عن الضم كفشل للمشروع الاستعماري الاستيطاني

عن الضم كفشل للمشروع الاستعماري الاستيطاني

لا بد من التفكير في الضم ضمن مسار النجاح والفشل في الاستعمار الاستيطاني (فيسبوك)

غالبًا ما تم التفكير في ضم إسرائيل لمناطق فلسطينية جديدة باعتباره نجاحًا للمشروع الاستعماري الاستيطاني، وهو تحليل يكتسب كثيرًا من الوجاهة، بالنظر إلى أهمية التوسع والأرض في أي تجربة استعمار استيطاني، بالإضافة إلى دور الضم في تهجير ومحو جزء جديد من الوجود الفلسطيني. غير أنه لا بد من النظر في تلك الممارسة، ضمن الشروط التي تتخلق فيها، وضمن النقاشات الدائرة حولها داخل النخب الأمنية الإسرائيلية، وبالتأكيد ضمن ما هو ثابت وما هو متحول في الخطاب الأمني الإسرائيلي.

لا بد من النظر في سياسة الضم ضمن الشروط التي تتخلق فيها، وضمن النقاشات الدائرة حولها داخل النخب الأمنية الإسرائيلية، وبالتأكيد ضمن ما هو ثابت وما هو متحول في الخطاب الأمني الإسرائيلي

يمثل الفصل الحل النهائي بالنسبة للمعارضة الإسرائيلية، التي تشعر بالفعل أن ضم بعض المناطق قد يكون بمثابة تهديد ديموغرافي، وبالتالي فإنها تتمسك بالدعوة لـ"الطلاق" مع الفلسطينيين، خوفًا من الوصول إلى دولة ثنائية القومية، على حد تعبير عدد كبير من السياسيين والقادة الأمنيين الإسرائيليين. لكن الفصل أيضًا، وعلى عكس ما هو رائج، يمثل الحل النهائي لليمين الإسرائيلي بنفس الدرجة. لكنه حل يتعارض أحيانًا مع الرغبة المتزايدة بضم مزيد من الأرض، حيث إن أي ضم جديد أو توسع استيطاني يعني توسيع مساحة التشابك مع السكان الأصليين. وهو ما يجعل تخلق اليمين المائل إلى الانعزال في العادة، فريدًا في حالة استعمار استيطاني، حيث ينقسم خطابه على رغبتين متناقضتين، أي الانعزال والضم.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| لورنسو فرتشيني: قانون القومية مؤشر على أزمة إسرائيل الاستعمارية

قد لا يكون هذا التناقض بارزًا، في حالة نجاح المشروع الاستعماري الاستيطاني في محو السكان الأصليين بشكل كامل، عبر إبادتهم أو تهجيرهم أو إلغائهم ثقافيًا وقوميًا. فالضم يهدف في نهاية المطاف إلى إنجاز فصل كامل، لكن بعد السيطرة على مزيد من الأرض، وإقصاء السكان الأصليين منها. في الحالة الفلسطينية، فإن سؤال من بقي من السكان في أرضه، وآليات التعامل معهم وإدارتهم والسيطرة عليهم أو الانفصال عنهم، بقي يحدد مسار التصورات الأمنية في إسرائيل. وهو سؤال بالتأكيد مرتبط بالضم، حيث طالما ووجهت الرغبات الإسرائيلية بالتوسع بسؤال الديموغرافيا، بدءًا من حرب حزيران عام 1967.

تم اقتراح حلول عديدة لمواجهة هذا السؤال، بدءًا من ضم مناطق غير مأهولة بالسكان حصرًا، حسب التصور الذي عُرف لاحقًا بخطة ألون، وصولًا إلى الاستثمار في الخصوبة اليهودية من خلال قوانين العائلة الكبيرة، التي تمنح دعمًا أكبر لتلك العائلات، ثم التشكيك في أرقام الفلسطينيين، أو الحديث عن ضمهم بدون منحهم حق التصويت. مع ذلك، فقد كان هناك دائمًا نوع من التوازن الدقيق بين الرغبتين في الحالة الإسرائيلية، وهو توازن أتاح لإسرائيل استغلال أكبر قدر من الأرض، مع إدارة أقل قدر من السكان.

يمكن التفكير في نتائج اتفاقية أوسلو، والمساعي نحو تحقيق حل الدولتين، باعتبارها نتيجة مثالية للحفاظ على هذا التوازن، حيث تسيطر إسرائيل من معظم الأرض بين النهر والبحر، بما يتضمن المصلحة الاقتصادية، والسيطرة على الموارد، بينما تترك موضوع إدارة السكان لهيئة فلسطينية منقوصة السيادة، تمولها المساعي الدولية نحو إنجاز حل سهل وغير واقعي لللصراع العربي الإسرائيلي، تحت اسم حل الدولتين. هنا يقر باحثون إسرائيليون مثلًا، أن ما حدث ضمن اتفاقية أوسلو، كان بمثابة نوع من خصخصة لإدارة الفلسطينيين، في بعض مناطق الضفة الغربية، بتكلفة أقل.

على العموم، فإن قلق السلطة الفلسطينية يبدو في محله، فالضم يعني نوعًا من الانقلاب على الدور الوظيفي لها، وعلى نتائج اتفاقية أوسلو، وعلى كل مبرر وجودها. لكنه في نفس الوقت، يمثل انقلابًا على التوازن الذي طالما كانت النخب الأمنية الإسرائلية حريصة عليه.

