عن شكران مرتجى.. العمى في البصيرة والضمير

عن شكران مرتجى.. العمى في البصيرة والضمير

شكران مرتجي (يوتيوب)

في برنامج "المشهدية" على قناة الميادين، بدت الفنانة الفلسطينية – السورية شكران مرتجى مسكونة بإظهار ولائها التام لسوريا الأسد إلى درجة هوس المحب، ذلك الذي يرى في نقد محبوبه وجيشه وعلم بلاده ونشيده الوطني مجموعةً من الخطوط الحمراء أو الخطايا التي لا يمكن التسامح مع محمولاتها السلبية، كما لا يمكن السكوت عن المجدفين بانتهاك حرماتها المقدسة.

الغائب الحقيقي عن ذهن شكران مرتجى في فهمها للوطن هو الوطن ذاته

في بحثنا عن هوس شكران المرضي بالوطن الأسدي نجد تفسيره في الهواجس، هاجس الخوف من خسارة الأمكنة التي تصرّ على رفعها إلى مستوى الأوطان دون أن تكون مستحقة لذلك. فسوريا الأسد في عرف مرتجى اللاجئة الفلسطينية مكان بمنزلة وطن، الأمر الذي يترتّب على خسارتها له معاقرة تجربة العيش في اللامكان مرة أخرى، مع كل ما يصاحب ذلك الطرد أو النفي من تخفيض لمستوى الوجود البشري للشخص اللاجئ إلى مستوى الجائع الذي يصارع من أجل البقاء.

اقرأ/ي أيضًا: بسام كوسا يساجل النقيب زهير رمضان بالمطرقة

تستطيع شكران أن تفاخر بخلاصها من لعنة المنفى التي لازمتها طيلة الفترة التي سبقت حصولها على جنسيتها السورية عام 2012، وأنها نجحت باستبدال سوريا الوطن بسوريا المنفى، حيث تم الاعتراف بها مجدّدًا كعضو في جماعة المواطنين التي لها ما لهم وعليها ما عليهم، في العمل والإقامة والتملك وجواز السفر وغيرها من الامتيازات، الأمر الذي لم تبخل أن تقابله بامتنان كبير يصل لحد التذلل.

يقع يقين مرتجى في الخلاص من المنفى عبر الجنسية في مجال الشك، ذلك أن العيش في دولة على شاكلة دولة الأسد لا يضمن للمرء اللاجئ الانتقال من رقبة القيود وإكراهاتها إلى فضاء الحرية، حيث الوطن في الحالة الأسدية يكاد لا يتعدى مرتبة الحمى القبلي، الذي لا يضمن لأفراده أكثر من إمكانية استمرارهم بالبقاء على قيد الحياة مقابل طاعتهم التامة لولي نعمتهم، الأمر الذي يشف عنه المغزى العميق لقول خانعي الأسد: "شو بدنا بالشغلة (يقصدون التمرد على السلطة ) ما هينا عايشين وعين الله علينا". الناس في هذا الحمى الذي تنشده شكران ليسوا أكثر من موالين لحاكم يتفضل عليهم بالمكرمات والهبات، أو متمردين على نعمته يمطرهم باللعنات والعقوبات، فإما أن يقبلوا الموت في سبيل هذا الحمى العبوديّ فيكتبون من الشهداء والصديقين، أو أن يموتموا في سبيل التمرد على حاكمه ليكتبوا في سجل الخونة والأبالسة.

الغائب الحقيقي عن ذهن السيدة مرتجى في فهمها للوطن هو الوطن ذاته، من حيث كونه عقدًا اجتماعيًا بين حاكم ومحكوم، أي بين مواطنين وحسب، حيث الأسد ومرتجى على مستوى وجودي واحد، من الإرداة الحرة لكليهما. فأن تكون صاحب وطن وعضوًا فيه، يعني أن تكون صاحب كرامة، أي صاحب إرادة حرة في اختيار الشخص أو الأشخاص الذين ستوكل لهم مهمة إدارة شؤون المجتمع العامة الذي تحيا فيها، كما صاحب إدراة حرة في محاسبتهم عندما يفشلون في أداء المهام التي تنطحوا للقيام بها. فشتان بين مرتجى المواطنة التي تمتلك كل الجرأة في مساءلة حاكمها الذي ينعم بالدفء والضوء، بينما هي تعاني من وطأة العتمة والبرد، وبين مرتجى التي تتذلل لولي نعمتها في القصر الجمهوري بأن ينظر في أمر البرد والظلام، اللذين يفسدان عليها وعلى أمثالها عظمة شعورها بالنصر المؤزر الذي حققه جيش سيادته على المتمردين من أبناء جلدتها الإرهابيين، دون أن تجرؤ على مسائلته عن أي نصر؟ وعن أي ثمن دفعه الناس في سبيل تحقيق ذلك النصر؟

في اصطفافها الغريزي مع إقطاعية آل الأسد لا تحفل شكران كثيرًا بنوع السلطة، التي تجعل من الدولة (أرض ـ شعب ـ سلطة)، إما وطنًا تحصلت عليه عبر الإرداة الحرة لمجموع الناخبين، أو حمى إقطاعيًّا لشخص تحصل عليه عن الطريق الغزو، سواء كان غزوًا قبليًا أو انقلابًا عسكريًا ذا صبغة إيدلوجية، ذلك أن كل همها منصب على فكرة جواز السفر الذي يحدد الفرق بين اللاجئ والمواطن، دون أن يخطر على بالها أن الجميع، لاجئين ومواطنين، محتجزون في مملكة العبودية الأسدية التي لا تفضي إلى حق، ولا كرامة أو وطن أو معبر.. ولا هم يحزنون.

يتساءل المرء عن سرّ العمى الذي يسم ضمير شكران مرتجى، الذي يمكنها من رؤية اللاجئ وآلامه ويعجز عن رؤية الجهة التي تسبّبت له بهذه الآلام

يتساءل المرء عن سرّ العمى الذي يسم ضمير مرتجى، الذي يمكنها من رؤية اللاجئ وآلامه ويعجز عن رؤية الجهة التي تسبّبت له بهذه الآلام، الأمر الذي لا يمكن فهمه إلا بالنظر إلى مرتجى كضحية من ضحايا "الثقافة الجماهيرية" التي كشفت عنها المفكرة حنا آرنت في معرض دراستها للأنظمة الشمولية القائمة على عقيدة الحزب الواحد، تلك العقيدة التي تختلق الأكاذيب وتدفع الناس لتصديقها وتبنيها كما لو كانت حقائق وجودية، تحت طائلة العنف المحاق لكل من يشكك بسرديتها عن الحقيقة والحق رغم لا معقوليتها الفاضحة.

اقرأ/ي أيضًا: المفتي حسون.. تعالوا إلى ذلكم!

ضمن هذا السياق، نفهم سر احتفالية شكران مرتجى بالنصرالأسدي على الرغم من كونه جريمة إبادة جماعية كاملة الأركان، كما يجعلنا نفهم تنزيهها للأسد عن التسبب بآلامها وآلام مناصريه في البرد والعتمة ونقص حليب الأطفال والبؤس العام، ورمي مسؤولية ذلك القبح كله على أناس آخرين في السلم السلطوي، رغم أنه الفاعل الأوحد في مملكته القائمة على النهب وإهدار الحياة والكرامة الشخصية لكل من قدر له العيش في كنفه العبودي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الرئيس الذي لا يمرض

صورة حسن نصر الله في الصراع الطبقي