عن مبين الخشاني.. أن تكون شاعرًا ومنصتك ساحة الاحتجاج

عن مبين الخشاني.. أن تكون شاعرًا ومنصتك ساحة الاحتجاج

الشاعر مبين الخشاني

لعل من المصادفات الجميلة أن تتعرف على شخص ما على ورق الصحف والمجلات قبل أن تعرفه على أرض الواقع. هذه قصة معرفتي بالشاعر والكاتب مبين الخشاني، أتذكر بالضبط النص الذي نشرتهُ صحيفة "بين نهرين" بعنوان جنة العميان، والذي قرأته ومررت بسكرة تشبه، سكرة الصوفي الغائصُ في حالة التبصرُ العميقة.

يقول النص:

في جنةِ العميان،

تحت قدميكَ

دمُ شابٍ يضيءُ

قتلهُ سؤاله

وخلفكَ سيرةُ المفقودِ، سيرتكَ،

فإلى الأمامِ توغل حين يتعذر الخروجُ،

انطفأت جمرةُ خلاصكَ

وبردتْ قبضتكَ

فإلى الأمامِ ليس لديكَ ما تخسرُ،

أحرِق كومةَ القشِ

ومرّ على شارعِ الغانيات

حيطانهُ طرشاءُ

فأطلق صرختك.

وهذا النص كان مفتاحي للدخول إلى عالم الشاعر والتعرف عليه عن قرب والحديث معه عن الجانب الإنساني، الذي شكل وعيه، وأثر في كتابته، بالإضافة إلى مصادر المعرفة الأخرى التي ينهل منها. 

جائزة الرافدين.. فرصة للعودة إلى الوراء

في منتصف شهر آب/أغسطس الماضي، أعلنت جائزة الرافدين للكتاب الأول، دورة الشاعر فوزي كريم، وكان من بين الفائزين الشاعر مبين الخشاني، حيث حصد الجائزة الأولى عن فئة الشعر، وعلى الرغم من أنَّ هذا الخبر جعل يومي سعيدًا، ألا أنني كنتُ على يقين من أنَّ خشاني سوف يحصد الجائزة؛ لثقتي بمشروعه الشعري، وباللجنة التي حكمت على الأعمال.

لا تتخلّى مجموعة مبين الخشاني عن منطقها الشعري أو تدفُّقها المسترسل مهما تنوّعت الهواجس والمخاوف وصعُبت الحقائق التي تطاردها

فاز مبين عن ديوانه الذي حمل عنوان "مخطوفٌ من يد الراحة"، وقالت لجنةُ التحكيم إنّها "تبشِّر بميلاد شاعرٍ يستحقُّ الرعايةَ والاهتمام"، مضيفةً أنّه أظهر تمكُّنًا عاليًا من أدوات فنّه الشعري وابتعد عن الحلول المُبسَّطة الجاهزة في خلق عوالمِه الشعرية، وبأنَّ المجموعة تتميّز بكونها "لا تتخلّى عن منطقها الشعري أو تدفُّقها المسترسل مهما تنوّعت الهواجس والمخاوف وصعُبت الحقائق التي تطاردها"، مضيفةً أنّها "تصدرُ من موقع جيلٍ شابٍ مَأزومٍ وَرِثَ شيخوخةَ أسلافِهِ المعذبّةَ".

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة مبين الخشاني

الجيل الجديد وتحدياته

ينتمي مبين الخشاني إلى جيل جديد ليس لديه ما يفخر به. جيل متحرر من عقدة الأيديولوجيات، بينه وبين السلطة جدرانٌ من العزلة، والغربة والحوار المفقود، ليس لديه عقدة الخوف ولا عاش أجواء التنشئة التي نحتها النظام السابق بإزميل الرعب في عقول العراقيين وقتذاك، تنبع قرارات هذا الجيل فرديةٌ نابعةٍ من الإحساس بالقهر والظلم، لم "تتلوّث" اقلامهم بمديح السلطة وما يتصل بها، وليس لديهم عارٌ يتطلب منهم انتهاز الفرصة وغسل وجوههم بدماء الثوار، لذلك على هذا الجيل ان يدفع الثمن هكذا رأت السلطة والميليشيات المتربطة بالأحزاب، والتي تحكم قبضتها على الأوضاع في العراق.