تقترح هنيدة غانم، مفهومي وولتر بنجامين، العنف الحافظ والعنف المؤسس، لتفسير صيرورة الضم في إسرائيل. حيث إن التمدد الاستيطاني يعني في أحد وجوهه، جعل مناطق جديدة في خط المواجهة، لكنه في نفس الوقت يعني ضمان استقرار مناطق غيرها تمت السيطرة عليها سابقًا. بهذا المعنى، فإن احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وعدة أراض عربية في عام 1967، ساهم في جعل الأراضي التي تم استعمارها أثناء وبعد النكبة، مناطق أكثر اسقرارًا. من خلال استمرار العنف الحافظ، والتمدد الاستيطاني، فإن المناطق "المستقرة" تصبح أوسع أيضًا.

اعتمادًا على مجادلة غانم، فإنه لا بد من النظر إلى ثنائية (الفصل/التشابك) التي تمت الإشارة إليها أعلاه، بالموازاة مع العنف الحافظ والعنف المؤسس. حيث إن المساحات "الآمنة" أو المستقرة أو الخارجة عن المساءلة، تعد بمثابة فضاء استعماري لممارسة الفصل. بينما تكون المناطق الخاضعة للعنف الحافظ، بمثابة فضاءات للتشابك بين المستوطنين والسكان الأصليين. وبالتالي فإن التشابك، هو بمثابة الطريق لتوسيع حالة الفصل، وتمكينها.

لا بد من البناء على مجادلة غانم من خلال مستوى مهم، يتعلق بما ينتجه الضم/التشابك من اختلافات دخل النخب الأمنية الإسرائيلية. حيث لا بد من التفكير في التحديات التي تواجه هذه الصيرورة. كما أنه لا بد من التفكير في احتمالات فشل العنف الحافظ في جعل المناطق التي تم استعمارها سابقًا أكثر استقرارًا. على سبيل المثال، فإن القلق الديموغرافي في أوساط بعض الإسرائيليين، يمثل شعورًا بقلة نجاعة العنف الحافظ. وعلى العكس، فإن خطاب جزء كبير من "اليسار الصهيوني"، يستند إلى أن التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية مثلًا، يجعل استقرار حياة اليهود في تل أبيب مهددًا.

يجب التفكير أيضًا في أن التمدد الاستيطاني، واستمرار عمليات الضم، يصل إلى المدى الأقصى له مع ضم كامل الأراضي الفلسطينية، وإنهاء الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية، والقضاء على ترتيبات ما بعد أوسلو، أي إنهاء الوضع الذي تم من خلاله اختزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى حدود ما بعد حرب حزيران عام 1967، وهو ما يعني أن التوسع يفقد دوره كعنف حافظ، ويصبح بمثابة طريق نحو إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اتفاقية أوسلو، وإعادة القضية الفلسطينية من جديد إلى نضال تخوضه جماعة قومية ضد استعمار استيطاني يسيطر على دولة واحدة. وهو ما يعني إنهاء حل الدولتين، حتى كمبرر سياسي، وفتح السؤال الاستعماري على كامل الأرض بين النهر والبحر.

لقد اقترح باحثون فلسطينيون بالفعل، كما فعل عزمي بشارة، إعادة بلورة استراتيجية نضال فلسطينية، في ضوء خطط الضم الإسرائيلية، لتتحول إلى إستراتيجية نضال يخوضها الفلسطينيون جميعهم ضد دولة تهيمن على كافة أراضيهم.

اقرأ/ي أيضًا: 4 كتب أساسية عن الاستعمار الاستيطاني

لا يمثل الضم الهدف النهائي للمشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين. يبدو هذا واضحًا في معظم الاستراتيجيات الأمنية التي بلورتها النخب الأمنية هناك. إن الهدف النهائي هو ضم مزيد من الأراضي وفصل الفلسطينيين عنها في نفس الوقت. أي أن الضم والفصل معًا هما الحل الأمني الأنجع. وهو ما ينعكس في شعار الحركة الصهيونية القديم: دولة ديمقراطية ويهودية. إن ديمقراطية الدولة ويهوديتها في نفس الوقت، يشترطان إقصاء السكان الأصليين ممن يهددون وجود أغلبية يهودية. في واقع لم يستطع فيه الاستعمار الاستيطاني محو جميع الفلسطينيين، أو استبعاد احتمالية أن يكونوا أغلبية، فإن الرغبة المزدوجة في الضم والفصل تبدو متناقضة.

رغم مركزية التوسع، فإن التفكير في الضم لا يجب أن يكون باعتباره نجاحًا دائمًا للاستعمار الاستيطاني

رغم مركزية التوسع، فإن التفكير في الضم لا يجب أن يكون باعتباره نجاحًا دائمًا للاستعمار الاستيطاني. ففي ضوء التناقض المشار إليه، لا بد من التفكير في الضم ضمن المسار المعقد لنجاح وفشل المشروع الاستعماري.  كما أنه لا يبدو من الناجح دائمًا التفكير في الضم من خلال تصور أحادي عن الأرض. ولكن من خلال علاقته بثنائيات الجغرافيا والديموغرافيا، والفصل والتشابك. ثم من خلال علاقته بتهديد التوازن المشار إليه بين التوسع وتجنب إدارة السكان، ومن خلال ما يترتب عليه من فرصة، لتشكيل استراتيجية نضالية جديدة عامة على كل الفلسطينيين، تتجاوز وهم حل الدولتين، وتقر أن هناك دولة واحدة أصلًا بين النهر والبحر يسيطر عليها اليمين الإسرائيلي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 باختصار.. ما هو الاستعمار الاستيطاني؟