عن الشّتاء والطّعام والحنين

عن الشّتاء والطّعام والحنين

نساء يحضرن الكشك التقليدي في بعلبك

ثمّة أكلات معيّنة ترتبط بفصول السّنة، والشّتاء خاصة تكثر فيه الأكلات التي تمنح الدفء، كشوربة العدس مثلًا، وبشكل أكبر: الكشك.

بعض الأكلات تدور إشكاليات، فتجد ثمة من يحبها لأقصى الحدود، وآخر يكره تذوقها

الكشك طعام يكثر تناوله في الجرود والجبال العالية، وفي البقاع خاصة. ليس ثمة بقاعيّ لا يعرف الكشك، يقولون هناك على سبيل المزاح: "الولد عنا بس يخلق منطعميه بدل الحليب كشك". صار الكشك تراثًا بقاعيًا، وما إن يلتقي أحدنا بصديق أو زميل من هناك إلا ويدخل الكشك في صلب أحاديثنا.

اقرأ/ي أيضًا: الطعام أحد محددات الهوية الوطنية

منذ صغري لم أستسغ هذه الأكلة، لم أجربها أصلًا، كنت أنفر من رائحتها، ودومًا يستغرب الكثيرون عند معرفتهم ويُلحقونني بسؤال استنكاري: "معقول ما بتحب الكشك!؟".

لم يكن لديّ جواب واضح على عدم محبتي له، الرائحة؟ الشكل؟ هي أمور ليست لها علاقة باستساغتنا لطعام معين دون غيره، خاصة كوني لا أنفر في العادة من شكل طعام أو رائحته، في هذه السنة أعتقد أنّني وجدت الجواب.

بعض الأكلات تدور حولها "إشكالية"، إذا صح التعبير، فتجد ثمة من يحبها لأقصى الحدود، وآخر يكره تذوقها. كالهريسة مثلًا.

قبل خمسة عشر عاما تقريبًا، تذوقت الهريسة للمرة الأولى، كانت جدتي تقوم بتحضيرها مرة كل سنة، كتقليد سنوي يُمارس في أيام عاشوراء، قبل ذلك لم أكن أجرؤ على تذوقها، ولكن ما زلت أذكر ذلك اليوم، بل ذلك الطعم، هل جرّب أحدكم شعور أن يبقى مذاق طعام في ذاكرته لأكثر من خمسة عشر عامًا؟؟ كان طعمها خرافيًا، صرت أنتظرها من عام إلى آخر، لم أجرؤ أن أتذوقها من مكان آخر، وحين كنت أفعل كنت دائما ما أردد: "ما في متل هريسة ستّي".

لم تعد جدتي تصنع الهريسة منذ عدة سنوات بسبب المرض والتعب، فصرت في كل سنة أجرب أن أبحث عن ذلك الطعم في هريسات أخرى، وما وجدته. توفيت جدتي في العام الماضي، في هذه السنة شعرت بلذة حارقة إلى هريستها، إلى كل طعامها الذي لم يكن يضاهيه طعام في لذته، فكأنّه كان يستمدّ لذّته من الحب الذي تمنحه إيّاه حين تطهوه. هو السر دومًا في طعام الجدات.

أذكر المفتقة، التي أيضًا ما كنت أرغبها إلّا حين تصنعها جدتي، صلصة الطماطم التي كنت أسرق بأصابعي منها كلما سنحت لي الفرصة، الكبة بلبن، الفراكة، حتى الأكلات الحديثة، كان طهوها لها مختلفًا. هو ليس الطعم فقط، هي الرّائحة أيضًا، رائحة الصعتر والسمسم والسّماق وزيت الزيتون، مزيج من عطر لا يأتي سوى مرّة في العمر، لا يأتي إلّا خطفًا، وعبثًا تحاول ذاكرتك أن تلتقطه، فترى نفسك تبحث عنه في كل ما يمكن أن يعيد صورتها إليك.

أدركت هذه السنة أنني لا أحب الهريسة، بل كنت أحب هريسة جدّتي تحديدًا، أو ربما بدأت قصتي مع الهريسة من القمّة، بحيث لا يعود يرضيك أي شيء آخر أقل جودة.

اقرأ/ي أيضًا: الطبخ والرواية.. خطوط إمداد للذائقة

في هذه السنة أيضًا ومع بدء موسم الكشك والشتاء، وجدت جوابًا لعدم محبتي لهذا الطعام، صار جوابًا جاهزًا أواجه به كل من ينظر إليّ مستغربًا عدم محبتي: "ستّي ما كانت تعمل كشك".

 

اقرأ/ي أيضًا:

"المونة" اللبنانية.. موضة لن تموت

المطبخ المصري يدعم البدانة!