25-أبريل-2017

رئيس الوزراء المصري السابق كمال الجنزوري (محمد الشاهد/أ.ف.ب)

المشهد الأول: وسط توقعات شبه مؤكدة ليكون رئيسًا للوزراء للمرة الثانية في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، خرج رئيس وزراء مصر الأسبق كمال الجنزوري من المشهد السياسي دون مقدمات أو تفسير لذلك، ثم اختفى دون أن يعلن أي أسباب.

المشهد الثاني: رفض الثوار في ميدان التحرير تشكيل حكومة الثورة تحت قيادة رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري، بعد تكليف القوات المسلحة له بذلك، مشيرين إلى كونه أحد رموز النظام الذي قامت الثورة من أجل فساده، واختفى مرة أخرى مع تولّي الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي الحكم.

كمال الجنزوري، رغم ظهوره القليل، إلا أنه لا يظهر إلّا ويتهم الإرادة السياسية، في صورة الوزير الثائر

الكثير من متابعي التحولات العديدة في مصر بين المشهدين لا يزالون حتى الآن بين مؤيد ومعارض لكمال الجنزوري، حائرين حول تحديد هوية وصلاحية هذا الرجل الذي يظهر ويختفي دون سابق إنذار، هل نعتبره وقف مع النظام السابق أم ضده؟

على ما يبدو، الأرقام تستطيع الإجابة بحيادية أكثر لا سيما إذا كان الحديث هنا عن رجل اقتصاد أساسًا. لكنه عندما سئل عن أسباب صمته واختفائه، أشار إلى كتابه الصادر عن "دار الشروق" بعنوان "طريقي". لذلك حاولنا في "الترا صوت" تلمّس وتوضيح بعض المعلومات من خلال هذا التقرير، إلى جانب عرض السياسات المالية والمشروعات العملاقة لرجل الاقتصاد الغامض، وإرهاصات استخدامها على الوضع المصري آنذاك، ومقارنتها أيضًا بالنتائج مع الوزارات السابقة والتالية له.

اقرأ/ي أيضًا: كيف يرى المصريون مبارك بعد 5 سنوات من الثورة؟

من هو كمال الجنزوري؟

ولد كمال الجنزوري في كانون الثاني/ يناير عام 1933 في مركز الباجور بمحافظة المنوفية، وحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميشيغان الأمريكية، ثم عيّن أستاذًا للاقتصاد بالعديد من الجامعات المصرية.

تخرج كمال الجنزوري من كلية الزراعة في حزيران/ يونيو عام 1957، يقول إنه انتظر بعد ذلك أن يلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية في تشرين الأول/ أكتوبر من نفس العام ليبقى عامًا ونصف العام.

وفي كتابه الذي يحمل عنوان "طريقي.. سنوات الحلم والصدام والعزلة"، يقول الجنزوري: "لهذا أسرعت فى البحث عن عمل قبل التحاقي مجندًا بالجيش، وعينت فى وظيفة اسمها أفضل كثيرًا من ميزاتها واختصاصاتها، وهي خبير الغلال في فرع لبنك الائتمان الزراعي في مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، وكان زميلي في التعيين والمكان السيد محمود دبور، الذي وصل فيما بعد وكيلًا لمجلس الشعب".

تنقّل في العمل السياسي والاقتصادي حيث بدأً في العمل في منصب وكيل وزارة التخطيط عام  1974 ثم مدير معهد التخطيط عام 1977 ثم تم تعيينه وزيرًا للتخطيط  بأمر من  الرئيس المخلوع مبارك عام 1982 حتى أصبح بعد ذلك وزيرًا للتخطيط والتعاون الدولي عام 1984 ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزير التخطيط والتعاون الدولي عام 1986، وكان خلال رئاسته للوزراء يحمل إلى جانبها ما يقارب 6 وزارات، يشرف عليها بشكل رسمي.

تولى رئاسة وزراء مصر مرتين، واحدة في عهد الرئيس المخلوع مبارك لما يقارب أربع سنوات، والأخرى في ظل سيطرة المجلس العسكري لإدارة شؤون البلاد بعد ثورة يناير واستمرت أقل من عام.

