عن الاحتراب الأهلي اللبناني و

عن الاحتراب الأهلي اللبناني و"الشطّافة"

الشطافة كرمز جديد للطائفية في لبنان (pinterest)

تكاد "الشطافة" في مفهومها الإبتسمولجي، وعلاقتها بالمعرفة الاجتماعية وفلسفة العيش واليوميات، أن تؤسس لعلم حديث يتعلق بأدلجتها، وعلاقتها بما صار له خطاب وهوية في الطائفية اللبنانية بـ"التفوق الجيني".

الشطاف، في المفهوم اللبناني، هو عبارة عن تطييف للتنظيف اليومي، ومنهج تفكيري يقيم في فكرة الحرب التي لا تزال حاضرة بكل عدتها

وهذا التفوق على سطحيته وتفرعه من "أفاهيم" قبلية وزاخرة بالتأخر والرجعية، يعيد للشطافة التي تستخدم في حمامات بعض اللبنانيين، وهجها ويجعلنا أمام معرفة جديدة لها، وتعمق بنيويتها في الخطاب اللفظي اللبناني وبمسارات العنف والاحتراب الأهلي ومضامينه، وما تحمله من مفاخرة باستخدامها من قبل فئة دون أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: هل العلمانية كافية لمواجهة الطائفية في لبنان؟

وهذه المفاخرة تشابه الخطاب الذي تروجه فئة ثانية من اللبنانيين من انتهاجها أساليب عيش واستخدامات، تقول إنها تتفوق بها. والحال، أن لا هذه الفئة ولا الأخرى، تتشاركان بهذا بأي تفوق حضاري، إنما تتفوقان على بعضهما في تمازج خطاب الكراهية بالعصبيات. وتعيد اليوم قصة الشطافة في منشور على فيسبوك، هذا التمازج، إلى الواجهة، بكونه صورة عن لبناننا المقيم في نفاياته الواقعية والمستعارة.

والشطاف كما تقول ويكيبيديا عربية: "هو رشاش ماء يمسك باليد، ويستعمل لغسل الأعضاء التناسلية والشرج بعد التبرز والتبول"، أما في المفهوم اللبناني و"ويكيبيديا" مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، هو عبارة عن "تطييف" لهذا النوع من التنظيف اليومي، ومنهج تفكيري يقيم في فكرة الحرب، التي لا تزال حاضرة بكل عدتها وعاداتها ومصطلحاتها.

ففي بلد منقسم عاموديًا وأفقيًا، لا بد من أن تشكل نكتة سمجة محور جدال، تدور فيه فكرة مضخمة عن لبنانيتنا المزعومة، المنغمسة في طائفيتها. وللطائفية خطابها وأيضاً نكاتها وهي على قدر ما توفره من ضآلة التبسم والإضحاك في هذا البوست، ترمز فعليًا لاحتراب الأهل فيما بينهم؛ تراكيب ونسائج اجتماعية ودينية وطبقية وطائفية تتكوم فوق بعضها على شكل تعليقات وتغريدات، ولا تحفل إلا بذخيرة الحرب التي امتدت منذ 1975 إلى أبواب عام 1990، مع توقيع اتفاق الطائف الذي يرشح في الأصل طائفية مقيتة وتحاصصًا ميليشوي.

ويضمر الاحتراب اللبناني في فورة اقتتاله أيام العنف والخطف الطائفي والقتل على الهوية، نظرةَ الأهل إلى بعضهم. وبمعنى آخر: كيف يرى هؤلاء في تقاربهم وابتعادهم أصول التنافر؟ 

ولكل مجتمع حتى لو اتسع أو ضاق، أساليبه في التباعد والتمايز عن "الآخرين". لكن ما توصل إليه اللبنانيون، وفق تفرقهم ونزعتهم إلى التنافر، أن تصبح الشطافة قضية شبه وطنية، وتثير أسئلة حول الانتماء الفردي إلى الطائفة، والنظرة إلى فكرة الهوية الوطنية من باب "التشطيف" على ما يضمره من أسلوب حياتي يومي عند المسلمين دون سواهم، وهي نظرة تعميمية وخاطئة وملتبسة، لكنها على مزاحها في بعض المجالس، تحتمل بالجد نظرة اللبناني إلى الآخر؛ اللبناني المسيحي إلى اللبناني المسلم والعكس أيضًا.