 جائزة الرافدين للكتاب الأول، دورة الشاعر فوزي كريم

ردت الفعل على هذا الجيل تمثلت من إنه جعل أحزاب السلطة، تفقد جميع أدواتها وصارت تتنبأ بزوال عروشها التي شيدتها بالخديعة، بعد أن صارت ساحات الاحتجاج التي شهدها العراق في عام 2019، هي التي تقرر جدول اعمال الحكومة، ولذلك لم يجدوا حلًا غير استخدام العنف بأقصى مدياته (قتل واغتيال، وخطف، وابتزاز، وسحل وحرق) ولأن كل هذا يحتاج إلى غطاء شرعي؛ سارع رموز الميليشيات بصناعة هذا الغطاء واتهموا المحتجين بالمروق عن الدين، والعمالة والخيانة وتلقي الأموال من الخارج، فالعنف يحتاج إلى شرعية لكي يأخذ مجراه.

شعراء شباب في مقدمة الثورة

وصفَ الشاعر الفلسطيني فخري رطروط الثورة وشعراءها بأدق وصف: "إنها الثورة العربية الوحيدة الحديثة التي يتقدم فيها الشعراء الشباب، والمثقفين الشباب الصفوف الأولى". إذ إن معظم الشعراء الشباب هم كانوا في الواجهة، فمنهم من يسعف الجرحى ومنهم من يقدم الدعم اللوجستي، ومنهم من يوثق أحداث الثورة ويتلقى الرصاص في صدره، فضلًا عن كتابة القصائد التي سوف تخلّد مع خلود هذه الثورة، وتتمكن من خلق المشاعر والاحاسيس، بالشكل الذي يجعل أرواح القراء تطوف في الساحات، التي تنزُ منها دماء الشهداء.

وبالعودة إلى الشاعر مبين الخشاني فإن من القصائد التي كتبها، ونالت شهرة واسعة حتى إنَّ صحيفة "الاحتجاج" التابعة إلى المدى نشرتها في وقتها بالإضافة إلى صحيفة تكتك.

تقول قصيدة خشاني:

إنَّ حياتي المنزوعة منِّي لم تكن حياةً

كانتْ وفاةً مؤجَّلةً

وموعدًا مع عدمٍ آخرَ

لا أسمع فيه نداءَ قلبي

حين يخنقه تلٌّ من جثثِ إخوتي،

بقي أن أفقد نبضيَ وقد فقدتُه

وحقّقت كمال الموت وبهجتَه،

أنا مغدورٌ

واسمُ قاتلي ينموَ في لافتات الشَّوارعِ.

 

ويقول في موضع آخر:

أيُّ يومٍ من التقويم هذا؟

إنَّه اليوم الذي سأموت فيه،

إنَّه اليوم الذي يتكرَّر كلَّ يوم

وأموت فيه.

بم قايضني العالمُ لكي أحمل كلَّ هذا الألم؟

تحاكي قصيدة مبين ما يعرف بالخوف السائل المنتشر على جسد المحتجين الذي يجهلون تلك اللحظة التي تنهي حياتهم، وهو أكثر أنواع الخوف انهاكًا؛ فالخوف يأتي في أفظع صورة عندما يكون متفرقًا، ومنتشرًا، وغامضًا، مشتتًا ومتقلبًا، وعائمًا، من دون عنوان واضح ومن دون سبب واضح. بحسب تعبير زيجمونت باومان.

