عنا، نحن هؤلاء الضحايا

عنا، نحن هؤلاء الضحايا

الشرطة المصرية تمنع المتظاهرين من المرور (ألترا صوت/ مصطفى الأعصر)

1

سعيد لم يكن سعيدًا بقدر اسمه، هو شاب مسلم ملتزم، يواظب على أداء الصلوات الخمس في المسجد، لديه لحية خفيفة تزيد وجهه الأسمر وقارًا، يعمل في مجال "السباكة"، يتسلم الشقة وليس بها نقطة مياة واحدة، ليسلمها لصاحبها بعد أن أصلح كل وصلات المياه والصرف.

في مصر، سعيد المتهم بالإرهاب مستمر في الهرب، لا يجد قوت يومه، ولا يدري ما يفعل، بل إنه لا يدري ما فعل

ذات يوم، كان يعمل لدى رجل عجوز فقد سيارته "المرسيدس" في حادث تفجير إرهابي بالقرب من منزله، تملكه الغضب والسخط على كل من لهم صلة بالجماعة الإرهابية -على حسب زعمه- بدأ الشك يتسلل إلى قلب العجوز بخصوص سعيد، إنه شاب ملتحٍ يذهب لأداء الصلوات في المسجد، إنه منهم، إرهابي يسعى لتدمير كل ما صنعه في حياته، لم يطرد سعيد بل فعل ما هو أشنع، أبلغ عنه قوات الأمن.

اقرأ/ي أيضًا: أيادي السيسي الناعمة

فجأة جاءت سيارات الشرطة وحاصرت المنزل، لم يكن لدى سعيد أي شيء يجعله يخشى ضباط الشرطة لولا أنه نظر من الشرفة، ليجد الرجل العجوز وكأنه يصف شكله للضابط ويشير إلى مدخل العمارة، حينها أدرك أنه تم الإيقاع به في شيء لا يعلمه بعد، هرب ووُضع اسمه على قائمة المطلوبين من الإرهابيين، وأصبح لا يجد عملًا، فقد شاع صيته أنه إرهابي شارك في بعض العمليات ومطلوب القبض عليه، كما نُشرت صورته في الأخبار ضمن المطلوبين على وجه السرعة. 

كلما حاول العمل عند أحد الزبائن، يقوم بالإبلاغ عنه، وحتى الآن سعيد مستمر في الهرب، لا يجد قوت يومه، ولا يدري ما يفعل، بل إنه لا يدري ما فعل.

2

ينادونه متولي بيه نسبة إلى عائلته. ضابط صغير برتبة نقيب، يقف كغيره من الضباط في كمين شرطة عسكرية مكشوف على الطريق مع عدد من العساكر تحت إمرته ومسؤوليته. العساكر تقف في مواقع الخدمة في حالة استعداد لأي هجوم، البنادق الآلية معبأة بالذخيرة الحية الجاهزة لقتل أي معتدٍ.

نُشرت صورة الضابط على أنه البطل الشهيد، بينما لم يُذكر أحد من العساكر الذين كانوا معه

متولي بيه هو الضابط الوسيم المثالي، ذلك الذي تتبادل الفتيات صورته على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تمر سوى خمسة أشهر منذ إعلان زواجه، زوجته حامل في شهرها الثالث، ينتظر أن يكون المولود فتاة جميلة تشبه والدتها. 

اقرأ/ي أيضًا: اسم الله عليكِ يا مصر

ليلًا، حدث هجوم على الكمين من شخصين ملثمين يركبان دراجة نارية، أطلقا النيران بعشوائية على الكمين، وبادلهم عساكر الخدمة النيران حتى قتلوهم، ولكن سقط ثلاثة عساكر وفقد عسكري رابع عينه اليسرى، بالإضافة إلى متولي بيه الذي سالت دماؤه على الأسفلت معلنة نهاية حياته قبل أن يرى أسرته للمرة الأخيرة.

أما العسكري الذي فقد عينه اليسرى فهو شاب يؤدي خدمته العسكرية، تخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بتقدير جيد جدًا، تعلم الفرنسية وأجادها إجادة تامة، وكان يأمل في يوم من الأيام أن يصبح سفيرًا لوطنه في فرنسا، هذا كله قبل أن يفقد عينه ويفقد معها الأمل في الحلم الذي تمناه. 

