عند حدود بلدانٍ كثيرة

عند حدود بلدانٍ كثيرة

سندس عبد الهادي/ العراق

1

كنتُ أتقيأ نهايةً للحزن 
للصورة المكسورة التي ضيعتها وأنا بنصف وجه
لشتائم الباعة أمام سِجن عدرا المركزي في دمشق 
لصُراخ سائقي التاكسي الصفراء 
ورائحة العجوز الكريهة وهي تغني أمام حماماتِ النِساء هناكَ
أتقيأ مشاجراتٍ للرجِال حينَ ينسون عقولهم في جيوب بذلاتهم 
أُراقب المشهد عند سور ذلك السجن الكريه 
وأمضي أنا وعائلتي ساعاتٍ كثيرة للحصول على إذنٍ لزيارة أبي 
ذات مرة كنتُ في حافلةٍ مخصصة لنقل رُكاب وزوار السجن حين تتداخلت ذاكرتي بمقاطعٍ تعجُ بالفوضى..
كيف لكل هؤلاء اللصوص وتجار المخدرات والمهربين أن يتواجدوا في نفس الزنزانة؟
الذاكرة وندوبها حين تتضاعفُ في أجسادنا مهما تغيرت ملامحنا وبيوتنا
وجنسياتنا ومدننا الجديدة 

2

في أيام اللجوء الأولى
الهواء أكثرُ ثقلًا في مدنٍ أقلُ حزنًا
هو الخوفُ من اللانهاية حينَ يسودُ الصمت العميق 
تقلبات الهواء بعيدًا عن الرصاص 
أغرسُ يدي اليمنى في لوحةٍ تمثلُ زوبعةً 
أستعيرُ الجمال منها وألُقي الثقلَ وكل التأملات المضطربة
في وحلٍ تلوثَ به حِذاءُ جنديٍ دخلَ مقبرةً نهبها ولم يخرج..
وحينما يعودُ الهواء خفيفًا
ألوحُ للخراب بيدي اليسرى 
وأمتلئ بالحياة أكثر.
 
3

في كل فترة أفقدُ أحبةً لي 
حاملينَ معهم وجوههم وأقفاصهم الصدرية النقية 
ومراياهم البسيطة
ومظلة مفتوحة كمطرٍ يتجولُ فيها الماء 
في كل مرةً أفقدُ غصنًا هشًا 
لعابرِ سبيلٍ يتغطى بمغريات المدن بوجهٍ شاحب 
ويعتذر لذكرياته وقصائده 
بطريقةٍ غير مؤذية.

4

في كل مدينةٍ أدخُلها تتعلقُ لغتها بأكمامِ قميصي 
بأرقام أصدقائي القدامى ودخان سجائرهم 
في الأمس لمحتُ شابًا يلتقطُ صورًا لقططٍ نائمةٍ عند حاوية القمامة 
مغني المقهى يغمزني ويبتسمُ لراقصةٍ عارية 
لأي بعيدٍ كنتُ أنظرُ حينها؟
وعن أي مدينةٍ كنتُ أنبشُ بين المكبات بعينٍ منفوخة 
دون أن أجد أثرًا لنهرٍ في طريقي؟

5

في كل المدن التي دخلتها تماثيلٌ ترحب بنا 
لا رائحة للبارود بين أحضانها 
وتماثيل مدننا لا زال نصفها شامخًا حتى لو غمرتها الحرب
بشظايا حامضة وجراحاتٍ مميتة 
تماثيلنا البلهاء وحدها 
تَعِيش طويلًا على بلاط الرصيف.

6

في الليل أتغطى بوجه أبي 
وبذكرياتِ عانسٍ لطالما اعتمرت قبعة
تُخفي بها قصائدها المسكينة..
هل بقي لي متسعٌ من الروح لم يمارس الصراخ 
ولم تشطره القذيفة نصفين 
مابين وجعٍ وألم؟

اقرأ/ي أيضًا: 

أشياء لا تحتاج إلى تماثيلَ لحملها

جسد منخور بالرصاص