الشاعر يعيش قصيدته

اقترب مبين من كماشة السلطة ورجالها، فهو في البداية كان على يقينٍ بانتصار الثورة لذلك ذاب فيها دون انتظار كلمة شكر أو ثناء من أحد، بتاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر 2019، أي قبل بدأ الموجة الثانية للاحتجاجات بيومين، كتبَ خشاني مطالب الثورة والتي كان منها: إسقاط الحكومة واستبدالها بحكومة تصريف اعمال، إبطال العمل بالدستور الحالي وصياغة دستور جديد، وإلغاء قانون الانتخابات، وقف كافة الانتهاكات التي تمس حياة المواطن وسلامته.. لقيت هذه المطالب والرؤية الاستشرافية رواجًا منقطع النظير على الفيسبوك العراقي، إذ أصبحت بمثابة الدستور للثورة، الامر الذي جعل اسمه في صدارة الحراك.

ينتمي مبين الخشاني إلى جيل جديد ليس لديه ما يفخر به. جيل متحرر من عقدة الأيديولوجيات، بينه وبين السلطة جدرانٌ من العزلة

بالإضافة إلى دور مبين في كتابة المقالات عن الاحتجاج في الصحف، والمجلات والمواقع، ودوره ايضًا في نشر وتوزيع جريدة الثورة "تكتك" وسط بغداد.

اقرأ/ي أيضًا: هل الشعر فن شخصي؟

لم تكن خطورة خشاني تتمثّل في انه يغطي اخبار الحراك الاحتجاجي فقط، بل لكونه يجيد اللغة الإنجليزية، وهذا ما مكنه من أن يكسر عزلة الحراك الاحتجاجي عن العالم الخارجي، فأصبحت تقاريره وتغطياته تصل إلى وكالات وقنوات إخبارية مهمة تجعل العراق في صدارة المشهد العالمي. لذلك صار اسم مبين ينمو في قوائم الموت المؤجل، دون شعور منه، بتلك اللحظة التي يضع فيها أحدهم فوهة المسدس خلف راسه وينهي حياته على الفور.

استيقظ شعور مبين بعد أن ضعفت روح الاحتجاج والتي صاحبها هجوم الميليشيات على الساحات،، بالإضافة إلى تلقيه رسائل تهدده بالتصفية الجسدية، وهنا استيقظت خلايا خشاني بعد ان كانت ثملة وسط الجماهير، وصار يرى الخطر ماثلًا أمامه ومنكشف تحت الضوء.

إذ أعلنت "المفوضية العليا لحقوق الانسان - العراق" في كانون الثاني/ يناير 2020، أي خلال أربعة أشهر من الاحتجاجات فقط، عن توثيقها "72 حالة ومحاولة اختطاف طالت متظاهرين وناشطين ومدونين، منذ اليوم الأول للتظاهرات".

وخوفًا من أن يلقى المصير ذاته، وجد خشاني نفسه مضطرًا لاتخاذ قرار الهجرة إلى تركيا؛ باعتبارها الخيار المتاح الأقرب للنجاة.

قصة الشاعر مبين ثمل كل الشباب العراقيين الذين يحلمون بوطنٍ لا يلقي بهم في التهلكة، والمآلات المرعبة؛ ويمارسون فيه حياتهم بشكلٍ طبيعي دون حذر او خوف من الرقابة الدينية والميليشيات المتنفذة.

ويصنف العراق ضمن أخطر الدول على العاملين في الصحافة، إذ سجل 286 حالة انتهاك ضد صحافيين بين أيار/مايو 2020 وأيار/مايو 2021، بحسب دراسة أعدتها "جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق"، وتتوزع الانتهاكات "بين تهديد صحافيين وملاحقتهم، واحتجازهم واعتقالهم، ودعاوى كيدية، واعتداء بالضرب، ومنع تغطيات، وإغلاق وسائل إعلام، وتسريح عاملين".

 

اقرأ/ي أيضًا:

أدب من هذه الأرض

راكان حسين في" بوابة المطر".. الحكاية بطاقة دخول إلى الجنة المفقودة