"لا إنجاز بغير علم، ولا تطور بغير تخطيط"، كانت تلك كلماته المفضَلة للإدارة الناجحة، الأمر الذي ربما يفسّر ذلك العمل المتواصل بعد انتهاء خدمته العسكرية وبداياته كموظف بالدرجة الخامسة في وزارة التخطيط في آب/أغسطس 1967 أثناء اضطرابات شديدة بسبب هزيمة عبد الناصر في نفس العام.

ولكن مع بداية نيسان/ أبريل 1968 تتابع على التشكيلات الوزارية وزراء جدد، وضمّت الوزارة وجوهًا جديدة من أساتذة الجامعة كالدكتور عبدالعزيز حجازي والدكتور سيد جاب الله، الذي كان يعرف كمال الجنزوري جيدًا منذ كان مشرفًا على رسالته للماجستير، وعند عودته من الولايات المتحدة طلبه للعمل بمكتبه والدخول لأول مرة لأروقة العمل في الوزارة.

الجدير بالذكر أن مكتب وزير التخطيط هو المشرف العام على إعداد الخطة الوزارية كاملة ومتابعتها، حيث تقدم كل قطاعات الوزارة إلى مكتب الوزير المقترحات اللازمة لإعداد الخطة ومتابعتها لوضعها في شكلها النهائي لكنّه رفض وضع خطط خمسية بها بحسب كلام كمال الجنزوري.

اقرأ/ي أيضًا:يسقط يسقط حسني مبارك.. تاني

أول مسؤول يتهم المسؤولين!

يتهم كمال الجنزوري المسؤولين بتحطيم أفكار مشروعاته التي يصفها "بالعملاقة"

يتحدث كمال الجنزوري في كتابه لأول مرة كمسؤول في تلك الفترة من تاريخ مصر ويكشف عن أبعاد القضية التي خرّبت بيوت عدد كبير من المصريين، والتي تخص شركات توظيف الأموال، كما يوضّح كيف أن الدولة تكاسلت عن إصدار قانون يحمي أموال المودعين بالرغم من أنه كان مسؤولًا ضمن هذه الحكومة، وأن هذه اللامبالاة أدت إلى قيام بعض الشركات بتهريب الأموال للخارج.

جاء في جريدة "المصري اليوم" على لسان كمال الجنزوري أنه "قبل أن ننهي عهد حكومة الدكتور عاطف صدقي، وننتقل إلى بداية 1996 وحكومة جديدة تشرفت برئاستها، لا بد أن أذكر بعض الأمور التي كان لها أثرها على الكثير من المواطنين، وهم من أودعوا أموالًا فيما يسمى شركات توظيف الأموال، والتي انجر عنها قضية كان لها آثار سلبية شديدة على عائلات وأسر عديدة، وأذكر أنه بدأ الحديث عن هذا الأمر فى نهاية 1988، كانت الصحافة تنشر والحكومة تجتمع وتعلن أنها بصدد إصدار قانون جديد ينظم توظيف الأموال، طلبت في الاجتماع الأول من د. عاطف صدقي أن ننتهي من إصداره في أيام قليلة، وتجريم هذه الأمور، وتوفير الضمانات اللازمة للمحافظة على أموال المودعين، ولكن للأسف وكشأن أمور أخرى، طالت المدة عدة شهور حتى صدر القانون وبدأ تطبيقه في أوائل عام 1989".

وأضاف كمال الجنزوري: "كما تبيّنا حينما صدر أن عددًا من أصحاب شركات التوظيف حوّل إلى الخارج مئات الملايين من الدولارات خلال الشهور التي سبقت صدور القانون، وأعتقد أنه لو صدر القانون في الشهر الأول من بداية الحديث عن توظيف الأموال لمُنع خروج هذه الأموال، وعولجت مشاكل المودعين بشكل أفضل، ولكن استمرت معاناتهم لسنوات طويلة، بعد أن دمرت بيوت وأسر كثيرة، حيث تلاشت مدخرات الكثيرين الذين أغراهم الربح العالي، ولم يتفطنوا إلى حقيقة اللعبة التي تتلخص في (تلبيس طاقية ده لده)، أي دفع الربح المبالغ فيه من أموال المودعين الجدد وهكذا، وطبعًا عند أول تعثر تنكشف الشركة وتضيع الأموال".

