عن صفقة القرن والقاهرة الغارقة في الصمت

عن صفقة القرن والقاهرة الغارقة في الصمت

من مظاهرة في القاهرة تنديدًا بإعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل في 2017 (Getty)

جماهير تتأهب لحراكٍ قد يمتد إلى الجمعة في عمّان وتونس والجزائر والخرطوم، وحديث عن دعوات للإضرابات في الضفة الغربية وتصعيد في غزة، وعواصم أوروبية تستعد، ودول آسيوية تعلن الرفض. تحركات متوقّعة من الرافضين لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما أسماها "خطة السلام" والمعروفة إعلاميًا بـ"صفقة القرن".

تحركات متوقعة تنديدًا بصفقة القرن، إلا في مدينتي القاهرة، الغارقة في الصمت، فليست هناك توقُّعات بأي حراك فيها قريبًا

غليان شعبي في معظم العواصم والمدن، إلا مدينتي القاهرة، الغارقة في الصمت، فليست هناك توقُّعات بأي حراك فيها قريبًا. قاهرة جديدة، تنسلخ من ماضيها بكل تفاصيله. لا يغرّك تلك الدهانات الحديثة ذات اللون الموحَّد، أو هذه الطرق التي أُعيد تعبيدها وتهذيبها بما يتماشى مع خطة التطوير، فالأزمات الاقتصادية والضغوط النفسية سرقت من سكانها الروح، حتى باتت جسدًا بلا حياة. والقمع حوَّل القاهرة إلى مدينة خالية من الحراك، فحضرت المدينة وغاب شبابُها.

اقرأ/ي أيضًا: "صفعة القرن".. حربٌ لا سلام

جاكرتا 29 يناير 2020

من حيث أعيش حاليًا، كان يوم 29 كانون الثاني/يناير قد بدأ، ففارِق الخمس ساعات عن القاهرة أدخلني في يوم جديد مبكرًا. لم أتمكن من النوم، كنت أنتظر المؤتمر الصحفي لترامب الذي أعلن فيه بنود صفقة القرن. 

بدأت الأفكار والذكريات تتوالى عن تلك القاهرة القديمة التي كانت تضجّ بالحيوية، وتنتظرها الدول، لتعرف نبض الشارع العربي في العاصمة الأكبر من حيث عدد السكان، والأكثر تأثيرًا في القضية، مقر جامعة الدول العربية، ومفتاح الدخول لغزة، وقرار سحب سفيرها أو طرد السفير الصهيوني منها، له تأثير كبير في سياسة المنطقة.

لكن ذلك اختفى بعض الشيء، فباتت القاهرة خافتة الصوت، بلا جماعة إخوان تحشد، أو يسار يُصعِّد، أو قوميين بشعارات عن عروبة القدس. قاهرة يسجنها نظام سياسي يرفض أي حوار أو رأي أو حياة، يقبض على مَن يرفع علم فلسطين، ويخوِّن مَن ينادي بالقضية الفلسطينية، أو يتحدث عن الأزمات الداخلية. ففي القاهرة الحديث ممنوع؛ لا يحق لك الكلام إلا تمجيدًا في الزعيم، حتى هرب شبابُها خوفًا من تصفية أو اعتقال. وهكذا أصبح عدد من أبناء القاهرة منفيين ومطاردين، أو موتى أحياء، قتلهم الإحباط قبل الرصاص.

حالة من السقوط في كل شيء. أصبح أحمد أبو الغيط أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، وهو الذي كان إنجازه الأبرز قبل الإطاحة به من وزارة الخارجية المصرية عقب ثورة "25 يناير"، الترحيب بوزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، تسيبي ليفني، وذلك قبل ساعات من العدوان الإسرائيلي على غزة في 2008. أما المقابل فهو اعتقال السلطات المصرية لرامي شعث، منسق حركة المقاطعة "BDS" في مصر، على ذمة قضية سياسية معروفة باسم "خلية الأمل".

القاهرة 29 يناير 2020

غلبني النوم بعد رحلة الذكريات تلك. لكن قطعه اتصال هاتفي من صديقي محمد صلاح، عضو ائتلاف شباب الثورة سابقًا، يبلغني فيه باجتماع مبكر لشباب القوى السياسية سيُعقد في منطقة وسط البلد بالقاهرة، للتنسيق لفعاليات تشمل ثلاثة أيام، تنتهي في الجمعة بمسيرة ضخمة من الجامع الأزهر إلى ميدان التحرير.

وفي المواصلات توقفنا أمام مدرسة خرج طلابها يهتفون لفلسطين والقدس. لم يكن لديَّ حنين للاجتماع. لكن رغبتي في مقابلة الأصدقاء والنشطاء دفعني للذهاب مبكرًا. وفي شقة قديمة بشارع محمود بسيوني، كان هناك اجتماع لبعض شباب القوى السياسية. 

