عن العلمانية أيضًا

عن العلمانية أيضًا

من أعمال المنتدى العالمي لحقوق الإنسان

كثير من اللبس أحاط بمفهوم العلمانية على مر العصور، ربما بسبب حاجة الجميع إلى توظيفه في ساحة الصراع السياسي. ولعل أبرز مظاهر هذا اللبس هو اعتبار العلمانية ضد الدين، بل إن ظهورها جاء أصلًا لمحاربة الدين ومن هنا تم اعتبارها مرادفة للإلحاد والكفر، وهذا ما نجده يروج بقوة في الخطابات السلفية المتطرفة، سواء كانت مسيحية أو يهودية أو إسلامية. كذلك هناك ظروف تحتم اليوم استئناف النظر وإعادة النظر في هذا المفهوم واستعمالاته المتعددة والمتناقضة خاصة في الساحة الثقافية والسياسية العربية.

العلمانية هي نزع القداسة عن الممارسة السياسية، لأن المجال السياسي هو مجال للحوار الحر والصراع العقلاني

لتجاوز تلك التصورات الملتبسة والغامضة حول المفهوم، لا بد من استحضار المعرفة التاريخية والنقدية التي أدت إلى بلورة هذا المفهوم في سياق الفلسفة السياسية الغربية. أي معرفة الظروف الفكرية والسياسية التي أدت إلى نشأة العلمانية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للفلسفة السياسية الحديثة، وكانت الإرهاصات الأولى قد ظهرت في كتابات ماكيافيلي وهوبز وجون لوك، إلى أن توضحت معالمها النظرية في فلسفة الأنوار، مرتكزة بصفة خاصة على قاعدة الفكر الليبرالي ومبادئه الأساسية، خاصة التسليم بأولوية الفرد في الوجود وكذلك إعطاء القيمة المطلقة للحرية والاعتقاد بالقدرات اللانهائية للعقل الإنساني.

من جانب آخر، وفي إطار رفع اللبس، نشير إلى ضرورة المراجعة النقدية للمفهوم ونزع القداسة عنه، هذه الأخيرة التي أضفيت عليه خاصة مع التصورات الوضعية التي جمدت المفهوم واختزلته في بعد واحد كما سنرى.

إذن البحث في العلمانية يقتضي فحص المسار التاريخي والفكري لهذا المفهوم، بقصد التعرف على الأرضية التي تشكل فيها والمقصود هنا هو تاريخ المجتمعات الغربية. تجربة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر التي كان من نتائجها إعادة قراءة النصوص الدينية قراءة جديدة، وتأويلها بعيدًا عن سلطة الكنيسة التي كانت تلعب دور الوسيط في فهم الناس لتلك النصوص. اعتبار الإيمان مسألة فردية وشأنًا شخصيًا وهذا عنصر أساسي في التفكير العلماني. ظهور الدولة باعتبارها كيانًا ذا سيادة مطلقة وجهازًا يقوم بحماية المجتمع ويعبر عن إرادته، وهذا ما أدى إلى نزع الشرعية الدينية عن الكنيسة التي كانت تجمع كل دواليب السلطة في يدها.

اقرأ/ي أيضا للكاتب: جنود السماء

ظهور الليبرالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبداية انفصال المجتمع المدني عن الدولة باعتباره مجالًا لتجسيد الحريات الفردية والجماعية، الشيء الذي نتج عنه ما أصبح يعرف الأنظمة الديمقراطية في أوروبا. 

كل هذه العوامل، وأخرى غيرها، ساهمت في وضع الدين باعتباره مسألة خاصة، مع إحلال القوانين الوضعية محل الشرائع الدينية في تسيير الشأن العمومي. ولعل أبرز مثال على تطور العلمانية في المجتمعات الأوروبية هو التجربة الفرنسية التي جسدها قانون 1905 الشهير، الذي يعتبر أهم تشريع سياسي عرفه الغرب ينظم العلاقة بين الدين والدولة، انطلاقًا من التفريق بينهما وضمان حرية المعتقد وحياد الدولة تجاه الأديان. 