في أول حديث له في مجلس الشعب بعد الثورة، أثناء فترة الإخوان المسلمين، قال كمال الجنزوري: "رأيت وجوهًا غير الوجوه، أنا أيضًا ظلمت مثلكم". كمال الجنزوري، رغم ظهوره القليل، إلا أنه  لا يظهر إلّا ويتهم الإرادة السياسية باعتباره الوزير الثائر، الذي رفض مرافقة رئيس وزراء إسرائيل وانتهى أمره بذلك في مجلس الوزراء، بالإضافة للمحاولات العديدة التي قام بها عاطف صدقي لإزاحته من دائرة صنع القرار قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء. كما ينفي دائمًا علاقته بمجلس الشعب أو الانتساب له آنذاك، ربما تشعر أنه كان وسط هؤلاء على غير رغبة منه، وربما هو يغالط غيره الآن.

في نفس السياق، يتهم كمال الجنزوري المسؤولين بتحطيم أفكار مشروعاته التي يصفها "بالعملاقة" ويتحدث عن وجود رؤية حكومية أو رئاسية واضحة أثناء تواجده في الحكومة بعكس ما يتهمه البعض.

على ما يبدو، إن الربط بين مشروع كمال الجنزوري سواء الذي انتهى في أواخر تسعينات القرن الماضي أو الذي كان يود عودته بعد ثورة 25 يناير، هو تحقيق الأمن الداخلي والخارجي بعدم الاعتراض أو المناقشة فيما يعرضه من مشاريع، باعتبار ذلك جزءًا من وعيه الاقتصادي المرتبط بإعداد خطط خمسية وعشرية، مثلما حدث مع مشاريع توشكى وشرق العوينات ودرب الأربعين وغيرها.

لم يقبل نقده أو معارضته أثناء وجوده كرئيس وزراء لا سيما في قلب السلطة،  كما يؤكد الصحافيون والباحثون أمثال عبد الله السناوي وعادل حمودة وغيرهم. فهو رئيس الوزراء ويشرف على وزارة التخطيط والأزهر والحكم المحلي والتعاون الدولي، ورئيس 12 لجنة وزارية مشتركة وعضو للمجلس الأعلى للسياسات، ربما كان رجلًا يمثّل دولة بمفرده.

كمال الجنزوري وصندوق النقد.. من المسؤول عن الخصخصة في مصر؟

يبرّر الجنزوري التوجه نحو الخصخصة بالرغبة في خفض عجز الموازنة، بعد أن بلغ نسبة كبيرة حينها أي نحو 22 ٪ من الناتج المحلي

يبرّر كمال الجنزوري التوجه نحو الخصخصة بالرغبة في خفض عجز الموازنة، بعد أن بلغ نسبة كبيرة، نحو 22٪ من الناتج المحلي. وكان علاج ذلك يتطلب ترشيد الإنفاق بالإضافة إلى فرض ضرائب جديدة. وإثر ذلك بدأت إجراءات "الخصخصة" وصدر قانون 203 الخاص بقطاع الأعمال العام.

وكانت مطالب صندوق النقد الدولي لا تتوقف عند الإسراع في التنفيذ ولكن أن يبدأ كمال الجنزوري بالمشروعات الكبرى بغض النظر عن أهميتها أو ربحيتها للمجتمع، وأيضًا بيع أو خصخصة أحد بنوك القطاع العام مثل بنك الإسكندرية أو بنك القاهرة. الأمر الذي دفع البنوك للعمل على التيسير بشكل غير آمن للإقراض حتى تتمكن من سداد العائد للمودعين.

كما يحمّل كمال الجنزوري مشكلة عدم سداد القروض إلى الفترة السابقة له وليس إلى سوء إدارته الاقتصادية واستثماراته، التي استهلكت جزءًا كبيرًا من أموال لم يتم الاستفادة منها فيما بعد ناهيك عن التحذير من الخوض فيها، فمشروع توشكى أو شرق العوينات على سبيل المثال لم تجن منهما مصر حتى الآن أي شيء.

