13-نوفمبر-2015

في مخيم الزعتري (Getty)

لا يتوقف البشر عن طرح تساؤلاتهم ووجهات نظرهم عن الحياة ومعناها وأهدافها. وأقول البشر، ولا أعني بذلك عبر التاريخ، بل هؤلاء الجالسون الآن يتحدثون ويطرحون أسئلتهم وآرائهم الفلسفية فيما هم يحتسون الشاي أو العرق.

المثقف هو الشخص القادر والراغب في الحفر عميقًا لكشف فداحة ورعب وجودنا

ما شأني أنا وهذا الموضوع الآن؟ بصراحة، لقد استحوذ الأمر جلّ اهتمامي منذ أن نظرت قبل أيام إلى الخارج من نافذة غرفتي الجديدة. لقد انتابني شعور غريب وأنا أرى أشجارًا ذات أوراق صفراء نارية وسماء ملبدة هادئة. أدركت حينها أننا، نحن البشر، مثل الطبيعة، نكون أحيانًا دافئين ومشرقين، وأحيانًا أخرى فإننا قساة وباردين. وكما أقول، في كل جلسة شاي أو عرق، إن الإنسان قادر على القيام بأنبل الأفعال أو أقذرها في الزمان والمكان المناسبين.

وقد أدفع بالأمور أكثر، لأني أستطيع فعل ذلك في مقالي، وأقول بإن المثقفين غير مضطرين إلى الالتزام بالحقيقة، ولكن ما يجعل أحدهم مثقفًا -أو ربما من الأفضل أن نقول مفكرًا أو مبدعًا – هو صدقه/صدقها في السعي والبحث عن الحقيقة. المثقف هو الشخص القادر والراغب في الحفر عميقًا لكشف فداحة ورعب وجودنا.

لا جدوى من البحث عن معنى أو غاية الحياة، فالحياة بحدّ ذاتها لا معنى أو هدف لها. ما نفعله طوال الوقت هو النضال والكفاح المستمر من أجل النجاة والبقاء؛ البقاء بأفضل الشروط. وما هو مقدّر للمفكرين والمبدعين فعله -ليس بسبب قانون الحياة بل بفعل مسارها– هو كشف هذه الحقيقة الجوهرية.

 قد يبدو كلامي عن النجاة والبقاء متطرفًا، ولكن لننظر بعيدًا عن منطقتنا ومشاكلها وحروبها وثوراتها، منطقتنا التي تسعى في جانب كبير من كفاحها وصراعاتها إلى النجاة؛ أقول فلننظر نحو أوروبا التي تعتبر الآن المثال الذي يجب على الجميع أن يحتذي به، والبلدان الأوروبية تمثّل حقًا أفضل ما وصلت إليه حضارتنا حتى الآن، على الأقل ما نعرفه عن حضارتنا. في أوروبا، القوانين أكثر من البشر، مع المبالغة طبعًا. المجتمع والدولة فيهما قائمين على مجموعة معقدة ومتقاطعة من القوانين والأعراف التي تحدّ من حرية البشر كي لا يفقد البشر أنفسهم حريتهم. هذه القوانين حقّقت لهم الآمان والحرية، ولا أقصد الحرية المطلقة بل أقصى حرية ممكنة وصلنا إليها، نحن البشر، حتى الآن.

ولكن ألا تعني هذه القوانين عدم ثقة بالإنسان؟ البشر في البلدان المتقدمة أيضًا على الحافة، وهم خائفون من الانهيار. والأمر قد يتعدى الخوف من عودة الفاشية والنازية، قد يتعداها إلى نماذج أكثر تطرفًا ووحشية. ماذا لو رُفعت هذه القوانين فجأة؟ ماذا لو رُفعت هذه القوانين والبيروقراطية التي جلبتها معها؟ هو المجهول الذي لا يريد أن يواجهه أحد.

علّمنا التاريخ أن البشر قادرون على ارتكاب أسوأ الأفعال إذا فقدوا القوانين التي تحكمهم

المجتمع الأوروبي، مثل أي مجتمع آخر، لا يثق بنفسه، ولا يثق بالبشر، فالتاريخ علّمنا، بحقّ أو من دون  وجه حق، أن البشر قادرون على ارتكاب أسوأ الأفعال إذا فقدوا القوانين التي تحكمهم. ما تفعله المجتمعات والدول الأوروبية هو وضع القوانين والأعراف كي لا يسقط البشر في الهاوية. ربما هي القوانين والأعراف من تصنع معنى للحياة، وكل جيل يورث المعنى للجيل الذي يخلفه، وكل عصر جديد يطرح أنبياءه أو فلاسفته كي يجدّدوا المعاني التي ورثوها عمن سبقوهم. 

ثمة معانٍ وتفاسير كثيرة عن الحياة، وكلها تسعى إلى استمراريتنا وبقائنا، على الرغم من أن معظم هذه المعاني سعت إلى حروب وإبادات وثورات لتثبت نفسها في مجرى الحياة والتاريخ. إننا الآن منهكون، فقد أورثنا التاريخ أكثر مما نتحمّل، أو ربما هذا ما نعتقده. لذلك قد يكون مشروعًا أن نتساءل أخيرًا: هل لا معنى الحياة يصعّب علينا الحياة وقدرتنا على تحمّل وطأتها؟ أعتقد أن الأمر على العكس من ذلك تمامًا، إنه يفتح لنا مجالات ومعانٍ وأفق جديدة. إنه يجعل الحياة غير محدودة وغير منتهية. هو تواصل، تقاطع، توازي، تجاور، تراكم الرغبات والأحلام والأهداف والمعاني. هو أكثر تحديًا طبعًا، ولكنه بالتأكيد أكثر حيوية وجمالًا.

اقرأ/ي أيضًا:

مالك السوري الحزين

سجن تدمر حيث "الأسد منع الله من الدخول"