عن الهدنة التي أربكت اللبنانيين وتركتهم بلا إجابات
4 مايو 2026
في باحة إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء في منطقة الأونيسكو في وسط بيروت، وُضع مكبر للصوت يبثّ أغنيات احتفالية، فيما كان الأطفال يلعبون ويشاركون بنشاط نظمته إحدى الجمعيات، بينما انشغل الراشدون بجمع حاجياتهم وتوضيبها استعدادًا للعودة إلى قراهم في الجنوب أو في الضاحية الجنوبية.
كان المشهد أشبه بحفلات المدارس نهاية العام، حيث يكون التلامذة فرحين ومتحمسين لاستقبال العطلة الصيفية، لكن فرح الأطفال في حالتنا مختلف، ربما هم يريدون العودة إلى منازلهم مرة أخرى، وربما، بسبب صغر سنّهم، لا يعون تمام ما يدور في هذا العالم.
لا يفهم اللبنانيون ماهية الهدنة التي يتم التداول بها، كما لم يفهموا طبيعة الهدنة السابقة، مع غياب التوضيحات من أي جهة رسمية أو حزبية
استعداد النازحين لترك المدرسة صباحًا، كان بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد الهدنة بين لبنان وإسرائيل لـ21 يومًا إضافية، بعدما كان قد أُعلن عن هدنة أولى في الـ17 من نيسان/أبريل لمدة عشرة أيام.
هدنة غامضة تربك اللبنانيين وتتركهم بلا إجابات
لا يفهم اللبنانيون اليوم ماهية الهدنة التي يتم التداول بها والتي ستنتهي بعد أسبوعين تقريبًا، كما لم يفهموا طبيعة الهدنة الأولى، فيما لا تقوم أي جهة رسمية أو حزبية بتوضيح الأمور لهم.
في حديث مع ألترا صوت، يقول "أبو حسن" إنه ترك مركز الإيواء في منطقة عاليه، واتجه مع عائلته نحو قريته في قضاء صور جنوبي لبنان، فور سريان هدنة وقف إطلاق النار الأولى، إذ احتاجوا لأكثر من خمس ساعات لعبور منطقة القاسمية حيث الجسر المدمّر، من أصل ثماني ساعات هي مدة العودة الإجمالية.
يقول أبو حسن إن الاحتجاز القسري داخل السيارات لساعات طويلة بات حالة اعتيادية، عانوا منها في حرب 2024 وفي اليوم الأول من الحرب الحالية وعانى منها اليوم، مع ما يرافقها من تعب وإعياء وبكاء أطفال ومشاكل فنية في السيارات ونفاد الوقود، وهو لا يعرف إلى متى سيستمر هذا الأمر.
بلدات جنوبية أشبه بمدن الأشباح
في قريته التي وصلها "أبو حسن" عند المساء، كانت أصوات التفجيرات والاشتباكات لا تهدأ، مترافقة مع أصوات الرعد ما يجعل المشهد أكثر رعبًا، فيما كان الجيش الإسرائيلي يهدد المواطنين بعدم العودة إلى جنوب نهر الليطاني حيث تقع قريته التي ابتعد عنها لأربعين يومًا.
بعد الاطمئنان على منزله ومعاينة الأضرار وهي عبارة عن زجاج محطم وأبواب مخلّعة وتلف في المحصول الزراعي، ومع غياب الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وشبكة الانترنت، قرر أبو حسن مع زوجته العودة إلى مركز النزوح مرة أخرى، لاستحالة البقاء في القرية.
في طريق العودة، علق أبو حسن مع عائلته في زحمة السير مرة أخرى، ولم يصلوا إلى بيروت إلّا قبل انتصاف الليل بقليل، بأجساد متعبة وحلم عودة متبخر، وخشية من أن تكون هذه المرة الأخيرة التي يشاهدون منزلهم فيها.
تحييد بيروت لا يكفي
نجحت الهدنة حتى الآن في تحييد بيروت والضاحية الجنوبية، وعاد آلاف السكان من الذين لم يخسروا بيوتهم إلى الضاحية، فيما لم يتغيّر الحال في الجنوب، ومعظم قرى الجنوب وخاصة تلك الواقعة جنوب نهر الليطاني.
الجنوبيون عادوا إذًا إلى مراكز الإيواء أو إلى المنازل التي استأجروها، الحرب أتت على كلّ ما ادخروه، معظمهم يعتمد بشكل أساسي على ما قد يرسله إليه أقاربهم من الخارج، أو من المساعدات الشحيحة التي تقدمها الجمعيات.
تقترب الحرب من دخول شهرها الثالث، وهي على بعد أيام من كسر رقم الـ66 يومًا القياسي الذي سجّل في الحرب السابقة، فيما لا تلوح أي حلول في الأفق.
حالة نفسية صعبة يعيشها النازحون
يقول "مجد" في اتصال مع ألترا صوت إنهم باتوا أسرى لنشرات الأخبار، يقضون ساعات طويلة أمام التلفاز وفي تصفح المجموعات الإخبارية على الهواتف بحثًا عن أي مستجدات تحمل لهم أخبارًا سارة حول انتهاء الحرب.
بالإضافة إلى كل المشاكل التي يعاني منها النازحون اليوم، كالصعوبات المالية وأزمة الحصول على الرعاية الطبية وتعذر التحاق أولادهم بالصفوف الدراسية، هم يعيشون اليوم حالة نفسية صعبة مع غياب أي أفق للحل، وجهل تام بما ستحمله الأيام القادمة.
يقول "مجد" الذي خسر عمله بسبب الحرب، إنه يقضي أكثر من عشر ساعات يوميًا في متابعة الأخبار، ما بين التلفاز ومواقع التواصل والمجموعات عبر تطبيق "واتساب"، حيث يختلط ما هو حقيقي بما هو مزيف، وليس هناك من يشرح للناس ما يحصل بالضبط.
يذكّر مجد بالرعب الذي عاشه أولاده عندما سرى وقف إطلاق النار في الهدنة الاولى، بسبب الرصاص الكثيف والقذائف التي أُطلقت "ابتهاجًا" بالمناسبة، كانوا يحتفلون بالنصر، وها نحن اليوم لا نزال في قلب الكابوس، الحرب توقّفت على جميع الجبهات باستثناء لبنان، والجنوب يدفع الثمن الأكبر.