عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا
15 مارس 2026
لا شيء يُسعد الإنسان بقدر حصوله على ما يريده، نجاح أو تحقق أو فوز، خاصة وإن كان في سعيه للنجاح ممثلًا لأمة بأكملها، هذا صحيح، ولكن هذه واحدة من معضلات البشر كذلك، إذ لا أحد يسأل عن ماذا لو لم يحدث ما أراده الإنسان حرفيًا، وفي نفس الوقت، يظل مصدر فخر لكل أحبائه، بل ولأمته كاملة؟
كلام معقد بعض الشيء؟ حسنًا، هذا صحيح، ولذلك إليك مثال توضيحي: مباراة الجزائر وألمانيا في دور الـ 16 من مونديال البرازيل 2014، والتي انتهت بفوز الماكينات الألمانية بنتيجة 2-1، في واحدة من أكثر القصص درامية في تاريخ مشاركات العرب في كأس العالم، ومواجهة أعادت إلى الأذهان "عقدة خيخون" التاريخية، وتزامنت، في مفارقة نادرة لا تتكرر كثيرًا، مع شهر رمضان المبارك، فماذا حدث بالضبط في هذه المباراة لتدخل قلوب الجزائريين رغم الهزيمة؟ وكيف تحولت إلى انتصار معنوي خالد؟
أشباح خيخون
"لم ننسَ، الجميع يتحدث عن الجزائر وألمانيا منذ عام 1982"، وحيد خليلوزيتش، المدير الفني للجزائر في كأس العالم 2014.
لفهم الثقل النفسي الهائل الذي أحاط بالمباراة، يجب أولًا تفكيك السياق التاريخي والعودة بالزمن إلى الوراء، وتحديدًا إلى صيف عام 1982 في إسبانيا، في تلك النسخة من كأس العالم، حقق المنتخب الجزائري إنجازًا تاريخيًا مدويًا بفوزه بنتيجة 2-1 على منتخب ألمانيا الغربية المدجج بالنجوم من أمثال كارل هاينز رومينيغه، وبول برايتنر، وفليكس ماغاث، في فوز عده البعض بمثابة ولادة قوة كروية جديدة. ولكن، رغم الفوز، لم تكتمل الفرحة الجزائرية، إذ تلا هذا الانتصار ما عُرف تاريخيًا بـ "فضيحة خيخون".
كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟
في المباراة الأخيرة من دور المجموعات، خاض منتخبا ألمانيا الغربية والنمسا مباراة وُصفت بالمسرحية الهزلية، حيث تقدم الألمان بهدف مبكر في الدقيقة 11 عبر المهاجم هورست هروبيش، ثم بعد ذلك، لا شيء، توقف الفريقان بعدها عن لعب كرة القدم، مع اقتصار المباراة على بعض التمريرات السلبية في منتصف الملعب، لماذا لم تسع النمسا للفوز؟ ببساطة لأن تلك النتيجة كانت هي الضمان الوحيد لتأهل الفريقين الأوروبيين معًا إلى الدور التالي، وإقصاء الجزائر بفارق الأهداف، وبالفعل هذا هو ما حدث.
ورغم الاحتجاجات الجزائرية الغاضبة والمطالبات للاتحاد الدولي لكرة القدم بالتدخل، إلا أن النتيجة اُعتمدت رسميًا، وغادرت الجزائر البطولة مرفوعة الرأس ولكن بغصة عميقة في القلب وشعور مرير بالظلم، ظلم لم تمحه الأيام من الذاكرة، وظل جاثمًا في عقول الجزائريين إلى أن يأتي الموعد المناسب للثأر.
ولذلك عندما وضعت قرعة دور الستة عشر لمونديال 2014 المنتخب الجزائري في مواجهة ألمانيا مجددًا، استيقظت أشباح خيخون مرة أخرى من مرقدها، واعتبرتها الجزائر فرصة تاريخية للثأر واستعادة الحق المسلوب بعد مرور 32 عامًا، تلك هي الروحية التي دخلت بها الجزائر إلى المباراة، الأمر شكل دافعًا جبارًا، تُرجم لاحقًا إلى قتال استثنائي لم يشهد له المونديال مثيلًا قبل تلك الليلة.
معضلة الصيام
بدأت القصة قبل المباراة بأيام، حيث واجه المنتخب الجزائري معضلة اللعب أمام فريق ألماني قوي ومرشح للقب، في وقت يجب عليهم فيه الامتناع عن الطعام والشراب لقرابة 13 ساعة ونصف، ورغم أن الأجواء كانت شتوية في نصف الكرة الجنوبي، كما أن مدينة بورتو أليغري سجلت درجات حرارة مائلة للبرودة مع بعض الأمطار الخفيفة، مما يجعل الصيام أسهل نسبيًا مقارنة بدول أخرى ذات طقس حار.