مرة أخرى نعود إلى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي بدأ رسميًا فى حزيران/ يونيو عام 1991 واستمر ستة أشهر، لنواجه المراجعة الأولى من جانبه، للتأكد من تنفيذ ما اتفق عليه، ثم المراجعة الثانية بعد سنة. وبدأت المشكلة مع الصندوق حيث تأكد لبعثته توحيد سعر الصرف وخفض عجز الموازنة بالمزيد من ترشيد الإنفاق والمزيد من الرسوم والضرائب، ولكن الخصخصة لم تتحرك إلا قليلاً، رغم حرص صندوق النقد الدولي على أن تتم خصخصة أحد بنوك القطاع العام، فتوقف ذلك الاتفاق.

يقول كمال الجنزوري في الجزء الثاني من كتابه مصر والتنمية: "حاولنا فيما بعد أن نعيد التفاوض مع الصندوق، وتم اتفاق جديد معه في 20 أيلول/ سبتمبر من عام 1993. وحاولت بعثته مرارًا إجراء خفض جديد لسعر الصرف للجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، ولكن لم نوافق على ذلك. وأيضًا محاولات بديلة لخفض قيمة الجنيه المصري بما يطلق عليه "Convertibility" أي يصبح الجنيه المصري قابلًا للتداول في الخارج. ولهذا الأمر مخاطر كثيرة، حيث سنواجه العديد من العملات المصرية المهربة إلى الخارج، يستخدمها الجانب الأجنبي ليدفع رسوم قناة السويس مثلاً، أو يسدد بها السائح العربي والأجنبي التكلفة، وأيضًا التوسع في الاستيراد".

طلب صندوق النقد من كمال الجنزوري، بحسب روايته للتلفزيون، إلغاء دعم المبيدات والأسمدة خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات إلا أنه رفض الموافقة على هذا المدى الزمني، وطلب ألا يقل عن خمس سنوات حتى لا يتأثر الإنتاج الزراعي، وتواصلت مشكلته مع الصندوق إذ أن الخصخصة لم تتحرك بالسرعة المتفق عليها رغم استمرارها، بحسب روايته دائمًا.

اقرأ/ي أيضًا: "قوانين صندوق النقد الدولي" تؤرق البرلمان التونسي

كيف كانت السياسات المالية لـ"وزير الفقراء المعارض"؟

عيّن كمال الجنزوري وزيرًا للتخطيط منذ 1982 وأصبح بعد ذلك بـ12 عامًا رئيسًا للوزراء، ما يؤكد أن تواجده في السياسة والاقتصاد المصريين، لما يزيد عن ربع قرن، مخطط ومدبّر، لكنّنا حتى نكون أكثر دقة حاولنا هنا تتبع مسار عمله خلال تعيينه رئيسًا للوزراء أي منذ تشكيل الحكومة في 4 كانون الثاني/ يناير 1996 حتى استقالتها في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1999 على مدار 1470 يومًا بالتحديد.

بدا مشروع كمال الجنزوري كرئيس للوزراء على أساس واضح هو تعظيم السياسات التنموية كأساس محوري للعمل وحول رفعة الإنسان المصري، فهل فعل ذلك بالفعل أو اقترب من فعله على الأقل؟ حتى الآن لا يزال الجنزوري يتعجب مما جاء في الإعلام من أن الاقتراض زاد بشكلٍ ملحوظ خلال النصف الثاني من التسعينيات، أي خلال فترة حكومته، فهو يتهم الإعلام بعدم نشر الحقيقة الكاملة أو عدم التركيز عليها. فالحقيقة، وفقًا للجنزوري، أن الاقتراض زاد خلال فترة حكومة الدكتور عاطف صدقي أي خلال الوزارة السابقة له، وعلى وجه التحديد خلال عامي 1991 - 1992 عندما تقرر "توحيد سعر الصرف"، فقد لزم معه اتخاذ بعض الإجراءات لإيقاف ما يسمى "الدولرة"، أي زيادة الإقبال على بيع الجنيه المصري لشراء الدولار.

لا نستطيع القول إن الجنزوري ينفي كليًا زيادة الاقتراض في عهده لأن الأرقام تقول غير ذلك، لكنه يعتبر الفترة السابقة له، السبب الأساسي الذي لا يستطيع تفاديه، بالتالي يجعل الأرقام التي توضح زيادة الاقتراض إرهاصًا لحكومة عاطف عبيد. مثلًا ، في عهده، لم تفرض الحكومة ضرائب أو رسومًا جديدة بل سارعت إلى تخفيض تلك الضرائب وإلغاء الرسوم. كما تمكّنت من إقامة 1500 مدرسة واستكمال بناء بعض المستشفيات.

