عن ولادة "مجلس السلام".. استثمار فوق أنقاض غزة
22 يناير 2026
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم الخميس، من منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، إطلاق ما يُعرف بـ "مجلس السلام"، مؤكدًا أنه سيكون "أحد أهم الكيانات التي أُنشئت في التاريخ"، وأنه "يضمّ القادة الأفضل في العالم"، مشيرًا إلى أن 59 دولة انضمت أو أبدت رغبتها في الانضمام.
المجلس، الذي بدأ كهيئة لمتابعة وقف إطلاق النار في غزة، تحوّل الآن إلى مشروع دولي واسع، تقول إدارة ترامب إنه قد يحلّ تدريجيًا محلّ الأمم المتحدة. ترامب وصفه بأنه "الهيئة التي ستحقق السلام حيث فشل الآخرون"، مضيفًا أن "كل الدول تقريبًا تريد أن تكون جزءًا منه".
وشهدت مراسم الإطلاق توقيع عشرات الدول، من بينها: مصر، السعودية، تركيا، قطر، الإمارات، الأردن، كازاخستان، الأرجنتين، إندونيسيا، أرمينيا، المجر، كوسوفو، بينما غابت دول أوروبية مثل فرنسا، بريطانيا، النرويج، السويد، مع رفض بعضها المشاركة بسبب وجود شخصيات "استبدادية" على غرار فلاديمير بوتين ضمن المدعوين.
وكان ترامب قد دافع عن الأمر بقوله: "نعم، هناك شخصيات مثيرة للجدل، لكنهم أصحاب نفوذ، هؤلاء هم من ينجزون الأمور".
في ظل واقع سياسي فلسطيني داخلي منهك وغياب قيادة موحدة، يطرح الإعلان تساؤلات حول قدرة المجلس على التعامل مع التعقيدات داخل القطاع، وما إذا كان دوره سيحد من الخروقات الإسرائيلية ويلتزم بما هو معلن، أم سيظل رمزيًا ومحدود التأثير
"على حركة حماس تسليم أسلحتها"
وتطرق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى الشأن الفلسطيني، مشيرًا إلى أن على حركة حماس تسليم أسلحتها، محذرًا من أن عدم الامتثال سيؤدي إلى نهايتها، قائلًا: "عليهم تسليم أسلحتهم، وإذا لم يفعلوا ذلك فستكون نهايتهم"، مضيفًا أن الحركة "ولدت والبندقية في يدها".
وأشار ترامب إلى أن الحرب في غزة ستصل إلى نهايتها، مؤكدًا أنه سيعمل على نزع سلاح الحركة بالكامل، وأن الإدارة الأميركية ستكون "ناجحة جدًا في غزة". وأضاف أن على حماس إعادة آخر جثة لاستكمال الخطوات القادمة.
كما أعلن أنه سيسعى لضمان إدارة قطاع غزة بشكل جيد والمساهمة في إعادة إعمارها، مشيرًا إلى أنه يطمح إلى "بناء سلام مجيد في منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره". وزعم أن جميع الدول تسعى لتكون جزءًا من مجلس السلام، واصفًا إياه بأنه "يضم القادة الأفضل في العالم" ويملك "فرصة ليكون من أهم الكيانات".
وبشأن الأمم المتحدة، قال ترامب إن لديها إمكانات كبيرة ويعمل فيها أشخاص عظماء، لكنها لم تتمكن من إنهاء الحروب، مؤكدًا أن المجلس سيعمل "بالتنسيق مع الأمم المتحدة".
إيران وقدراتها النووية
وبشأن إيران، أكد ترامب أن طهران تسعى لإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن واشنطن عازمة على المضي في هذه المحادثات. وذكّر بالضربات الأميركية التي استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران خلال العام الماضي، مؤكدًا على موقفه بعدم السماح لطهران بامتلاك سلاح نووي. وأضاف: "إيران تريد أن تتكلم مع واشنطن، وسنتكلم".
سوريا وتنظيم الدولة
وفيما يتعلق بالملف السوري، قال ترامب إن الرئيس السوري أحمد الشرع يبذل جهودًا كبيرة في مجابهة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". وأضاف أن التنظيم انتهى خلال ولايته الأولى، لكنه عاد لإعادة بناء صفوفه خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن.