نُشرت صورة متولي بيه في الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي على أنه البطل الشهيد، وتبادلتها الفتيات على صفحاتهن باكياتٍ على وسامته التي ضاعت سدى، وعلى أسرته الصغيرة وزوجته المسكينة، بينما لم يُذكر أحد العساكر بشيء.

3

مرت مسيرة إخوانية ترفع شعارات "رابعة" وتهتف بالشرعية من أمام المحل الذي يعمل به شاذلي، خرج ليحمي زجاج المحل ويرى ما يحدث. ظهرت قوات الشرطة وأمطرت المتظاهرين بقنابل الغاز المسيّل للدموع وطلقات الخرطوش، هرب المتظاهرون إلى كل مكان بعيد عن الغاز والخرطوش، دخل بعضهم جبرًا يحتمون بالمحل الذي يعمله به شاذلي، دخلت قوات الشرطة المحل وقبضت على كل من بالداخل، ومن بينهم شاذلي الذي حاول تكرارًا دحض التهمة ولكن لا أمل.

لا رابح ولا خاسر في حكايات الناس الواقعية، فكلهم ضحايا وحسب

شاذلي شاب في السنة الأخيرة من كلية الهندسة قسم "عمارة"، يعمل في الصيف في محل بيع وصيانة هواتف محمولة، وُجّهت إليه تهم كثيرة، من بينها تهديد الأمن العام، والانتماء إلى جماعة إرهابية، وحيازة سلاح، والمشاركة في عمليات إرهابية، من بينها العملية التي استشهد فيها متولي بيه وعساكره.

اقرأ/ي أيضًا: اقتلوا الطاغية الذي نحيا بفضله!

ظل شاذلي يحيا في السجن على أمل المحاكمة العادلة التي ستمنحه البراءة، ظل هكذا قرابة المائتي يوم حتى نُطق الحكم النهائي بالسجن لمدة 15 سنة، نُشرت صورة شاذلي على صفحة وزارة الداخلية ضمن الإرهابيين المحكوم عليهم مؤخرًا.

4

تم القبض على بثينة في المسيرة التي قبض فيها على شاذلي، كانت تحمل لافتات رابعة، بالإضافة إلى صورة والدها الملتحي، تقول إنه استشهد في رابعة، وتقسم بالله أن والدها لا يقوى على ذبح دجاجة، وتصف كم كان مسالمًا طيبًا وديعًا، يحب الطيور والفراشات وصوت الأمواج، من المستحيل أن يحمل سلاحًا، بثينة لم تتجاوز عامها الثامن عشر، لديها أخ يكبرها بخمس سنوات قد أُلقي القبض عليه منذ ثلاثة أشهر في مسيرة إخوانية أيضًا، وهو الآن قيد المحاكمة.

بثينة فتاة غير محجبة، لا تنتمي للتيار الإسلامي، حاولت إقناعهم مرارًا دون جدوى، كل ما تفعله أنها تسعى إلى الحصول على حق أبيها، وإثبات براءة أخيها الذي كان يسعى لجلب حق أبيها من قبلها، تعرضت للكثير من التعذيب الذي لا تقوى فتاة على تحمله، والكثير من الإهانات والإذلال. ما أبشع السجن! واجهت العديد من التهم، مثلها مثل أخيها تمامًا، لم تعرف الأم المسكينة ماذا تفعل في بلوتها، ظلت تشكو لله لعله يسمع.. ظلت تزور ولدها وبنتها كل أسبوع، وتتبعهم بزيارة قبر زوجها، ثم تتضرع إلى الله مرة أخرى وتدعو بأن يريها في الظالمين عجائب قدرته.. وهي الآن في انتظار نطق الحكم على أطفالها، نُشرت صورة الأم المسكينة على صفحات الإخوان، وكُتب تحتها زوجة البطل الشهيد، ووالدة المعتقلين فك الله أسرهم.

5

كل ما سبق من محض خيالي، لا وجود لهذه الأسماء، ولكن تظل الحكايات سليمة في متنها وأكثر من ذلك بكثير، آلاف الحكايات على هذا المنوال، قد تحتاج لكتاب كامل لسردها وأكثر، حكايات من واقعنا المؤلم ليس فيها من رابح ولا خاسر.. فقط ضحايا.

اقرأ/ي أيضًا:

مصر.. عبودية الاستقرار

من فرانكو إلى السيسي.. الدكتاتورية حظوظ!