ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

عن الاعتبارات الإسرائيلية الكامنة خلف تأجيج مناخ الحرب على إيران

20 يناير 2026
طهران
أثار القصف الإسرائيلي على العاصمة طهران (Getty)
عبد القادر بدويعبد القادر بدوي

منذ عدة أسابيع، تشهد المنطقة تصعيدًا متصاعد الحدّة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تشهد فيه الأخيرة احتجاجات داخلية عنيفة بسبب الأوضاع الاقتصادية للبلاد الواقعة تحت عقوبات اقتصادية شديدة وضغوطًا دبلوماسية كبيرة في أعقاب الحرب الأخيرة وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. في ضوء ذلك، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشنّ هجومًا عسكريًا على إيران بهدف إسقاط النظام (بحجة حماية المتظاهرين داخل إيران). بعيدًا عن جدية هذه التهديدات، وما إذا كان هذا السيناريو سيحدث بالفعل في الفترة القريبة القادمة، وعن تفاعلات حركة الاحتجاجات داخل إيران والتي تسوقها الولايات المتحدة كذريعة للتدخل العسكري، بات من الواضح أن العلاقة الأميركية- الإيرانية ستظلّ محكومة بحالة من عدم استقرار، وقابلة للانفجار مرة أخرى في عهد الإدارة الأميركية الحالية، وذلك بسبب تعدد أسباب التصعيد، وفي مقدمتها إسرائيل التي لا يمكن النظر إليها في هذا الملف كعامل ثانوي، وإنما كفاعل مؤثر يدير التوتر ويحاول الاستفادة منه.

هذه الورقة، لا تحاول استشراف السيناريوهات المحتملة لحالة التصعيد الحالية، وإنّما تُسلّط الضوء على الحسابات الإسرائيلية الكامنة خلف تأجيج مناخ الحرب، وكيف تحاول الاستفادة من استمرار هذه الحالة وتغذيتها باستمرار، حتى وإن لم تنجح- كما حصل في الحرب الأخيرة- في إقناع الولايات المتحدة بمهاجمة إيران عسكريًا خلال الفترة القريبة المقبلة.

العلاقة الإسرائيلية- الإيرانية: 7 أكتوبر والحرب الإسرائيلية الشاملة

منذ 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023 دخلت المواجهة الإسرائيلية- الإيرانية مرحلة جديدة وغير مسبوقة. من جهة، كان من أهم التداعيات المبكرّة للهجوم الذي نفّذته حركة حماس صبيحة ذلك اليوم، وما تبعه من شنّ إسرائيل لحرب الإبادة على غزة، وضع المشاريع المتناقضة في المنطقة أمام اختبار اثبات مصداقية/ موثوقية، وفي مقدّمتها مشروع "وحدة الساحات" الذي تبنّاه محور المقاومة المدعوم من إيران. 

منذ حرب حزيران/يونيو 2025، استمرت النقاشات الإسرائيلية حول نتائجها وانعكاسها على برامج إيران النووي والصاروخي، معتبرة الحرب نقطة تحوّل استراتيجية في التعامل مع التهديد النووي الإيراني

من جهة ثانية، وضع الهجوم، وما تلاه من حرب مفتوحة شنّتها إسرائيل على عدّة جبهات، إسرائيل أيضًا أمام اختبار لإثبات قدراتها العسكرية- الأمنية ومصداقية "الردع" الذي تغنّت به على مدار عقود. وعليه، فقد شهد الشرق الأوسط تحوّلاً غير مسبوق، إذ اختُبرت، ولأول مرة، إمكانيات إيران بتطبيق تصور "وحدة الساحات" عبر تفعيل جبهات متزامنة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، غير أن طهران عجزت عن تفعيل ذلك لوقف الحرب، وحتى منع الهجوم الإسرائيلي عليها في حزيران/يونيو 2025. على أية حال، كان لـ "التصور/ المفهوم" الذي حكم قراءة إيران، وأهم فاعل في المحور بعدها حزب الله، لإسرائيل بما في ذلك توقّع سلوكها وخطواتها، عنصرًا حاسمًا في ما آلت إليه الأوضاع منذ بداية حرب الإبادة على غزة.

منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية- الأميركية على إيران التي استمرت 12 يومًا في حزيران/يونيو 2025، لم تتوقف النقاشات داخل الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية بشأن نتائج هذه الحرب وانعكاساتها على برنامجي إيران النووي والصاروخي، فقد مثّلت الحرب، من المنظور الإسرائيلي على الأقل، نقطة تحوّل استراتيجية في التعامل مع ما يسمى بـ "التهديد النووي الإيراني". إذ لم تقتصر نتائجها على إضعاف مكونات أساسية من البنية التحتية للبرنامج النووي فحسب، بل كشفت أيضًا عن القدرات الإيرانية الفعلية، ولا سيما الصاروخية منها، في مقابل محدودية قدرات منظومة الردع التي اعتمدت عليها إيران سابقًا في مواجهتها مع إسرائيل حتى اندلاع الحرب.

وعلى الرغم من أن غالبية النقاشات الإسرائيلية تشير إلى أن الحرب نجحت بالفعل في إعادة البرنامج النووي الإيراني خطوات كبيرة إلى الوراء، بحيث لم تعد إيران، تُصنَّف كدولة "على عتبة النووي" كما كانت عشية اندلاع الحرب، إلّا أن إسرائيل ظلّت تتصرف وفقًا لإدراك مفاده أن إيران ما تزال تحتفظ بقدرات متبقية يمكن توظيفها مستقبلًاً في مساعي إعادة بناء برنامجها النووي، إذ تشير التقديرات إلى أن إيران قد تتمكّن من استعادة مكانتها كدولة "على عتبة النووي" خلال فترة تتراوح بين عام وعامين في حال اتخاذ القيادة الإيرانية قرارًا استراتيجيًا بالاختراق نحو القنبلة النووية، وفي ظل غياب تدخّل خارجي مُعيق (ضربة عسكرية إسرائيلية/ أميركية).

وفقًا لهذا المنطق، فإن هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ظلّ الهدف المركزي في الاستراتيجية الإسرائيلية الأمنية لضمان "تفوقها" في المنطقة، سواءً عبر تسوية سياسية- أمنية مع الولايات المتحدة تحرمها من هذه القدرة، أو من خلال "إنفاذ قسري" عبر هجمات عسكرية أو عمليات سرية تحول دون أي جهد إيراني لإعادة تأهيل البرنامج النووي، في ضوء استراتيجية "الحملة الشاملة ضد إيران" التي تحقّق لها أيضًا بالإضافة إلى منع إعادة إحياء برنامجها النووي: إضعاف النظام وصولاً لإسقاطه، الحدّ من نشاط ونفوذ إيران الإقليمي (وبشكل أساسي دعم إعادة تأهيل حزب الله)، وتقليص قدراتها الصاروخية. من جهة، يُشير هذا التوجه، إلى أن أولوية إسرائيل تكمن في دفع الولايات المتحدة لشنّ حرب شاملة على إيران تقود لتحقيق الأهداف المذكورة. لكن من جهة ثانية، فإن عدم نجاحها في ذلك يقودها إلى إبقاء الحرب ممكنة عبر تأجيج التصعيد وتغذيته، والنظر للتوتر بحدّ ذاته على أنه موردًا يمكن استثماره لتحقيق أهداف بعيدة المدى.

الاعتبارات الإسرائيلية الكامنة وراء تأجيج أجواء الحرب

  1. الاعتبارات الأمنية- العسكرية

منذ 7 أكتوبر، تتصرف إسرائيل وفقًا لـ "فهم/ تصور" أمني- عسكري بحت يستند إلى القاعدة الإسرائيلية العسكرية القديمة القائلة بأن "خير دفاع هو الهجوم". هذا "التصور" لا يكتفي بمحاولات احتواء "المخاطر/ التهديدات"، بل بالانخراط المباشر في "إحباطها" عبر التدخّل العسكري المباشر، وهو ما يضمن لها تحقيق "الهيمنة الإقليمية" غير القابلة للكسر. وقد بدا ذلك واضحًا في سلوكها العسكري في غزة، لبنان، اليمن وإيران على مدار أكثر من عامين.

