عن العلاقة بين منصات التواصل الاجتماعي والمجمع الصناعي العسكري الأميركي؟
12 أغسطس 2026
"لقد استولى عليّ المرض القديم، فقدان الذاكرة الأدبية، الفقدان الكلي، تغمرني موجة من الاستسلام للقدر، وأتساءل عن جدوى كل السعي إلى المعرفة، السعي عمومًا، لماذا نقرأ إذن؟ لماذا أقرأ مثلًا هذا الكتاب من جديد، إذا كنت أعرف أني لن أتذكر منه أي شيء على الإطلاق بعد قليل؟"، تلك كانت افتتاحية الكاتب الألماني باتريك زوسكيند في كتابه "ثلاث حكايات وملاحظة تأملية"، والذي حاول خلاله الإجابة عن سؤال أرَّق الجميع، ما هي أهمية القراءة إذا كانت الذاكرة تحذف كل شيء تلقائيًا، ولا يبقى للقارئ إلا المذاق العام؟
نفس السؤال طرحه الكاتب المصري الكبير محمود السعدني، وأجاب عليه في الوقت ذاته، عندما قال: "والحقيقة التي اكتشفناها بعد فوات الأوان هي أننا لا نعرف شيئًا، وأن ما نعرفه هو أقل مما يجب، وأتفه مما ينبغي، وأن الكتب كثيرة والعمر قصير، وأن المعرفة طريق ليس له نهاية، بينما يقرأ الإنسان لينسى، ويتعلم ليكتشف فى النهاية أنه أصبح أجهل مما كان".
إذا كانت الذاكرة تخون القارئ أثناء القراءة التأملية والهدوء؟ فماذا ستفعل في عصر تشتت الانتباه؟ وإذا كانت القراءة تترك أثرًا ما رغم تبخر التفاصيل، فما هو الأثر الذي يتركه تمرير الساعات بين الريلز وانستجرام والتيك توك؟
الملاحظة العامة هي أن تلك الأسئلة كانت تُطرح في وقت أقل سرعة من الوقت الحالي، وقت كانت فيه قراءة الكتب والصحافة الورقية أمر له رونقه، ولا يفعله إلا الأفندية المتعلمين، ورغم ذلك كان كبار الكتاب والقراء يشعرون بأن الذاكرة تخونهم، وأن نسيان الكتاب برمته هو الأمر الطبيعي فور الانتهاء منه، رغم استمرارهم في القراءة لسبب بسيط، أن كل كتاب يُقرأ، يترك أثرًا سيستمر رغم نسيان تفاصيل الكتاب ذاته، وذلك الأثر هو ما يدفع عقل القارئ نحو التفكير والتأمل والنضوج.
أما السؤال الذي لم يتعرض له زوسكيند والسعدني، إذا كانت الذاكرة تخون القارئ أثناء القراءة التأملية والهدوء؟ فماذا ستفعل في عصر تشتت الانتباه؟ وإذا كانت القراءة تترك أثرًا ما رغم تبخر التفاصيل، فما هو الأثر الذي يتركه تمرير الساعات بين الريلز وانستجرام والتيك توك؟ وهل فقدان القدرة على التحليل النقدي والتأمل مجرد عَرض جانبي للتكنولوجيا، أم أنه الهدف الرأسمالي الأسمى؟
اغتيال القراءة
في كتابها "أمة الدوبامين"، تقول الطبيبة النفسية آنا لمبكي الباحثة بجامعة ستانفورد نصًا أن أدمغة الشباب تتعرض لعملية تدمير ممنهجة في السنوات الأخيرة، ولكن قبل الدخول في التفاصيل، يجب أولًا معرفة طريقة عمل الدماغ ابتداءً، على اعتبار أن الدماغ عبارة عن أرجوحة، عندما تتعرض لحدث سعيد أو إنجاز، يدفعُها الدوبامين نحو الشعور بالسعادة، ثم تتعرض لمؤثر آخر، أو يتلاشى المؤثر الأول، فترتد الأرجوحة في الاتجاه المعاكس، مدفوعة بإشارات الألم والاضطراب، إذ ينخفض الدوبامين، فيتولد شعور فوري بالفراغ، والرغبة العارمة في تكرار نفس السلوك لتستعيد الأرجوحة توازنها.
ذلك لأن الدماغ يعمل بنظام المكافآت، والمكافآت لها مسارين، مسار سريع، ومسار تدريجي، والشعور بالسعادة الحقيقة يأتي من السير في المسار الثاني.
القراءة تحفز المسار الثاني، ببساطة لأنها تعتمد على تنشيط محور الدوبامين-السيروتونين بشكل تدريجي ومستمر، ولفتراتٍ طويلة، فعند الانخراط في كتاب ما، يُفرز الدوبامين بجرعات صغيرة ومنتظمة طوال رحلة الفهم والاستكشاف، وذلك بالتزامن مع إفراز هرمون السيروتونين المسؤول عن الاستقرار والرضا العاطفي، وهذه الرحلة هي التي تمنع أرجوحة الدماغ من الارتداد، وتحافظ على حالة من التوازن الكيميائي، ولكن، ما هي نتائج المسار الأول؟
في كتابه "اختراق العقل الأميركي" (The Hacking of the American Mind)، يوضح الدكتور روبرت لوستيغ من جامعة كاليفورنيا، أن التعرض لهذه الجرعات المكثفة من الدوبامين يؤدي إلى احتراق الأعصاب، الأمر أشبه بإدمان المواد المخدرة، الدوبامين يثير الأعصاب بسرعة فائقة، وعندما تُثار الأعصاب باستمرار في وقت قصير تبدأ في الانهيار، فيقل عدد المستقبلات العصبية، وبالتالي يحتاج الشخص إلى جرعة أكبر من الدوبامين، أي زيادة عدد الرِيلز، للوصول إلى نفس المتعة.
