عن الأدب والحرب

عن الأدب والحرب

لوحة لـ تمام عزام/ سوريا

كان الروائي الإنجليزي اي ام فورستر أثناء الحرب العالمية الأولى "جنديًا قانطًا في خندق مترع بالجثث". يتذكر، بعد ذلك، كيف أنه في العام 1917، وكانت أهوال الحرب في أوج هذيانها، راح يتسلى بقراءة "بروفورك وقصائد أخرى" للشاعر ت. س. إليوت. ويقول فورستر إنه كان سعيدًا "بقراءة قصائد بريئة من الروح العامة"، ومنتشيًا بالوقوف أمام "أشخاص يملكون خلو البال ليشكوا سأمهم من ثرثرة الصالونات ومرافقة السيدات"، مؤكدًا أن ذلك الرجل الذي كان بإمكانه الانسحاب جانبًا للشكوى من هذه الهموم الصغيرة قد "احتفظ بقطرة من احترامنا لذاتنا، ومضى مستمرًا بتراثنا الإنساني".

غدا إميل سيوران، فجأة، نجمًا فيسبوكيًا، وصارت مقطوعاته المنددة بالحياة والمبشرة بموت أي معنى، تنافس طرائف برناردشو وأشعار أحمد مطر ومقبوسات دستويفسكي

بالطبع تلقى الكاتب تقريعًا على اعترافه هذا. لقد اتهم بأنه بارد ولامبال إزاء ما يدور حوله، قلب فظ لا يعبأ بالآلام الإنسانية..

اقرأ/ي أيضًا: وحش "الكلام الفارغ".. أو لماذا صرت أخاف من الكتابة

غير أن جورج أورويل كتب مدافعًا عنه: "الحقيقة هي أنه في عام 1917 لم يكن هناك شيء بإمكان شخص مفكر وحساس فعله سوى البقاء إنسانيًا.. ولفتة عن اليأس، أو حتى عن العبث، قد تكون أمثل طريقة لفعل ذلك. لو أني كنت جنديًا أقاتل في الحرب العظمى، كنت أفضل لو أني حصلت على نسخة من (بروفورك).. لكنت شعرت، مثل السيد فورستر، أنه بمجرد الوقوف بنأي وإبقاء صلة مع عواطف ما قبل الحرب، كان اليوت مستمرًا بالتراث الإنساني".

ويستعين أورويل بهنري ميلر الذي قال مرة: "إذا عشت في خضم حدث تاريخي كبير فإما أن لا تنتبه له.. لا تعبأ به، وعندها تكون أحمق كبيرًا، وإما أنك تنفذ إلى عمقه لتكتشف استحالة مجابهته، أو حتى تغيير مساره، فتستسلم له".

إحدى الراحتين

غدا إميل سيوران، فجأة، نجمًا فيسبوكيًا، وصارت مقطوعاته المنددة بالحياة والمبشرة بموت أي معنى، تنافس طرائف برناردشو وأشعار أحمد مطر ومقبوسات دستويفسكي ونكات تشرشل..

"ليس من برهان على ما بلغته البشرية من تقهقر، أفضل من استحالة أن نعثر على شعب واحد، أو قبيلة واحدة، ما زالت الولادة قادرة أن تثير فيها الحداد والمناحات".. هذه الشذرة من كتابه "مثالب الولادة" ما تزال تسجل ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة التداول بين مجموعات فيسبوكية كثيرة.

اللامعنى الذي لا شفاء منه، الموت المحوم فوق رؤوسنا، تفنيد مثالب الولادة، الحث على الانسحاب من العالم، تمجيد العزلة.. فما الذي يبحث عنه قراء العربية عند فيلسوف اليأس هذا؟ ما الذي يجدونه في شذراته؟

إدغار موران: "سفينة فضائية، هي الأرض، تبحر على متنها الإنسانية.. بأربعة محركات غير مراقبة: العلوم، التقنية، الاقتصاد، الربح"

اقرأ/ي أيضًا: من هم الكتّاب المفضلون لكبار الروائيين العالميين؟

ربما هو الصوت الذي يخبرهم بأن محنتهم الراهنة، هزائمهم، همومهم الثقيلة، أحلامهم المحبطة.. ما هي إلا أعراض لداء أكبر هو الوجود الإنساني نفسه. وبالتالي فلا شيء يستحق كل هذا التحسر وكل هذا الضيق.. إنهم شركاء البشرية في مصيبتها الأصلية.  

حالة خاصة

"سفينة فضائية، هي الأرض، تبحر على متنها الإنسانية.. بأربعة محركات غير مراقبة: العلوم، التقنية، الاقتصاد، الربح... تتجه هذه السفينة الفضائية نحو كوارث دون أن يتمكن أحد من التحكم فيها". هذه هي الصورة التي يرسمها إدغار موران، في كتابه "ثقافة أوروبا وبربريتها"، لعالم اليوم.

ماذا نقول عن بلادنا إذًا؟

ربما يصح هذا: "سفينة عتيقة، هي بلادنا، تبحر على متنها شعوبنا.. بأربعة محركات غير مراقبة: الاستبداد الأعمى، شهوة القتل، جشع الجراد، الأمية الفخورة بنفسها... تتجه هذه السفينة نحو حتفها دون أن يتمكن أحد من التحكم فيها".

 

اقرأ/ي أيضًا:

نقاد القلوب الطيبة

النصوص من كواليسها