الجميع هنا. لم أحاول التفكير في كيفية تجمع كل هؤلاء مرة أخرى: خالد السيد، ومحمد عباس، ومحمد القصاص، وإسلام لطفي، وحسام مؤنس، وعلي خفاجي، وزياد العليمي، ورامي شعث، وغيرهم، ممثلين لكل التيارات السياسية الشبابية من إسلاميين ويسار وليبراليين.

انتهى الاجتماع وتحركنا للمقهى، وتحدثنا عن الغد. بدأ حسن البنا في تحليل الموقف، وهو يضع، كعادته، قدمًا فوق الأخرى ويشرب القهوة. انضم لنا محمد الجبة، فيما مرَّ علينا محمد عادل ليخبرنا بأنه سيقوم غدًا بحملة قرصنة على بعض المواقع الإسرائيلية. ينتهي اليوم وقد ملأه أمل جديد بتحركات جماهيرية لرفض صفقة القرن.

القاهرة 30 يناير 2020

عصر يوم الخميس، هناك مظاهرة ضخمة عند نقابتي الصحفيين والمحامين، وأخرى أمام نقابة الأطباء. أغلب الطرقات والمداخل أُغلقت. عشرات المحتجين يتجمعون في شارع رمسيس. بعض الشخصيات العامة بدأت في التوافد، من أبرزهم المستشار هشام جنينة والمستشار محمود الخضيري وعلاء عبد الفتاح وعائلته، والدكتور محمد البلتاجي، وغيرهم.

فجأة يظهر كمال خليل، مطلقًا هتافه الشهير: "علشان نحرر القدس.. لازم نحرر مصر". يتجمع المئات حوله، والأمن يحاول منعهم، فيقفز أحمد دومة من الجانب الآخر رافعًا رأسه بطريقته المعتادة، ويهتف هو الآخر. تبدأ المظاهرة، الجميع هنا، لا أصدق كيف تجمّعنا وكيف وصلنا للقاهرة!

حسام الصياد يلتقط الصور، وسولافة مجدي تنقل بثًا مباشرًا عبر هاتفها، وإسراء عبد الفتاح تنشر الصور من الوقفة، وهشام فؤاد يتحدث في هاتفه المحمول للاطمئنان على مسيرة عمال المحلة، ومعتز ودنان يتحدث عن مظاهرة بالآلاف في الإسكندرية، تقودها ماهينور المصري في الشوارع الصغيرة. أتصفح فيسبوك، أجد الزميل الصحفي حسام الوكيل قد نشر بعض الصور من مسيرة القائد إبراهيم، كان من بينها صورة لجعفر الزعفراني وهو يرفع لافتة ضد الصفقة.

الأخبار تنهال: عمرو خطاب، عضو اتحاد طلاب هندسة جامعة عين شمس، يكتب منشورًا على فيسبوك حول مسيرة كبيرة يشترك فيها طلاب من جامعات القاهرة والأزهر وعين شمس وحلوان، تخرج من حرم جامعة القاهرة في اتجاه ميدان التحرير، والأمن يحاول منعها. الحشود تتصاعد، وتهديدات بالاعتصام. لكن الأمن يبدأ في فض المظاهرة وإطلاق الغاز، حتى أسقط على الأرض.

جاكرتا 29 يناير 2020

لم أشعر بشيء بعد السقوط، إلا تلك الأصوات لبعض الباعة ينادون بكلمات غير معتادة، ووالدتي تتصل، فتتحدث لي وكأني بعيد عنها. أفتح عينيّ لأعود للواقع. لا زلتُ في جاكرتا، ولم يكن هذا إلا مجرد حلم، أو بالأحرى استعادة لواقع لم يعد موجودًا. 

كل مَن رأيتهم بين معتقل ومطارد ومنفيّ:  سولافة وإسراء وصلاح والصياد وحسن ومحمد عادل ومؤنس وزياد والقصاص ودومة ومعتز في السجون. وعباس وأنا وعمرو خطاب وخالد السيد، في المنفى.

القاهرة غارقة في السكوت، وصفقة القرن ستمر، ونحن الجيل الذي سيُكتب عنه أن فلسطين ضاعت منه كاملة

هذا هو الواقع الآن: القاهرة غارقة في الصمت، وصفقة القرن ستمر، ونحن الجيل الذي سيُكتب عنه أن فلسطين ضاعت منه كاملة، إلا إذا شاء الله غير ذلك!

 

اقرأ/ي أيضًا:

"صفاقة القرن".. غضب عربي من خطة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية

فلسطين في الملعب المصري.. تضامن "فريد" مع الصحفي معاذ عمارنة