عن سليمان منصور: البراءة والمخيم والحب
4 سبتمبر 2026
سأتحدث عن صفة في شخصية الفنان الراحل سليمان منصور لا ينتبه لها أحد، أو لا يركز عليها واصفو سليمان ومحللو شخصيته ولوحاته ومكانته، ولا يربطون بينها وبين هوية لوحته وحميميتها وقربها من القلب. قيل وسيقال، كُتب وسيُكتب كثيرًا عن عبقرية سليمان في اكتشاف الأصالة المكانية والعاطفية والمشاعرية الفلسطينية، وعكسها في لوحاته بذكاء تشكيلي استثنائي، وعن قدرة يده الخبيرة، طيبة القلب، على منح اللوحة زخمًا معرفيًا عاطفيًا رهيبًا من البساطة والحميمية والجمال، واضحًا ومؤثرًا، وعن ذكائه في التركيز على أعمدة أرضنا من حنطة وماء وأمكنتنا وطعامنا وحقولنا، وعن مفاصل وعينا ومفترقات وتحولات حياتنا.
يستطيع أي باحث أو ناقد للمشهد التشكيلي الفلسطيني الحديث عن ثيمة بساطة لوحة منصور، وفي ذات اللحظة عن تعقيدات تفاصيل ربطها بجبل أو وجه فلاح أو سنبلة تنهض. الصفة التي أريد أن أتحدث عنها هي براءة غير معقولة تشبه براءة الأطفال. سليمان أحد أهم الشخصيات الفلسطينية المبدعة الكثيرة التي رصدتُ فيها هذه الصفة، وهي محببة لي وتدخل ضمن معاييري في تقييمي لكتابات أو لوحات هذه الشخصيات المتفق على أنها مبدعة، لكني أراها بعيون مفتوحة على وسعها، فأكتشف تلك العلاقة الزرقاء بين البراءة والإبداع.
لا أستطيع أن أقرأ لكاتب لئيم أو منافق أو حاقد أو رخيص ومتسلق، حتى لو كان عبقريًا ومبدعًا في إنتاجه. أنا من مهووسي لوحات سليمان. في كل حصة كتابة مع طلاب مدرسة فلسطينية ما، كنت أدخل إلى القاعة ومعي مجلد القصص القصيرة لغسان كنفاني، وديوان أو قصيدة لمحمود درويش، ولوحة لسليمان. ولوحات سليمان، كما نعرف جميعًا، هي قصص فلسطينية جاهزة تقريبًا ضلّت طريقها إلى الفن التشكيلي، لدرجة أني أطلقت عليه يومًا "كاتب قصة تشكيلي". في كل لوحة هناك مكان وناس وحقول وشجر وأرض وسماء، وكان من السهل أن أدرّب طلابي على اكتشاف العلاقات والعناصر بين هذه الأشياء، وابتكار قصة قصيرة أو قصيدة.
كان سليمان بالفعل عاديًا مثلنا، لكنه من النوع العادي العبقري الذي كان يدين نفسه، وأحيانًا كان يسخر منها. كان حقيقيًا وطازجًا مثل مطر مخيم الجلزون الخفيف في ذلك الصباح الذي لن أنساه
سليمان منصور طبيعي مثل الماء، طفل متلعثم، لكنه صريح مثل زلزال، لا يعرف الكذب أو تلميع الإجابات أو تلبيس الجملة ثيابًا مزركشة. في أمسية تكريمه الأخيرة في متحف محمود درويش، كان يجيب عن أسئلة ثقيلة ثقافيًا بعفوية رجل لا يعرف أنه عملاق. لم يكن يحب عبارات ومصطلحات المثقفين الضخمة والمدوية التي يبحثون عنها للإبهار، ولم يكن يفكر في إبهار أحد، بل كان يفكر فقط كيف سينهي هذه اللوحة. كان متفقًا مع نفسه على أن يقول الحقيقة حتى لو كانت معقدة أو فاضحة، بأقل البريق الخارجي وأقل الكلمات. أحيانًا كنت أتوقع، من فرط صدقه وشفافيته، أن يصرخ فينا بالمتحف ونحن بالمئات نجلس أمامه محبين ومسحورين:
"ولكم شو في؟ أنا مش لهاي الدرجة مهم، شو عامل أنا يعني؟ خلقة رسمات بخربشها، أنا عادي عادي".
وكان سليمان بالفعل عاديًا مثلنا، لكنه من النوع العادي العبقري الذي كان يدين نفسه، وأحيانًا كان يسخر منها. كان حقيقيًا وطازجًا مثل مطر مخيم الجلزون الخفيف في ذلك الصباح الذي لن أنساه، ومثل أطفال المدارس في المخيم الذين سأحكي الآن قصته معهم، كما رأيتها أمامي بكامل غيومها وشمسها.