فالمواطن حر في اعتقاد ما يراه منيرًا لحياته ما دام لا يتعارض مع النظام العام. كما على الدولة ألا تلزم أحدًا بأي معتقد كيفما كان، ولا تعترف بدين دون آخر بل التعامل مع الجميع على أساس المساواة، دون التمييز بين الناس بسبب عقائدهم في الوظائف العامة ولا تشير إلى ذلك في ملفاتهم ووثاقهم الشخصية أو هوياتهم، بالإضافة إلى حياد المدرسة العمومية وعدم انتمائها إلى أي دين معين أو إبراز شعارته أو رموزه داخل فضاءاتها.

دائماً ما يكون الموت هو مصدر البعد الروحي، لكونه يحد من تجربة الإنسان الحياتية

من هذا المنطلق يمكن القول بأن العلمانية هي نزع القداسة عن الممارسة السياسية، لأن المجال السياسي هو مجال للحوار والنقاش الحر والصراع العقلاني بعيدًا عن كل محرمات وعن كل سلطة تتعالى على العقل الحر النقدي. وفي هذا الإطار فإن العقل الأصولي يحاول دائمًا ربط العلمانية باللاتدين والإلحاد، في حين أنها دعوة إلى الحياد السياسي ومجالها هو السياسة، وليس الإيمان أو الدين.

من عوامل الغموض المحيط بالمفهوم هو تناوله بعيدًا عن مجموعة من المفاهيم التي تشكل شبكة متكاملة، تعكس ملامح جوانب أساسية من الصراع التاريخي والفكري في أوروبا ويصعب تناول إحداها دون الأخرى، مثل مفاهيم العقلانية والفردية والمواطن والتعاقد الاجتماعي والتسامح والحرية والتقدم.. فالعلمانية تنتمي إلى منظومة الحداثة حيث يصعب الفصل بين مكوناتها التي تتداخل فيما بينها بصورة جدلية.

بخصوص المراجعة النقدية لمفهوم العلمانية ينبغي الاستفادة من منجزات العلوم الإنسانية المعاصرة، خاصة علم الاجتماع والأنتروبولوجيا، حيث التأكيد على أن البعد الروحي هو بعد أساسي في الإنسان وقد بينت الدراسات الميدانية في هذه العلوم أنه لا توجد مجتمعات خالية من النزوع الروحي والاهتمام بالمقدس. لذلك فالحاجة إلى التدين هي ظاهرة أنتروبولوجية، بل حتى المجتمعات المعلمنة رسميًا يحضر فيها الدين بصور متعددة، والبعد الروحي يكون دائمًا مصدره الموت الذي يحد من تجربة الإنسان الحياتية، فما دام هناك موت فهناك دين، كما يقول محمد أركون، والدين يهدئ من روع الإنسان أو من قلقه الميتافيزيقي ويشعره بالطمـأنينة. وانسجامًا مع الروح العلمانية ينبغي إعطاء الحرية للإنسان ليعبر عن ذلك القلق، طبعًا دون إكراه ودون المساس بحقوق الآخرين في التدين وفي ممارسة الشعائر.

كخلاصة يمكن القول إن العلمانية هي أساس الدخول إلى الحداثة وأساس تحقيق الديمقراطية، هذه الأخيرة التي تستند إلى مبدأ المواطنة وإرادة الشعب، بمعنى أن إشكالية العلمانية هي إشكالية المجتمع الذي يسعى إلى تحقيق التقدم عبر منظومة سياسية حديثة تنشد المساواة والعدالة الاجتماعية بين الناس. ومن هنا فهي لا تخص مجتمعًا دون آخر، وما أحوج المجتمعات العربية اليوم إلى العلمانية التي ستساعدها على الخروج من هذه المرحلة الانتقالية التي تشهد اليوم تكريس الحكم الفردي المطلق، المتعارض مع إرادة الشعوب العربية التي عانت ما يكفي من أشكال القهر والتخلف، بسبب البنيات السياسية التقليدية والتبعية لدول الغرب.

اقرأ/ي أيضا للكاتب: المغرب.. أحزاب أم قبائل؟