وبعد أن كانت الزيادة في الدين المحلي الحكومي خلال النصف الأول من التسعينيات 94% في حزيران/ يونيو سنة 1995، انخفضت إلى 40% في 1999، آخر سنوات حكومة الجنزوري، ولكن الدين المحلي الحكومي حقق زيادة كبيرة بعد ذلك لتصل إلى 99% في حزيران/ يونيو 2004 السنة الأخيرة لعاطف عبيد، بينما قفزت الزيادة إلى 250% في حزيران/ يونيو 2010 السنة الأخيرة لحكومة أحمد نظيف. وفيما يتعلق بالدين الخارجي فقد انخفض من 32 مليار دولار في حزيران/ يونيو 1991 إلى 28 مليار دولار في ذات الشهر من سنة 1999.

السياسات المالية في عهد الجنزوري كان هدفها كبح التضخم الذي وقعت فيه الحكومة قبل رئاسة الجنزوري وبعده

وقامت حكومة كمال الجنزوري من أجل مساعدة محدودي الدخل بزيادة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي فارتفع من 3,5% سنة 1994 إلى نحو 6,0% سنة 1998 ولقد تحقق ذلك من مختلف القطاعات السلعية كالزراعة والصناعة والتشييد، وهي بدورها تستوعب غالبية القوى العاملة، مما أدى إلى زيادة أجور هذه القوى مع زيادة الناتج.

وصل عدد موظفي الحكومة والقطاع العام إلى 5,5 مليون عامل، وظهرت محاولات رفع مرتبات الأقل دخلًا ورفع المعاشات بمعدل 10% إلى 15% وإلغاء ضريبة الدخل على العاملين بالخارج، وخفض سعر الفائدة على القروض من بنك الائتمان الزراعي للمزارعين من 11% إلى 7%. كان حصيلة هذا كله وغيره من الإجراءات والتشريعات المماثلة أن أصدر البنك الدولي تقريره الدوري سنة 2000 مشيرًا إلى معدل الفقر في دول العالم النامي الذي أظهر انخفاض الفقر في مصر من 21% سنة 1996 إلى 17% سنة 1999 بنحو 1% سنويًا.

السياسات المالية في عهد كمال الجنزوري كان هدفها كبح التضخم الذي وقعت فيه الحكومة قبل رئاسة الجنزوري وبعده. بلغ إجمالي الودائع مع نهاية فترة الجنزوري ما يقرب من 201,8 مليار جنيه، وإذا استبعد منها الودائع الجارية سوف تصل إلى نحو 182 مليار جنيه مقابل نحو 121,5 مليار جنيه في بداية استلامه الوزارة وبلغ الائتمان 153,9 مليار في مقابل 81,8 في بداية فترته. وفيما يتعلق بالرصيد الأجنبي، انخفضت الأصول في البنك المركزي إلى نحو 60,4 مليار جنيه في أواخر فترته كما زادت الودائع بالعملة المحلية بنحو 60 مليار جنيه مع زيادة الإقراض بنسبة 51,8. وإجمالًا فإن الدين المحلي الحكومي وصل في نهاية حكومة الدكتور أحمد نظيف نحو ضعف ما كان عليه في نهاية حكومة الدكتور عبيد ونحو خمسة أمثال ما كان عليه في فترة كمال الجنزوري.

إذا استعرنا مصطلح الفيلسوف الاقتصادي كارل ماركس، الذي يقضي "بالحتمية التاريخية" التي ينحصر داخلها الإنسان، فإن السياسات التي اتبعها كمال الجنزوري كانت على نفس الخط مع رؤساء الوزراء قبله وبعده بتدخلات طفيفة أقل فسادًا وعشوائية، بالتالي إذا انتصرت الأرقام له فهذا لا يعني أحقية اعتباره الأفضل عمومًا بالرغم من كل إنجازاته التي ذكرناها والتي ضاعت مقابلها إنجازات أخرى وخاصة أموال تفوق التهليل لها.

اقرأ/ي أيضًا:

مصر تحت حكم المماليك.. مشاهد ووقائع فاضحة

وثائق المخابرات الأمريكية: أسرار ما قبل "25 يناير"