عن دور النشر وكتبها المترجمة

عن دور النشر وكتبها المترجمة

كتاب، وكتب (Getty)

تضيف الترجمة الكثير إلى اللغة المُترجم إليّها، وتساهم في تعريف الشعوب ببعضها البعض، وتعرفنا بالثقافات المختلفة المكتوبة بلغات غريبة وبعيدة عنّا. وهذا الفعل يقوم به المترجمون منذ وقت طويل وهو ما ساهم في رفع عجلة التطور والعلوم بمختلف أنواعها بشكل كبير.

تساهم الترجمة في تعريف الشعوب ببعضها البعض، وتعرفنا بالثقافات المختلفة رغم حاجز اللغات 

الترجمة إلى اللغة العربيّة هي جزء من هذه الحركة العالميّة، ولا يسعنا إنكار أنّنا تعرفنا على الأدب الروسي والسوفيتي وأدب أمريكا اللاتينيّة والأدب الأوروبي من خلال الترجمات. كما تعرفنا على الأساطير القديمة والعلوم القادمة من زمن ساحق من خلال ترجماتها العربيّة. فضلًا عن تعرّفنا على الكثير من العلماء والفلاسفة من خلال ترجمات كتبهم، كلّ هذا على الرغم من ضعف الترجمة إلى اللغة العربيّة مقارنة بلغات أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: شوارع هذا الكوكب

لكننا أحيانًا لا نستطيع إلّا أن نتوقف عند بعض هذه الترجمات، لرداءتها. هذه الكتب تدفعنا للتساؤل عن السبب الذي دفع بالناشر إلى نشر هذا الكتاب المليء بالأخطاء اللغويّة والقواعديّة والتحريريّة، خاصة في كتب الفلسفة، تلك التي تحتاج إلى تركيز أكبر أثناء القراءة. أخطاء تدفع إلى الجنون أحيانًا. فما الذي فات المترجم والمنضّد والناشر حينما قرروا مثلًا كتابة كلمة "مقاربة" على الشكل التالي: مقاربت*. 

هذا ليس الخطأ الوحيد في هذا الكتاب، كتاب "معجم ميرلوبونتي" تأليف باسكال ديبون وترجمة شادي رباح نصر من نشر دار النايا، الطبعة الأولى 2014. الكتاب هذا مليء بالأخطاء مما يؤدي بك للسؤال عن تمكن المترجم من اللغة العربية، وعن قراءة الناشر، أو لجنة القراءة في دار النشر، للكتاب قبل نشره وعن دور المدقق اللغوي، وعن عمل المحرر، المهنة النادرة في البلاد العربية. والسؤال أصلًا هو الغرض من نشر كتاب مليء بالأخطاء. وكي لا يحسبني البعض بآنّني أتجنى على الكتاب، هاك عزيزي القارئ مقطعًا من الكتاب أنقله حرفياً دون أي مساس مني، والحكم لك: "ومن زاوية المظهر الداخلي يمكننا أن نؤكد بأن الشكل ليس شيئًا فهو واقع فيزيائي هنا أي أنه كينونة في الطبيعة المرماة في الفضاء فهو يتراءة في معناه بأنه موجود في الوعي أذ أن الشكل هو واقع محسوس"**، بالطبع علامات الترقيم كذلك هي شيء غير موجود في اللغة العربيّة المعاصرة. لماذا؟ لا أدري.

أعزائي الناشرين، انشروا لنا كتابًا جيدًا في السنة أفضل من أن تنشروا لنا مائة كتاب لا تُقرأ

كتاب عالمة الاجتماع السياسي الأمريكيّة الألمانيّة حنّة أرندت "في العنف"، ترجمة إبراهيم العريس الطبعة الثانية 2015 الصادر عن "دار الساقي"، وهي دار عريقة ومعظم إصداراتها على جودة عاليّة، بغض النظر عن المحتوى الذي يختلف عليه البشر. في هذا الكتاب يُطلب منّا في الهوامش مراجعة الملاحق الثمانية عشر في آخر الكتاب، إلا أنّنا لا نجد إلا ثلاثة عشر ملحقًا. والسؤال هنا عن مهنيّة الدار واحترامها لعقول قرائها.

اقرأ/ي أيضًا: الالتفات إلى ألم الآخرين

على كل حال أخطاء كهذه توجد في معظم الكتب العربيّة، أخطاء إملائيّة، أخطاء طباعيّة، أخطاء نحويّة، أوراق تتساقط أثناء تصفح الكتاب، طباعة رديئة، ومن ثم نُتهم، نحن القُراء، بأنّنا لا نقرأ وبأنّ طباعة ونشر الكتب هي تجارة خاسرة. ألا يجدر بالناشرين قبل أن يقولوا هذا أن يحترموا القراء وأن يقدموا لهم خدمة جيدة، أي كتابًا جيدًا على سويّة عاليّة. ما الذي سيدفع بالقارئ العربي إلى دفع مبلغ من المال، هو كثير عليه بكل الأحوال، لقاء كتاب سيئ؟

أعزائي الناشرين، انشروا لنا كتابًا واحدًا في السنة، على سويّة لا بأس بها، فذلك أفضل من أن تنشروا لنا مئة كتاب لا نستطيع قراءة صفحتين منها.


هوامش

* صفحة 112  كتاب "معجم ميرلوبونتي" تأليف باسكال ديبون وترجمة شادي رباح نصر، دار النايا الطبعة الأولى 2014.

** صفحة 286 من الكتاب السابق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رسالة حب.. ليست الأولى

لا أُريدات