كما يكشف الكتاب كيف تستغل الشركات الكبرى كيمياء المخ، التلاعب بها، وترويج السكر والأطعمة المصنعة والتكنولوجيا، مما يدفع الناس نحو الإدمان المزمن واضطرابات الاكتئاب والقلق.
وفي دراسة حديثة نُشرت في "المجلة الصينية لعلم النفس السريري"، توصل الباحثون إلى أن استهلاك المحتوى القصير بشكل مكثف يؤدي إلى إضعاف وظائف القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex) المسؤولة عن اتخاذ القرار، ومن ثم زيادة موجات "غاما" بنسبة 62% فور الاستخدام، والتي يقابلها انخفاض في موجات "بيتا" بنسبة 22% بعد 20 دقيقة فقط، مما يؤدي إلى ظهور خلل في تلك القشرة، يعطل التفكير، ويؤخر القدرة على اتخاذ القرار.
ذلك لأن موجات "غاما" هي أعلى موجات الدماغ ترددًا، وترتبط بالقدرة على التركيز، والربط بين المعلومات، وفور الحصول على "المكافأة السريعة"، يمر الدماغ بحالة استثارة قصوى، مما يجعله منتبهًا ومشدوهًا بهذه المتعة اللحظية، أما موجات "بيتا" فهي المسؤولة عن اليقظة، والتفكير المنطقي، وبعد 20 دقيقة فقط من التعرض للمحتوى القصير يدخل الدماغ في حالة من الإجهاد، وينتقل من حالة التفكير الواعي إلى حالة من التنويم المغناطيسي.
فيبدأ الشخص في التقليب بلا هدف، وبلا قرار واعي، وبعد فترة ليست بالبعيدة، يبدأ الدماغ في التكيف وإعادة تشكيل مساراته العصبية بناءً على التجارب والأدوات الجديدة، فهل هذا الشخص المشتت، والمسحول بين المنصات المختلفة، بإمكانه امتلاك أي قدرة على التحليل المنطقي أو التأمل؟
الإجابة لا، وذلك لحرمانه من وقت التفكير الضروري لتقييم الحجج وإنتاج نقد بطيء، الساعة التي يجلس فيها الشخص وحيدًا، شاخصًا نحو النجوم، ومتأملًا، تلك الساعة التي يربط فيها الدماغ الأفكار ببعضها البعض، ويحللها، لم تعد موجودة، وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي 25% من جيل Z يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فمن المسؤول عن هذه الحالة؟
عسكرة التكنولوجيا
المسؤول هي شركات التكنولوجيا، التي طورت خوَارزمياتها بشكل يجعلها تدفع الرِيلز دفعًا في فم وعين وأنف المتابع، لأنها الأقل كلفة، والأكثر ربحية، والمسؤول أيضًا هي إسرائيل، لأنها تتاجر مع شركات التكنولوجيا المسؤولة عن تطور المنصات بتلك الطريقة الفجة والمُنغمسة في عبادة الدوبامين، أما المسؤول الثالث فهو المجمع الصناعي العسكري الأميركي، لأنه يرسل الأسلحة لإسرائيل، التي تدفع المليارات لشركات التكنولوجيا، من أجل تبني السردية الصهيونية، وتلك ليست نظرية مؤامرة، بل حقيقة تؤكدها الشواهد والأدلة.
في تقرير بعنوان "The Silicon Valley/Venture Capital Pentagon" كشف الصحفي الاستقصائي سبنسر أن رأس المال التكنولوجي ضخ نحو 100 مليار دولار بين عامي 2021 و2023 في المجمع الصناعي العسكري الأميركي، حيث تُمول شركات مثل "سيكويا كابيتال" أسلحة الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة في شركات مثل "أندوريل"، "شيلد إيه آي"، و"بالانتير"، والتي تعتمد في تقنياتها على البنى التحتية السحابية العملاقة، وقواعد البيانات الضخمة، والمجمعة من مليارات المستخدمين المشتتين.
كما ذكر الصحفي الاستقصائي ياشا ليفين في كتابه "وادي المراقبة"، أن شبكة الإنترنت بما تحمله من تطبيقات مختلفة، بدأت وتطورت كرديفٍ لأجهزة استخبارات الدول الإمبريالية، وهذا الاندماج التقني الرأسمالي، العسكري، زاد من الفجوة بين القاتل ومحكمة العدل الدولية، من قتل ما يقرب من 100 ألف فلسطيني؟ من قتل أكثر من 10 آلاف لبناني؟ ومن المسؤول عن تدمير الكباري والمدارس وقتل البنات الصغيرات في إيران؟ ومن المسؤول عن قتل أكثر من مليون سوري ويمني وعراقي؟
ليس نتنياهو وحده، ولا شخص واحد بعينه، بل المنظومة بأسرها، طائرة مسيرة ذاتية القيادة تستطلع، تعطي الإشارة، برامج الذكاء الاصطناعي تُحلل البيانات، ثم تعطي أوامر القصف، فمن إذن سيدفع ثمن هذه الجرائم الكثيرة والمتنوعة؟ لا أحد، إذن ما الحل؟ بحسب ما ذكرته الطبيبة النفسية آنا لمبكي، فإن استرداد الوعي النقدي والتأملي للشباب، هو الخطوة الأولى لتفكيك آلة الحرب الأميركية، واستعادة حق الإنسان في ملكية عقله بعيدًا عن أسوار وادي السيليكون.










