عن

عن "صُبيان" الورشات التلفزيونية في مصر

إعلاميان مصريان خلال مقابلة مع السيسي (Getty)

حينما تسمع بأسماء توفيق عكاشة، وأحمد موسى، وجابر القرموطي، وعمرو أديب، ولميس الحديدي، وحياة الدرديري ومصطفى بكري وأسماء أخرى تنشط في الحقل الإعلامي المصري قد لا يصيبك لوهلة أولى إلا إحساسان، إما حالة مغص شديد أو حالة من الضحك الهستيري.

قد يبدو ذلك من باب المبالغة والتهويل، ولكن إلقاء نظرة على مقاطع فيديو لهذه الأسماء قد يجعلك تقف على حقيقة تضحكك وتؤلمك في نفس الوقت ولا نملك إلا أن نحاول تقبلها. يجب أن نتقبّل في البداية أن هؤلاء هم قادة الإعلام والرأي العام اليوم في مصر التي قدّمت لنا أول محطة إذاعية عربية ووهبت لنا أسماء عريقة في الإعلام العربي طيلة عقود.

فمن يسمّون أنفسهم إعلاميين، هم في الواقع "صُبيان" ورشات تلفزيونية يملكها رجال أعمال يدهم بيد السّلطة السياسية وورشاتهم في خدمة هذه السلطة. ولذلك فالمشاهد المصري على موعد يومي مع حفلات متنوعة يختلف موضوعها كل يوم، فإما حفلة "ترديح" أو حفلة "تخوين" أو حفلة "دعاية غوبلزية"..

من يسمّون أنفسهم إعلاميين، هم في الواقع "صُبيان" ورشات تلفزيونية يملكها رجال أعمال يدهم بيد السّلطة السياسية وورشاتهم في خدمتها

هم يسمّون برامجهم "تالك شو" ولكن الأسلم تسميتها برامج استهبال واستبلاه واستغفال الشعب، فحينما تشاهد إحدى هذه البرامج والأداء القرموطي، نسبة لشخصية القرموطي السينمائية الكوميدية، لهذا "الصّبي" أو ذاك، تشعر أنك بصدد مشاهدة برنامج مقالب وفي النهاية سيظهر معدّ البرنامج من وراء الكاميرا ويقول لنا "نذيع أو لا نذيع".

وهذا ليس من باب المبالغة مرّة أخرى، فأحد "الصُّبيان" وهو توفيق عكاشة بات أيقونة للكوميديا في مصر تنافس مقاطعه على اليوتيوب مقاطع نجوم الكوميديا السينمائية. كما يراودك في بادئ الأمر حين مشاهدة "الكليشيهات" المكرّرة لأحمد موسى وهو يتّهم بصوت نعيق الغراب المقاومة الفلسطينية وحركة حماس بالإرهاب بل ويدعو الكيان الصهيوني لضربها، أنك بصدد برنامج تلفزيون واقع للاختبار والتحدّي لا أكثر. يراودك ذلك ولكن الحقيقة ليست كذلك. وأستذكر هنا مشهدًا للمبدع أحمد زكي في أحد أفلامه يقول فيه "عمرك شفت سفالة أكثر من كده؟".

هذه الوكسة، والوكسة أشدّ وقعًا من النّكسة، تشير أننا في مسرحية هزلية تضحكنا ظاهرًا في البداية غير أنها تبكينا باطنًا في النهاية. فهذه الأسماء الإعلامية تقود اليوم الرأي العام في مصر، تبثّ سمومها كل ليلة حينما تمارس دعارة بيع الضمير المهني بتجاوزهم للوقائع وتعسّفهم على الحقائق. وعليه لا التزام بأبسط معايير المهنية ولا احترام لمستلزمات الموضوعية والإنصاف. فهم خدم للسلطة الحاكمة يسبّحون بحمد الرّئيس الذي لا يعارضه إلا "الوسخين" أو "الإرهابيين"، هو "أصلًا يعني إيه تعارض الرئيس؟ فهذا غير معقول وممنوع وحرام.

ثم المقارن بين مواقف هؤلاء الإعلاميين أو "الصُّبيان" عفوًا مرّة أخرى، ما قبل الانقلاب العسكري وما بعده، يقول سبحان مغيّر الأحوال. فلن تجد إلا القول ونقيضه في نفس المسألة، والشيء وعكسه في نفس القضية، حتى أنه يكفي جمع لقطات لهم قبل الانقلاب وأخرى بعده، حتى ترى مسرحية كوميدية هي في الواقع كوميديا واقعية سوداء. لن يجد فريق إعداد برنامج سخرية مثل برنامج باسم يوسف، لو تواصل، صعوبة في البحث عن المادة الكوميدية بل هي متوفرة اليوم بشكل أكثر كثافة وأكثر سخرية من السابق. ثم أين هو اليوم باسم يوسف؟ يبدو أن هذا الطبيب الوسيم قد أدّى مهمّته من حيث يعلم أولا يعلم، ثم رُمي به حينما بات دمّه الخفيف بالأمس تهديدًا للأمن القومي وللوحدة الوطنية اليوم.

وهؤلاء "المطبلاتية" بالمناسبة لا يقدّمون خدماتهم باجتهاداتهم ومجهوداتهم الصّرفة، بل هم فعلًا بيادق صفّ أوّل أو واسطة تعمل بـ"الريمونت كونترول". فعلى سبيل المثال، أثبتت تسريبات المكالمات الهاتفية لمدير مكتب السيسي أنّه يوجّه دائمًا تعليماته للإعلاميين "الصُّبيان" للحديث عن مواضيع والتركيز فيها وإهمال أخرى أو تمرير موقف ما. ويظهر اسم يوسف الحسيني مقدّم برنامج "السادة المحترمون" في قناة أون تي في الخاصة، من بين هؤلاء الإعلاميين الذين يتلقون أوامر تحرّكهم من "الباشا الكبير"، فالإعلامي المأجور ليس إلا جنديا مأمورا.

في كلّ هذه "الزّيطة" أعود مرّة أخرى مستذكرًا مشهدًا لأحمد زكي في أحد أفلامه قال فيه "كلهم كذابين وعارفين إنهم بيكذبوا وعارفين إن الناس عارفة إنهم بيكذبوا ومع ذلك بيكذبوا". وهم هكذا بالضبط.

مأجورون وتيّاسون وخدم، يغالطون ويكذبون ليقوموا بالدور الموكول لهم على أحسن وجه بل هم يتنافسون في ذلك. إن رجال الأعمال أصحاب القنوات الخاصة يعني "المعلّـَمين" مع الإعلاميين "صُبيانهم" العاملين في الورشة "القناة التلفزيونية"، هم في خدمة العمدة "الريّس" من أجل ضمان بسط فتوتّه في الحارة "البلد". وعليه فليمارس أصحاب الدعارة دعارتهم كما يشاؤون فلا يهمّهم ولا يحرّكهم الحديث عن الشّرف المهني فهم غير معنيين به. وبالنهاية، نحن نشاهدهم ونحن ندخّن سيجارتنا ونقول "المسرحية دي هتخلص يا صُبيان وبكرا تشوفوا مصر بجدّ".