والقصة بدأت بعد أن دون أحدهم، وهو مسيحي من اسمه -كما يحلو لكثيرين في لبنان تمييز أصولهم وطوائفهم من خلال الأسماء التي يورثونها من أهلهم وأنسابهم- على فيسبوك، بتدوينة قال لاحقًا إنها مجرد مزحة.

لكن لا مزاح بين مزارع مشدودة العصب الطائفي والقرائبي والعائلي، والمقيمة في نفوسها نزعة التحارب والعنف. وهذا المزاح لا بد من أن يخرج قيء الطوائف على عواهنها، إلى العلن، وبهذا السيل المقيت فلن تنفع أي شطافة في مسحه، وإزالة وسخه الكثير المذرر على جدران فيسبوك وتويتر.

 لذا جاءت التدوينة بصيغتها التافهة مثيرة للغرائز، وتعبيرًا عما حدثته من تعليقات عن هذا النسيج اللبناني الذي لم تعلمه حرب الأهل لا النسيان ولا التصالح ولا التجاوز والتجاور، بل علمته الكتمان والحذر والخوف، وزادت فيه اللؤم والكره.

وكأن هذا الجيل اليوم هو أكثر تعلقًا بمشاعر الحقد الذي كان في زمن الحواجز والمليشيات، يبنيه لبنة لبنة من خلال عالم الافتراض و"الهاشتاغات"، ويستمده كلما حانت لحظة العنف الكلامي، التي تضمر في ألفاظها منابت عدم التعايش الأهلي، ذاك الذي يتغنى به زعماء الطوائف والأحزاب؛ فلا عيش في بلاد يأكلها العفن الطائفي ونزعات التفوق والسخرية من الآخر، وعدم الشعور بالمواطنة، ولا مواطن فيها إلا المنتمي إلى مزارعه.

ووفق التدوينة، كتب المدون: "اليوم جربت الشطافة، بكرا رح آكل السلطة بالملعقة. خطوة خطوة نحو التعايش". وتدوينة الشاب، على "ساركازمها"، تحيلنا على الفور إلى ما أثارته لا على مضمونها، بل على التصاقها في الجماعات المتخيلة، المصطلح الذي أسسه بندِكت أندرسون في دراسته عن القوميات.

فالجماعات المتخيلة، لبنانيًا، هي جماعات تنظر إلى بعضها بناء على سلوكيات وأنماط، وتتعاطى مع بعضها من مبادئ "أعلى وأدنى"، وتستخدم في تراشقها وردحها الطائفي نماذج لغوية بائدة، تقوم أصلًا على التعريف بالآخر من باب التمايز عنه أو التقليل من شأنه أو استعارة أنماطه وسلوكياته، لتعييبه أو لتغريبه عنها.

تستخدم الجماعات المتخيلة لبنانيًا في تراشقها وردحها الطائفي نماذج لغوية بائدة، تقوم على التعريف بالآخر من باب التمايز عنه أو التقليل منه

وكلها نماذج نراها بأم العين على شكل كلمات تسيل فوق بحر السوشيال ميديا بلا رقيب، وتقربنا كل يوم من حقيقتنا المرّة: أننا جماعات لم نتعلم العيش معًا، والأبشع أننا أورثنا جيلًا بكامله مخاوف أهله ونزعتهم إلى العنف والتربص بالآخر، ولا تزال فكرة قطاع الطرق (هي اليوم طرق افتراضية)، حاضرة بقوة في تعاطي اللبنانيين مع بعضهم. الشطافة في نسختها اللبنانية اليوم، فكرة وافية عن نسيجنا المتهالك بعصبياته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

واقع "الهشك بشك" في لبنان

لبنان الوحيد.. لبنان العنيد