عن تطبيع البرهان كفرصة أمام الانتفاضة السودانية

عن تطبيع البرهان كفرصة أمام الانتفاضة السودانية

صورة لمحتجين في الخرطوم يتظاهرون ضد التطبيع مع إسرائيل ويطالبون بإسقاط البرهان (الأناضول)

مع اللقاء بين رئيس المجلس السيادي السوداني، العسكري المدان بالوقوف وراء مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، عبد الفتاح البرهان، وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بدا أن يوتوبيا الإمارات ومحور "الاعتدال" العربي قد أُنجزت، أو أُنجز على الأقل شطر كبير منها، مع رفع الستار عن فصل جديد من فصول التطبيع برعاية أبوظبي والرياض والقاهرة. لكن وككل مأساة، فإن ما حدث يشكل فرصة لإدراك ما يجري على الأرض فعلًا، وفهم الواقع والإمكانيات الحقيقية لتغييره.

 ثمة جديد في النزعة الأخيرة للتطبيع السوداني، يتماشى مع نمط من التطبيع العربي، تنتهي بموجبه حقبة "علاقات الأمر الواقع" السرية، وتبدأ حقبة جديدة من التساوق لا مع إسرائيل كقوة أمر واقع، ولكن مع السردية الصهيونية كاملة

لم يكن ما حدث قطعًا مع مسار أوشك أن يصل بالنظام السوداني البائد إلى أحضان تل أبيب، قبل أن "ينتبه" المخلوع البشير بفظنة متأخرة جدًا، أن بوابة نتنياهو ليست واسعة بما يكفي من أجل وقف الابتزاز الأمريكي، فراح إلى أحضان النظام الدموي في دمشق، برعاية مشتركة إماراتية روسية. لكن ثمة جديد بالتأكيد في النزعة الأخيرة للتطبيع السوداني، يتماشى مع نمط جديد من التطبيع العربي مع إسرائيل، تنتهي بموجبه حقبة "علاقات الأمر الواقع" السرية، وتبدأ حقبة جديدة من التساوق لا مع إسرائيل كقوة أمر واقع، ولكن مع السردية الصهيونية كاملة.

اقرأ/ي أيضًا: تجريب التطبيع ومتلازمة الكلب الضال

من الاستسهال تحليل خطوة البرهان، باعتبارها فقط محاولة استجداء بائسة لنزع العقوبات الأمريكية عن الخرطوم، فالرجل العسكري لا يبدو الأكثر حرصًا على الوضع الاقتصادي في البلاد، ويبدو على العكس مستفيدًا من تعثر "حكومة التكنوقراط"، ومن إلقاء اللوم على الشق المدني فيها. قد يصح ربما القول إنه يحاول اكتساب شرعية دولية، كجهة عسكرية لا كدولة، لكن هذا أيضًا لا يكفي لتحليل كل المسار.

لعل ما يثبت الأمر، هو تبجح البرهان نفسه، ودفاعه عن اللقاء بحجة الدفاع عن "مصالح البلاد" و"مصلحة المواطن"، حيث بدا معنيًا بتشريع الخطوة بذاتها، لا باعتبارها استثناء لا بد منه. وهو ما يشبه إلى حد كبير خطاب السعودية والإمارات، وتقاربهم الأيدولوجي مع اليمين الإسرائيلي، ومع لوبيات إنجيلية داعمة لإسرائيل.

تفضي خطوة البرهان إلى قلق حقيقي بشأن مسار الانتقال الديمقراطي في السودان، خاصة مع مراقبة ردود فعل الحكومة الانتقالية، وحتى قوى الحرية والتغيير التي تشكل الشق المدني من تلك الحكومة، حيث لم يرد في بيانها لفظ التطبيع نهائيًا، وتركز احتجاجها على اللقاء باعتباره انتهاكًا للبروتوكول الحاكم لسلوك الحكومة، والذي يمنح صلاحية السياسة الخارجية في البلاد للشق المدني لا للعسكري. أما الأسوأ فالاحتجاج على التصرف في "العلاقة مع إسرائيل" بطريقة أحادية، والتأكيد أن الملف يُحكم فيه من خلال المؤسسات التي تمثل الشعب السوداني.

غاب عن بيان "قحت" أي موقف مبدئي رافض للعلاقة مع إسرائيل كليًا، بينما ثمن رئيس الحكومة حمدوك "بيان" البرهان، كأن المشكلة كانت في عدم الإفصاح عن اللقاء لا في اللقاء نفسه. غير أن ما أنقذ الموقف ربما، هو البيان المتأخر لتجمع المهنيين السودانيين، الذي تضمن أخيرًا موقفًا أخلاقيًا رافضًا للتطبيع. وهو على أية حال، بيان يفتح التساؤلات عن الدور الحقيقي للتجمع، الممثل الأول والأهم للانتفاضة السودانية، في المؤسسة التمثيلية التي يُفترض أنها تعبر عن التطلعات بالانتقال الديمقراطي، أي الحكومة الانتقالية.

اقرأ/ي أيضًا: الجيش السوداني يؤيد لقاء البرهان-نتنياهو.. والحكومة: "خرق للوثيقة الدستورية"

على العموم، فإن ما حدث على سوئه، يجعل الاصطفاف واضحًا، في السودان وفي الوطن العربي ربما. فمن قتل المتظاهرين العزل في اعتصامات الخرطوم ومدن سودانية أخرى، هو نفسه من يطبع مع إسرائيل، ويبحث عن جهات غير آبهة بحقوق الإنسان ليكتسب شرعية منها. ومن جهة أخرى، فمن مول نظام البشير البائد في أبوظبي والرياض، كما توضح تفاصيل محاكمة البشير نفسه، هو من ينقلب على القضية الفلسطينية ويرعى موجات التطبيع الجديدة، ويصبح "محجًا" لنخب المجلس العسكري. كما أن نظامًا يستخدم فلسطين كحيلة خطابية لقمع شعبه، كما فعل البشير، ستنتهي به الحال في أحضان من يستعمرها، أو من يقتل أبناءها، ويؤسس فروع مخابرات باسمها.

على أساس هذا النوع من الاستقطاب، لا بد من إعادة بناء شرعية الانتفاضة في السودان. وهنا لا بد من استعادة فلسطين، لا كصورة من زمن الاستبداد القديم، ومن خطب الديكتاتور البائد، ولكن كقضية جامعة، وكأساس للمطالبة بالتغيير وبالتوق إلى الديمقراطية. أما الخلاصة الأوضح، التي يبقى الأمل دائمًا بأن المنتفضين في السودان على إدراك كامل بها، أن التطلع إلى الديمقراطية لا يمكن أن يكون حقيقيًا، مع اتخاذه مسارًا بائسًا للتطبيع مع الإجرام الإسرائيلي، كما أنه درس لنا كعرب أولًا وأخيرًا، أن التطلع إلى فلسطين، لا إلى مجازها، لا بد أن يكون ديمقراطيًا أولًا.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

اتّفقا على التعاون وتطبيع العلاقات.. البرهان يلتقي نتنياهو بأوغندا

عزمي بشارة: من يريد حكم السودان بغطاء إسرائيلي لا يمكن أن يكون ديمقراطيًا