في الملف الإيراني، تنظر إسرائيل إلى نجاح نظام الثورة الإسلامية في التعافي من آثار الحرب والاستقرار الداخلي بوصفه انتصارًا لإيران. يُعزّز هذا المنظور النزعة الانتقامية تجاه إيران والتي ازدادت حدّتها بعد تمكّن النظام من الصمود أمام الهجمات العسكرية الإسرائيلية المباغتة والواسعة خلال "حرب 12 يومًا"، وتمكّنه من استعادة التوازن بشكل مكّن إيران من توجيه ضربات عسكرية موجعة لإسرائيل (ما تزال الأخيرة تخفي تفاصيلها الدقيقة حتى الآن)، تسعى إسرائيل للاستفادة من نزعة العداء التاريخي الطويل الذي تكنّه حليفتها الاستراتيجية الولايات المتحدة لإيران، وذلك لضمان انخراطها العسكري المباشر في المنطقة ضدّ إيران.

من جهة، يضمن الانخراط الأميركي المباشر ضدّ إيران لإسرائيل الحفاظ على "التفوق الإقليمي" دون تحمّل تكلفة الحرب الشاملة كما حدث في "حرب 12 يومًا". من جهة ثانية، ثانية، يضمن هذا الانخراط مركزية إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية في ظلّ تحولات الموقف الأميركي من شبكة حلفاءها في أوروبا على سبيل المثال. من جهة ثالثة، تسعى إسرائيل لتعزيز روايتها بالاستفادة من حالة التصعيد الحادّ، إذ ترى في كل فشل أميركي- غربي في احتواء إيران يُعزّز من سرديتها حول إيران كمصدر دائم للتهديد ضدّ المشروع الأميركي- الإسرائيلي، والمشروع الغربي بشكلٍ عام، ولذلك، هي لا تعارض الدبلوماسية مع إيران، وإنما تعارض نجاحها بشكلٍ حاسم. من جهة رابعة، يوفّر الانخراط الأميركي وحالة التصعيد الحادّ الحالية لإسرائيل هامشًا إضافيًا لإظهار قدراتها، بما يعزّز من "الردع" الذي أعادت بناءه منذ 7 أكتوبر، في مقابل "محدودية" قدرات إيران على مستوى القدرات الذاتية، والتحالفات الدفاعية والهجومية. وبما يضمن في الوقت نفسه مركزية.

في الملف الإيراني، تنظر إسرائيل إلى نجاح نظام الثورة الإسلامية في التعافي من آثار الحرب والاستقرار الداخلي بوصفه انتصارًا لإيران. يُعزّز هذا المنظور النزعة الانتقامية تجاه إيران والتي ازدادت حدّتها بعد تمكّن النظام من الصمود أمام الهجمات العسكرية الإسرائيلية المباغتة والواسعة خلال حرب حزيران

  1. الاعتبارات السياسية الدولية والمسألة الفلسطينية

علاوةً على الاعتبارات الأمنية- العسكرية التي تسعى إسرائيل لتحقيقها من حالة التصعيد الأميركي–الإيراني وبما يعزّز من مركزيتها كشريك استراتيجي مركزي في المنطقة، وبما يؤمن الدعم الأميركي العسكري والسياسي لإسرائيل بما يضمن تعزيز "هيمنتها الإقليمية" بشكل مستمرّ، تسعى إسرائيل أيضًا للاستفادة من هذا التصعيد في مسعى إعادة تشكيل تحالفات إقليمية تقودها هي، بما في ذلك علاقات إسرائيل مع بعض الدول العربية، التي ترى في إيران تهديدًا مشتركًا على الرغم من تحفظات بعض هذه الدول على خيارات إسرائيل العسكرية في بعض الأحيان. من ناحية ثانية، تسعى إسرائيل للحفاظ على حالة التوتر القائمة، بل وتصعيدها، عبر قنوات اتصالها المباشرة مع الإدارة الأميركية، بما يضمن لها إعادة إنتاج نفسها ك "كنز أمني" للغرب والولايات المتحدة لمواجهة التهديدات في المنطقة، وذلك بعد أن تحولت خلال حرب الإبادة إلى عبء أخلاقي وما أفرزه ذلك من تحولات واسعة في المجتمعات الغربية في النظرة إليها.

من ناحية ثالثة، تنظر إسرائيل لحالة التصعيد التي تغذيها بنفسها على أنها "ميزة" تعزز من قدرتها على الدفاع عن سياساتها في أماكن أخرى باعتبارها "ضرورية لأمنها القومي"، في هذا السياق، ترمي للاستفادة من حالة التصعيد الحالية المستمرّة، حتى وإن لم تفضِ لحرب أميركية شاملة، لإزاحة المسألة الفلسطينية عن أجندة النقاش الدولي، عبر الدفع بخطاب "الخطر الإيراني" إلى صدارة الخطاب الأمني والسياسي في المنصات الدولية. إن هذا التحول يسمح لإسرائيل بتقليل الضغط الدولي ضدّ سياساتها الاستعمارية في فلسطين، لا سيما في قطاع غزة والاستحقاقات المرتبطة بالانتقال لمرحلة جديدة من اتفاق وقف إطلاق النار.

