا السؤال: أوّلًا: تقول إنّها تشكّ في قدرة الأدب على تغيير العالم. ثانيًا: يمكن الأدب أن يغيّر رؤيتنا إلى العالم. ما يتغيّر هو الرؤية وليس العالم.

تقول ليلى سليماني إنه يمكن الأدب أن يغيّر رؤيتنا إلى العالم. ما يتغيّر هو الرؤية وليس العالم

لقد تأثّرت بأعمال أدبية عظيمة، ساهمت في تشكيل هويتها الروائية، وتذكر على سبيل المثال، رواية "الجريمة والعقاب" لدوستوفسكي، حيث اعتبرت جريمة راسكولينيكوف من أجمل جرائم القتل الأدبية على الإطلاق. كما أنها تأثّرت بوليام فولكنر، وبتوني موريسون، وبفارغاس يوسا، خاصة في روايته "حفلة التيس".

واعتبرت تشيخوف أعظم ملهم لها في الكتابة السردية، بقصصه التي لا تتوقف عن قراءتها. وهي ما زالت تتذكّر نصيحته الشهيرة: إذا كتبتَ في بداية الفصل أنّ هناك في الغرفة بندقية، فلا بد في النهاية أن تستخدمها لغرض ما. بمعنى أنّ الكاتب لا يترك أي شيء في نصه دون أن يكون له وظيفة محددة. تقول سليماني: نحن نلقي بالحصى الصغيرة، ولا بد في الأخير أن يتخذ كل هذا معنى معيّن. أما سيمون دي بوفوار فهي الكاتبة التي قرّبت إليها سؤال المرأة في الكتابة، وهي التي قالت إنها عندما تكتب تحمل بطريقة ما حِداد كل النساء.


غلاف رواية: "أغنية هادئة"

ورشة الكِتابة

عندما كتبت سليماني روايتها الأولى رفضها الكثير من النّاشرين، إلاّ أنّ زوجها نصحها بأن تنضم إلى إحدى أوراش الكتابة، لتطوّر أكثر أدواتها الروائية. تذكر سليماني أنّ ورشة الكتابة هي تقليد أمريكي، فالأمريكان يعتبرون الرواية صناعة على الروائي أن يتقن أدواتها، من خلال اكتسابها أوّلًا، ثمّ التدرّب عليها.

اقرأ/ي أيضًا: "حجر الصبر".. حين أجهزت شهرزاد على شهريار

أما في فرنسا، فكان الموقف مختلفا نوعًا ما، بل هناك أصوات انتقدت هذا التقليد بشدّة، واتّهمت هذه الأوراش بتقييد عملية الكتابة، والحدّ من حرية الإبداع، فهي تساهم في تنميط الكتابة، وتنميط الروائيين  الذين سيكتبون وفق قوالب جاهزة. إلاّ أنّ القاعدة التي اعتمدت عليها ليلى سليماني هي: لا أحد سيكتب في مكانك. وفعلًا، انضمت إلى ورشة الكتابة كانت دار غاليمار قد فتحتها بإدارة من الناشر جان ماري لاكلاف، واعترفت بأنها استفادت كثيرًا من هذه التجربة، ولعل أهم نصيحة أفادتها هي: لا تحاول أن تكشف عما تفكّر فيه الشخصيات الروائية، بل عليك أن تكتفي فقط بالحديث عما تفعله. فعلى الروائي أن يثق في قدرة القارئ على استخلاص ما تفكر فيه الشخصيات.

 

اقرأ/ي أيضًا:​

5 مداخل لقراءة رواية "الحيّ الخطير"

ربيع علم الدين يفوز بـ"فيمينا": خصوصية الروائي