عن معجمنا المنتظر

عن معجمنا المنتظر

المعجم ليس متحفًا! المعجم شيء يتجدّد دومًا (فيسبوك)

هنالك شعور دائم بالخسارة حين يتعلّق الأمر باللغة العربيّة. الذي يتعامل مع اللغة بشكل يوميّ، وتعرض له نصوص أجنبيّة في حقول وقطاعات متنوّعة، لن ينفكّ يشعر بأنّه لغته العربيّة محرومة من الكثير من الكلمات التي بوسعها أن تسدّ فجوة كبيرة في حياتنا المعرفيّة واليوميّة.

الحقيقة المرّة التي نصطدم بها يوميًّا هي أنّنا لا نمتلك معاجم حديثة للغة العربية تستوعب الجديد وتفرض حالة من الاتفاق على الكثير من المصطلحات والكلمات التي يحتاج الكاتب والمترجم دومًا إلى استخدامها، ولكنّه دائمًا يفتقر إلى الثقة في المعجم الجمعيّ للقرّاء والمتلقّين.

هنالك حالة من البعد بين المستخدم العربيّ ومعجمه، لأنّ المعجم بكلّ بساطة لا يمسّ حياته اليوميّة. ولضعف حالة المعاجم العربيّة باتت "القاموس الفردي" للشخص العربيّ يكاد يكون محصورًا ببضع مئات من الكلمات التي تتكرّر بشكل مملّ ومخيف معًا، تتكرّر في الصحف والمقالات ونشرات الأخبار وغيرها من الموادّ اليوميّة. الأمر خانق حقًّا، ومحزن ومثير للقلق.

إنّنا لا نمتلك معاجم حديثة للغة العربية تستوعب الجديد وتفرض الاتفاق على الكثير من المصطلحات والكلمات التي يحتاج الكاتب والمترجم

كثيرًا ما نسمع بعض المتذاكين من المدافعين عن العربيّة يقولون إنّ الدليل على عظمة العربيّة هو أنّنا ما نزال نعود إلى معجم لسان العرب، الذي كتب قبل سبعة قرون، ونفهم ما فيه ونستعين به. هذه طامّة كبرى! لسببين على الأقل: الأوّل هو أنّنا في الغالب الأعمّ لا نستعين بالمعجم أصلًا، مع الأسف، فالمعجم ليس من الأمور التي نحرص على اقتنائها والتقاؤنا بها محدود للغاية، وأقصد هنا على الصعيد العام بين طلبة المدارس والجامعات وجمهور المتعلّمين، والثاني هو أنّ العربيّة اليوم تحتاج إلى معجم جديد جريء يستوعب ما قيل وما كتب في القرنين الماضيين على الأقلّ.

هذا أمر مهمّ لإحياء اللغة على المستوى الشعبيّ، وتعزيز المشترك اللغويّ بين العرب، فلا بدّ من معجم يتحدّث لغة الناس ويتواصل معهم بشكل يوميّ، وهذا ما نفتقده منذ سنوات طويلة.

اقرأ/ي أيضًا: عارف حجّاوي: أخاف من الخائفين على اللغة العربية

الفكرة هي أنّ المعجم ليس متحفًا! المعجم شيء يتجدّد دومًا، أو هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر. المعجم مصدر منفتح للتجديد والحذف والزيادة في كلّ يوم، والمعجميّون قرّاء نهمون ومستمعون ذوو آذان صاغية لا يفوّتون، مجتمعين، كلمة جديدة إلا وكان عليهم أن يعوها ويجدوا موقعها من معجم لغتهم، يترقّبون الكلمات الجديدة أو المعاني المحدثة لكلمات قديمة، ويجهّزون عدّتهم لإدراج هذه البيانات في المعجم إن بلغ الاستخدام مستوىً من التداول يحتّم إدخالها في المعجم.

هذا الأمر موجودٌ بشكل نشطٍ وملاحظ في اللغات الإنجليزيّة والفرنسيّة وغيرها، وهو موجود بالعربيّة بطبيعة الحال، ولكنّه لا يمثّل حالة نشطة تراكميّة جمعيّة رسميّة وشعبيّة.

 إن المعجم ليس متحفًا! المعجم شيء يتجدد دومًا، أو هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر. المعجم مصدر منفتح للتجديد والزيادة في كل يوم

في العام الماضي، 2016، أضاف قاموس (ميريام ويبستر) الإنجليزي أكثر من 1000 كلمة إلى نسخته الإلكترونيّة، أما قاموس أكسفورد فيقدّم على موقعه الإلكترونيّ قائمة شهريّة بالتحديثات التي طرأت عليه، سواء ما كان منها إضافة كلمات جديدة أو التحديث على معاني كلمات موجودة أصلًا، وبلغ إجمالي الكلمات الجديدة التي أضافها قاموس أكسفورد العام الماضي 1200 كلمة.

كلّ هذا يمكن متابعته بسهولة عبر منصّات هذه المعاجم على فيسبوك وتويتر وإنستغرام، عدا عن مواقعها الإلكترونية التفاعلية والمعتبرة. فهنالك فرق كاملة ومتكاملة من الباحثين واللغويين والمعجميين والتقنيين وخبراء التسويق والإعلام الاجتماعيّ يتعاونون معًا لإبقاء الحوار "الديمقراطي" والمفتوح بشأن اللغة مستمرًّا ونشطًا على الدوام.

اللغة مستودعنا؛ مستقرّ ثقافتنا وحاضرنا، أو هكذا يجب أن تكون. المعجم يمثّل ذلك المشترك الأوسع بيننا، وفيه طاقةٌ هائلة لو أنّنا نحافظ عليه ونعود لسقياه من مورد ما يخطّه ويقوله أبناء هذه اللغة وبناتها.

اقرأ/ي أيضًا:
نعي موقع عربي
ويكيبيديا العربية.. بؤس ثقافي