عن

عن "مشروع المحترف- تمارين في التعب".. ما الذي تفعله الأيدي الحاذقة؟

الفنان جاكو رستيكيان

على جاري العادات المعاصرة، يبني المهندس عمارة وقد يستأجر فيها فنان ما شقة أو مستودعًا، ليقيم فيها محترفه. منذ زمن بعيد لم يعد البنّاء فنانًا، صار متعلمًا. ومنذ زمن بعيد أيضًا، نجح الفنانون الكبار، بالتكرار والتعلم ممن سبقوهم، في بناء كنائس ومعابد ومساجد ومبان وقلاع، يمكن القول بثقة إنها من نتاج متعلمين. الفنانون اليوم يصنعون ما لا حاجة مباشرة لنا به. ذلك أننا نعيش في عصر هيمنة شركات التأمين الكبرى، حيث لم يعد ثمة ما يمكننا استهلاكه أو استعماله من دون ضمانة من تلك الشركات، وغالبًا ما تكون هي نفسها الشركات الصانعة والمنتجة.

لم يعد البنّاء فنانًا، صار متعلمًا. لكن نجح الفنانون الكبار في بناء كنائس ومعابد ومساجد ومبان وقلاع، يمكن القول بثقة إنها من نتاج متعلمين

أن يعمد اليوم، فنان معاصر لبناء محترفه بنفسه، مستخدمًا المواد الخام وعضلاته المجهدة بالسن والتعب، لهو أمر يستحق منا أن نتمعن في آثاره من عدة نواحي. جاكو رستيكيان فنان لبناني، يقيم بين لبنان وكندا، قرر أن يبني بنفسه محترفه على قطعة أرض يمتلكها. وضع لمشروعه المجهد عنوانًا موحيًا: "مشروع المحترف- تمارين في الإجهاد". وصور مراحل العمل على هذا المشروع وحمّل الفيديو على موقع يوتيوب. في هذا الفيديو، نرى الفنان وهو يصنع أحجار الخفان بطريقة بدائية، بقالب كان قد صنعه بنفسه، مستخدمًا أدوات حرفي أولية. ويختتم الفيديو بصورة لحائط المحترف الإسمنتي يظلل ساحة إسمنتية كانت في ما سبق مجرد تراكم لأغراض وأشياء ونباتات لا يجمع بينها سوى الزمن المهمِل.

اقرأ/ي أيضًا: "أضواء لبنان".. تحولات المشهد الفني اللبناني طيلة سبعة عقود

ما الذي يقوله هذا العمل فعليًا؟ الفنان هو أولًا حرفي. حسنًا، وماذا بعد؟ الفنان هو في الأصل بنّاء. مفهوم. إنما من جهتي أزعم أن هذا العمل يقول أقوالًا مختلفة. فهو أولًا عمل مجهد ويستغرق وقتًا طويلًا. ما يطرح تساؤلًا كبيرًا: كم عمل مثل هذا العمل يستطيع الفنان أن ينجز. وإذا كان السؤال موجهًا لرستيكيان بالذات، يصبح السؤال أكثر وطأة وثقلًا. فالرجل لم يعد في مقتبل عمره، ولم يعد أمامه عقود من العمل والجهد الممكنين ليبني محترفًا ثم بيتًا ثم يستصلح غابة، ويهندس بستانًا. إنه بهذا المعنى عمل فريد. والفرادة شرط ضروري من شروط الفنون. يستطيع مهندسو شركة بورش أن يصنعوا مئات الآلاف من التحف المكتملة كل عام. لكن أعمالهم ليست فنونًا، إنها صناعة. شرط الفن أن يكون ناقصًا ومعابًا، شرطه أن لا يكون الوجه المرسوم وجهًا حقيقيًا، وألا يكون الجسم المنحوت جسمًا قادرًا على الإحساس. الفن ناقص. ورستيكيان يبني مبنى ناقصًا.

المشروع من جهة أخرى لم يتم تمامًا. لقد أنجز الفنان جزءًا منه، جزء قابل لأن يستكمل فيصبح موظفًا في شأن من شؤون الفن أو العيش. أيضًا هذا يجعله فنًا أصيلًا. من قال إن الفنان قد ينحت حصانًا ليسافر على ظهره؟ إنه ينحت ما يدفعك لتتخيل الفعل، لكنه أبدًا لا ينحت ما يمكنك استعماله حقيقة. فنانون كثر حاولوا أن يصنعوا وجهات جانبية لاستعمال منحوتاتهم، كأن يتعانق عاشقان على ناصية تمثال لكارل ماركس. هذا انزياح عن وظيفة التمثال الأصلية، واستخدام له على وجه من الوجوه الجانبية. لكن حقيقة التمثال تبقى محصورة في ما يحثك على التفكر والتخيل والتذكر.

ومشروع المحترف أيضًا، ليس مضمونًا، بمعنى أن أحدًا لا يضمن قدرته على الصمود أمام العوامل الطبيعية والأفعال البشرية. أيضًا هذا يقترب من الفن كثيرًا. الفنون يمكن تهديمها بأيديولوجيا وفأس. يمكن إتلافها وتمزيقها، وهي حتمًا ليست مضادة للنار والماء والحر والبرد. الإقامة في هذا المحترف ممكنة إذا تنكب المرء أو الفنان مسؤولية شخصية عن نفسه وحياته. هل يمكننا اعتبار هذا الواقع اعتراضًا على تطلبنا المبالغ فيه بالحماية والضمان والتأمين؟ الأرجح أن ما أنجزه الفنان أمر بالغ الجرأة، وهو بذلك يفرض على نفسه أولًا وعلى المتلقين تاليًا، أن يتنكبوا أمر أمنهم وسلامتهم بأيديهم.

من قال إن الفنان قد ينحت حصانًا ليسافر على ظهره؟ إنه ينحت ما يدفعك لتتخيل الفعل!

أخيرًا. هذا عمل من أعمال الحرفيين. الأدوات المستخدمة في هذا العمل ليست الأدوات الأحدث والأفضل والأدق. الرسام اليوم يستخدم ريشًا للرسم أجود وأدق بكثير من تلك التي كان دافيد يستخدمها منذ قرون. ثمة مؤسسات كبرى وشركات عابرة للقارات تعنى بتصنيع ما يحتاجه الفنانون من أدوات لإنجاز أعمالهم. رستيكيان لم يركن إلى تطور الصناعة. إنه ينشئ محترفًا بأدوات شبه بدائية. وهو بذلك يعيد لليد الماهرة أهميتها وقيمتها. تلك اليد التي لم تعد تحسن إلا الضرب على لوحة الحروف في الحواسيب الحديثة، يجعلها رستيكيان مرة أخرى يدًا حاذقة.

اقرأ/ي أيضًا: في وداع الاطمئنان والحب والتحرر

جاكو رستيكيان ممارس في الفنون البصرية وأستاذ جامعي. درس في الجامعة اللبنانية وجامعة منتريال في كيبيك. ممارسته الفنية تندرج في مسار متعدد المناهج. عرض أعماله بشكل رئيسي في لبنان وكندا.

اقرأ/ي أيضًا:

انطباعات حول لوحات رولا الحسين وصورها.. أي شياطين تسكن هذا الليل؟