يا لهذا الموقف الذي رأيت فيه الفنان الراحل! لن أنساه أبدًا، موقف قرّبني منه ومن شخصيته التي لم أكن أعرفها.
حدث هذا أواخر التسعينيات، كنت في المخيم، داخله تمامًا قرب دوار المقاهي، متجهًا نحو مطعم سميح لأشتري صحن فول. كانت الدنيا صباحًا، تتهيأ لمطر، والساعة بحدود السابعة. طلاب المدارس متجمعون بصخب حول رجل طويل ووسيم، ومعه رجلان وامرأة وطفلان. كانت السيارة التي كانوا فيها قد تعطّلت قرب الجامع على الشارع الرئيسي الذي يربط جفنا بالمخيم. استعان سليمان بميكانيكي من المخيم، وجلس يرتاح في مقهى (مغيرة) مع ضيوفه المبتسمين الذين عرفت فيما بعد أنهم من حيفا، وفيما بعد عرفت أن أحد هذين الرجلين هو الكاتب سليمان ناطور.
كان مشهدًا مفاجئًا لرتابة المخيم وابتذال صباحاته، ناعمًا ملائكيًا مثل نهر سهران مع سرب سمك، كأنه لوحة رسمها سليمان لنفسه مع طلاب مدارس عابرين. هكذا تخيلت اللوحة: سيارة متوقفة ينحني على عجلاتها ميكانيكي، مسنون يجلسون بهدوء في المقهى، مطر يسقط على زينكو المقهى، وتسيل القطرات قرب أقدام الفنان والضيوف، وتبلل ظهور التلاميذ الذين فاضوا عن التجمع. مغيرة، صاحب المقهى، يحمل بمرح صينية نحاسية عليها خمسة فناجين قهوة. الرجلان وسليمان والطفلان والمرأة يجلسون على كراسي قش، يتحلق حولهم تلاميذ مدارس، كل منهم يمد لسليمان دفتره ليرسم له رسمة يريدها. لم أعرف كيف عرفوا أن سليمان رسام، لكني استنتجت أنه سألهم عن حصة الرسم، فعرفوا من خلال الحديث أنه رسام.
رسم سليمان عشرات الرسومات لتلاميذ كانوا يركضون ملوّحين بالدفاتر تحت المطر. ابتسمنا طويلًا أنا وابن عم لي، كان يقف بجانبي حاملًا صحن فول ضخم. قلت له:
"سيكبر هؤلاء يا جمال وسيعرفون أن عظيمًا، رسامًا مشهورًا من بلادهم، رسم لهم تلك الرسومات، هل سيحتفظون بها؟"
سنوات طويلة مضت. قبل سنتين فقط، ذكّرني شاب من المخيم بالمشهد الساحر. سألته: هل كنت هناك؟ قال: بل كنت أحد هؤلاء التلاميذ. أحقًا ما تقول؟ يا الله، هل كنت ممن رسم لهم سليمان؟ قال: نعم، لكن الرسمة للأسف ضاعت في حريق تسببت به قنابل صوت للمحتلين داخل غرفة نومي قبل سنوات. ماذا رسم لك الفنان؟ قال: طفل يركض تحت المطر. هل تعرف تلاميذ آخرين رسم لهم سليمان ذلك الصباح؟ قال: نعم أعرف يا أستاذ، وهم أصدقائي المقربون. أحدهم استشهد في الانتفاضة الثانية، رسم له الفنان غيمة كبيرة داخلها شجرة. وهناك آخر مات بسرطان الدم في عمان، كانت رسمته وجهًا ضاحكًا. وآخر هاجر إلى السويد مع عائلته، كانت رسمته شجرة زيتون يتسلقها فلاح. هل تتوقع أن الرسومات ما زالت موجودة في بيوتهم؟ قال: للأسف لا، احتفظ بها المدرس في ذلك اليوم. أنا الوحيد الذي احتفظت برسمتي، كذبت على الأستاذ وقلت له إن رسمتي ضاعت. هل المدرس موجود؟ قال: توفي بحادث سير قبل أربعة أعوام تقريبًا. ماذا عن التلاميذ الآخرين؟ لا أتذكرهم والله يا أستاذ.
في لقاء سريع على إشارة ضوئية بطيئة، ناديت على سليمان قبل سنوات:
"سلامًا يا معلم، هل تذكر تعطل السيارة في الجلزون والتلاميذ والمطر والرسومات ذات مطر بعيد؟»
هز رأسه، فكر قليلًا، ثم قال: "آه آه، وضحك: شو عرفك يا زياد؟ هل كنت واحدًا من التلاميذ؟"، قلت: "لا، لا، كنت واحدًا ممن شاهد اللوحة". قال: "أية لوحة؟"، أجبته، لكنه لم يسمعني، فقد ابتلعت الإشارة الخضراء اللحظة، وأخفت صوتي داخلها.