أولوية اقتصادية على حساب الحقوق السياسية
أثار الإعلان عن "مجلس السلام" في غزة جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب أهدافه الرسمية المتعلقة بوقف الحرب وإعادة الإعمار، بل أيضًا لطبيعتها المؤسسية وهيكله السياسي وتمثيله المحدود للفلسطينيين. في ظل واقع سياسي فلسطيني داخلي منهك وغياب قيادة موحدة، يطرح الإعلان تساؤلات حول قدرة المجلس على التعامل مع التعقيدات داخل القطاع، وما إذا كان دوره سيحد من الخروقات الإسرائيلية ويلتزم بما هو معلن، أم سيظل رمزيًا ومحدود التأثير.
ويعتبر بعض المراقبين المجلس أداة خارجية تخدم مصالح القوى الدولية أكثر من مصالح الشعب الفلسطيني، إذ تضم تشكيلته في غالبيتها شخصيات غربية وأميركية ذات خلفيات اقتصادية. وأكد خطاب جاريد كوشنر في منتدى دافوس أن الأولوية في إعادة بناء غزة ستكون اقتصادية واستثمارية، ما يعزز المخاوف من أن المجلس قد يركز على تحويل القطاع إلى مشروع اقتصادي يُروّج للفوائد الاستثمارية والتجارية، بدل معالجة الحقوق السياسية الأساسية للفلسطينيين، مثل السيادة، حق العودة، والحل السياسي الدائم.
هذا التوجه يطرح تساؤلات حول ما إذا كان المجلس يسعى إلى تحويل غزة إلى منطقة استثمارية تحت إشراف دولي خارجي، أكثر من كونه آلية لتحقيق سلام عاد. كما يشير إلى التحدي الكبير المتمثل في ضمان مشاركة فلسطينية حقيقية في صنع القرار، بما يوازن بين الجانب الاقتصادي والسيادة الوطنية، ويمنع أن يتحول المجلس إلى أداة رمزية تُعزز الهيمنة الخارجية على القطاع.
تحفظات دولية حول مخاطر الهيمنة الأميركية
على الصعيد الدولي، أثارت قيادة "مجلس السلام" تحت مظلة الرئيس الأميركي ترامب تحفظات أوروبية واسعة، حيث امتنع عدد من الدول، مثل السويد وسلوفينيا، عن الانضمام خشية أن تمنحه صلاحيات واسعة قد تؤثر على النظام الدولي وتحدّ من دور الأمم المتحدة. وقد وُجهت انتقادات لمخاطر أن يتحول المجلس إلى كيان منافس أو مقيّد للهيئة الدولية، أو إلى جهاز ذو نفوذ مفرط يتركز حول الإدارة الأميركية، ما يثير تساؤلات جدية حول نزاهته واستقلاليته عن النفوذ الخارجي.
عن المجلس وغاياته
بحسب متابعين، يُمثّل "مجلس السلام" محاولة لإعادة تشكيل النظام الدولي خارج مظلة الأمم المتحدة، واستبدال التعددية التقليدية بتحالف سياسي اقتصادي عسكري تقوده واشنطن مباشرة.
بعض الحلفاء، كفرنسا والنرويج، عبّروا عن مخاوفهم من أن يكون هذا المجلس "غطاء لتجاوز القانون الدولي وإعادة تعريف الشرعية من زاوية المصالح لا المبادئ".
ويبقى المجلس مظلة مفتوحة الشكل، مبهمة الصلاحيات، لكنها واسعة النفوذ، خصوصًا مع الأسماء المطروحة وشبكة التمويل السيادي.
في المحصلة، ينتقل ترامب من غزة إلى غرينلاند، ومن أوكرانيا إلى فنزويلا، من اجل إعادة رسم خريطة جديدة للقوة والهيمنة، حيث تذهب معظم التقديرات إلى أن المجلس قد يُشكّل في السنوات المقبلة أداة جديدة للنفوذ الأميركي، خارج المؤسسات الكلاسيكية.