أضف إلى ذلك تصريحات الدكتور جيري دفوراك، كبير أطباء الفيفا، بأن اللاعبين الذين يصومون بشكل ذكي، ويحافظون على الترطيب الجيد قبل الفجر، قد لا يعانون من تراجع كبير ومؤثر في الأداء البدني إلا أن الواقع على الأرض كان مختلفًا.
فالجهد البدني الكبير يتطلب ترطيبًا مستمرًا لتجنب الجفاف السريع، والتقلصات العضلية الحادة، وانخفاض مستوى الجليكوجين في العضلات بشكل مفاجئ ما يعني الإصابة، وعلى الرغم من توفر الرخص الشرعية التي تبيح الإفطار للمسافرين، إلا أن الأمر تحول إلى أزمة إعلامية ضخمة، أزمة بدأت بتصريحات الدكتور حكيم شلبي، طبيب المنتخب، بأن الصيام يمكن أن يمنح اللاعبين دافعًا نفسيًا للفوز.
كما نشرت بعض الصحف إشاعات تفيد بأن المدرب البوسني وحيد خليلوزيتش ضغط على لاعبيه أو أمرهم بالإفطار، وهو ما أثار غضبه الشديد في المؤتمر الصحفي قبل المباراة، حيث اعتبر السؤال المستمر عن الصيام قلة احترام وتدخلًا في الحرية الشخصية للاعبين، وشدد على أنه كمسلم ترك القرار بالكامل لحرية فريقه.
أما داخل المعسكر، فقد اتخذت الغالبية العظمى من اللاعبين، بقيادة القائد مجيد بوقرة، قرارًا شجاعًا بالصيام واللعب مهما بلغت التضحيات، وقد زاد من حماسهم وإصرارهم على الفوز رسم كاريكاتيري عنصري نشرته صحيفة أجنبية يسخر من صيامهم ويتوقع الانهيار البدني وخسارتهم بنتيجة كارثية 13-0.
الملحمة
انطلقت صافرة المباراة، وعلى عكس كل التوقعات الفسيولوجية بانهيار الفريق، صمد "محاربو الصحراء" كالجبال في وجه الاستحواذ الألماني، وكان نجم اللقاء الأوحد هو الحارس الجزائري رايس مبولحي، الذي تصدى لوابل من التسديدات، منقذًا مرماه من 20 تسديدة خطيرة في واحد من أعظم الأداءات الفردية لحراس المرمى في تاريخ المونديال، وقبل انتهاء الشوط الأول، الذي تزامن مع غروب الشمس، التقط مبولحي كيسًا كان قد وضعه بجوار مرماه، ويكسر صيامه بحبات من التمر وشربة ماء سريعة.
وبفضل قتالية اللاعبين وتألق مبولحي، انتهى الوقت الأصلي بالتعادل السلبي، لتُجبر الماكينات الألمانية على دخول الأشواط الإضافية، ولكن، وبسبب الإجهاد الشديد، مع الدقائق الأولى من الوقت الإضافي الأول، ظهرت ثغرة استغلها الألمان، ليتلقى المرمى الجزائري هدفًا مباغتًا في الدقيقة 92 عبر اللاعب أندريه شورله.
ورغم التعب والشد العضلي الذي أصاب معظم لاعبي الجزائر، إلا أنهم واصلوا القتال حتى أضاف الألمان هدفًا ثانيًا في الدقيقة 120 عن طريق مسعود أوزيل، فهل كانت تلك النهاية؟ بالطبع لا، حيث سجل البديل عبد المؤمن جابو هدفًا مستحقًا للجزائر في الدقيقة 121، لتنتهي المباراة بنتيجة 2-1، مع تتويج الحارس رايس مبولحي بجائزة رجل المباراة.
الغريب حقًا، أنه رفض، في تصريحات صحفية بعد المباراة، أن يتخذ من الصيام مبررًا للخسارة، حيث أكد أن الجميع كان جاهزًا على المستوى البدني وأن مسألة الصيام كانت شأنًا بينهم وبين الله فقط، وبعد المباراة، تدفقت الجماهير الجزائرية في الشوارع، تحتفل وتغني لفريقها الذي لم يتنازل عن عقيدته وقاتل حتى الرمق الأخير.