  1. الاعتبارات السياسية الداخلية

على الرغم من أولوية الاعتبارات السابقة على الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، إلا أنها تظلّ حاضرة وتسهم في صوغ أولويات السياسة الإسرائيلية تجاه القضايا المختلفة. في هذا السياق، يساهم التوتر مع إيران واحتماليات اندلاع الحرب في فرض حالة من "الوحدة الظاهرية" حول "تهديد مشترك"، وبما يخفف من حدة بعض الانقسامات الداخلية، لا سيما في ضوء التعقيدات المرتبطة بـ "قانون التجنيد" وتأثير ذلك على مستقبل الحكومة، وسيناريوهات إجراء انتخابات قبل موعدها نهاية العام الحالي.

من ناحية ثانية، لا يُمكن إغفال اعتبارات اليمين الإسرائيلي في هذا السياق، ففي الوقت الذي يسعى فيه بنيامين نتنياهو لتعزيز قوته وقوة معسكر اليمين قبيل الانتخابات، وهو ما حدث بالفعل بعد حرب حزيران حيث ارتفعت شعبية نتنياهو واليمين، فإنه يسعى في الوقت نفسه لدفع الولايات المتحدة باتجاه تغيير النظام بشكل جذري في إيران، بما يسجّل لنتنياهو ولليمين أنهم هم من أنهوا فصلاً طويلاً من "التهديد الوجودي" الذي شكّله "طوق النار الإيراني الممتد من طهران إلى غزة"- بحسب خطاب اليمين المستمر منذ عقدين على الأقل- في مسعى للتصدّي للرواية الداخلية حول أحداث 7 أكتوبر، كأكبر فشل سياسي وأمني لإسرائيل، سُجّل في عهد الحكومة الحالية.

كلمات مفتاحية
نجل الشاه ونتنياهو

"مات الشاه عاش الشاه": النفط الإيراني بين إنارة إسرائيل وسوط العقوبات الأميركية

شكّل تأمين النفط منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين هاجسًا استراتيجيًا بالغ الخطورة، في ظل العداء البنيوي الذي ربط هذا الكيان بدول المنطقة العربية

معرض القاهرة للكتاب

الأسعار والرقابة والازدحام: ثلاثية الجدل في معرض القاهرة الدولي للكتاب

تُعد الدورة الـ 57 الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب الأكبر في تاريخه، من حيث حجم المشاركة وتنوع الفعاليات

إذاعة جيش الاحتلال

إغلاق إذاعة جيش الاحتلال: الواقع الإسرائيلي من "الخطابة الى صوت الرجل الواحد"

لم يكن قرار إغلاق إذاعة الجيش الإسرائيلي "غالي تساهل" إشارةً إلى انتهاء دورها الحيوي في المجتمع الإسرائيلي، بل تأكيدًا على إنجاز وظيفتها في لحظة تاريخية محددة

لاريجاني وبوسعيدي
سياق متصل

لاريجاني في مسقط ونتنياهو إلى واشنطن: ما دلالات التحركات المتزامنة؟

التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في مسقط، سلطان عُمان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي

حمزة عرباوي
قول

في أربعينه: رسالة إلى طارد الضباع حمزة عقرباوي

عزيزي طارد الضباع عن حيّنا، حمزة عقرباوي

ملفات إبستين
سياق متصل

مكتب التحقيقات الفيدرالي: جيفري إبستين عميل للموساد الإسرائيلي

كشفت الدفعة الجديدة من الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأميركية عن روابط تشير إلى أن المموّل الأميركي جيفري إبستين كان يعمل لصالح جهاز "الموساد"

فيضانات تيطوان
مجتمع

فيضانات المغرب تتفاقم.. خسائر بشرية ومطالب بإعلان مناطق منكوبة

لم تكد مناطق واسعة من شمال المغرب وغربه تتنفس الصعداء من تداعيات العاصفة "ليوناردو"، حتى استقبلت من جديد المنخفض الجوي "مارتا"