22-يوليو-2022
كتاب "نزيه خاطر.. جمهوريّة الأعداء"

كتاب "نزيه خاطر.. جمهورية الأعداء"

"من المدهش أن تعلمي أنّك ستبقين بعد موتك، في نصوص مقروءة أو أشياء محسوسة ولو كانت عابرة. فالكتابة هي الموت، ولكنها أيضًا ذلك الانتصار على الموت".

بهذه الكلمات تفتتح الكاتبة نادين أبو زكي مؤلّفها عن الناقد اللبناني الراحل نزيه خاطر. الصورة التي تقدّمها في إصدارها "نزيه خاطر جمهوريّة الأعداء" (دار النهار 2015، ترجمته عن الفرنسية نهلة بيضون) هي صورة سريعة وطائرة، لو صحّ الوصف، لناقد وفنان لبناني عاش حياته للفن ومنه وفيه.

في كتاب "نزيه خاطر.. جمهورية الأعداء"،تروي الكاتبة نادين أبو زكي تروي ما يشبه السيرة الروائيّة للراحل نزيه خاطر

 

أبو زكي تروي ما يشبه السيرة الروائيّة التي تشترك في دبلجتها وصياغتها هي ومجموعة من الكتاب والشّعراء والصحفيين والإعلاميين والفنانين الذي تعاقبوا ومرّوا في حياة خاطر، وترك فيهم بصمته ولمحته وشيئًا من إرثه الشخصي والشّعري المتوتّر والحاد.

يقع الكتاب في 220 صفحة من القطع الوسط. هو أشبه برواية أو سيرة توثيقيّة تنقل الكاتبة فيه على لسان خاطر وأصدقائه و"أعدائه" ومقربيه من مشارب مختلفة تفاصيل حياتيّة ومهنيّة خاصّة. التفاصيل تنقل القارئ إلى أماكن قصيّة في حياة الناقد اللبناني، أماكن مهجورة وخربة أشبه بإطلاق العنان لصرخات الشّعر والغناء.

الرواية إذًا رواية خاطر معهم، مع هؤلاء الأشخاص بعيونهم وقلوبهم وقصصهم. تقدّم في صفحاتها مُعاصَرة خاطر لبيروت بتطوراتها العمرانيّة وجيلها الشاب المنفتح على كافة أنواع الفنون، وأيضًا بقايا جيل التأسيس والريادة الذي بقي على حاله في تفاصيل الحياة الثقافية اللبنانية والعربيّة.

تتوزع الرواية على فصول منها: "معهن، المرة الأخيرة، طفولتك، ارتحالات، مدينة بطوابق عديدة، الكتاب الذي لم تؤلفه أبدًا" وعناوين أخرى. وتعرض شيئًا من سيرة خاطر مع المدينة. المدينة التي ارتبط به وارتبطت به، فصار اسمه رديفًا لها وصارت محجته وجزءًا لا يتجزّأ من الأسماء التي صنعتها. عاصر خاطر خلال ذلك مراحل بيروت وتحولاتها، كما واكب بعينه وقلمه تجارب مبدعيها تشكيلًا ومسرحًا وحتّى الأدب والشّعر، وذلك بعين الناقد المبتعد الذي لا يساوم ولا يدخل إلى النقد أي باب من أبواب الشخصنة أو المعرفة أو المهادنة.

هذه الشخصيّة والإرث الذي صنعته مقالات خاطر وشخصيته وتواجده الدائم في أوساط الثقافة وعوالمها وارتباطه أيضًا بالسّاحة الفرنسيّة واطلاعه عليها أدبًا ومسرحًا وتشكيلًا، سيما وأنه بدأ حياته كاتبًا بالفرنسيّة، للمفارقة، مكنته من إيجاد حيّز خاص نقل من خلاله الكتابة النقدية من مجرد متابعات صحفيّة وتغطيات إلى وثائق مرجعيّة تكاد تكون سندًا لكلّ داخل ومتعلّم في هذا المجال.

هكذا غدت هذه الكتابة بعيدة كلّ البعد عن التقريرية أو الصحفيّة، بل تعدّتها إلى كتابة فائقة النظرة والحساسيّة، خارجة عن مألوف الكتابة السّائدة وتؤسّس لعالم قائم على طرح الأسئلة ودوام البحث والتفتيش بينه وبين الفنان، وبينه وبين نفسه كمتلقي وكصاحب عين ناقدة وثاقبة.

لم يصدر لنزيه خاطر كتاب حتى الآن، على الرغم من مرور سنوات على رحيله، إن كان في النقد التشكيلي أو المسرحي، أو مجرّد كتاب أرشيفي لأعماله ومقالاته في النّهار

خاطر الحاصل على دكتوراه في فنون المسرح من السوربون عن أطروحته "المسرح اللبناني بين ثورتين (1958- 1975)، كان من المؤسسين الأوائل لصالات العروض الفنيّة في بيروت من أمثال "صالة أليكو" و"غاليري وان" التي تعاون على تأسيسها مع يوسف الخال وأيضًا هو أحد مؤسسي مسرح بيروت رفقة ليندا سنّو.

لم يصدر لخاطر كتاب حتى الآن، على الرغم من مرور سنوات على رحيله، إن كان في النقد التشكيلي أو المسرحي، أو مجرّد كتاب أرشيفي لأعماله ومقالاته في النّهار، يؤرخ فيه نقاشاته الفكرية التي تسلط الضوء على بيروت بتصارعاتها ووجوهها وحقبِها. هذا ما يدفعنا للسؤال عن إرث نزيه خاطر؟ عن مكان وجوده وإمكانيّة صدوره في كتاب أو مؤلّف؟