"علّم قطر".. فصل جديد من الرداءة الفنية في خدمة الدناءة السياسية

أغنية سياسية دعائية لفنانين سعوديين ضد قطر (يوتيوب)

"علّم قطر" هي آخر أدوات الحملة السعودية ضد قطر. أغنية أداها سبعة فنانين، وكتبها تركي آل شيخ وهو مستشار في الديوان الملكي السعودي. كما هو واضح فالأغنية عبارةٌ عن هجاء لقطر في مقابل تمجيد السعودية، لكن لم يكن هذا مُضرّها الوحيد بقدر رتابة لحنها وركاكة كلماتها، وهو ليس رأينا وحدنا، بل رأي 61 ألفًا على الأقل ممن استعموا لها وقرروا تقيمها سلبيًا في مقابل 58 ألف تقييم إيجابي لها على يوتيوب، وقت كتابة التقرير.

اجتمع 7 فنانيين لأداء أُغنية رديئة فنيًا، وموظفة سياسيًا لتعميق الشرخ بين مواطنين الخليج العربي، في إطار الحملة السعودية ضد قطر

الأغنية، إن صحّ وصفها بذلك، بمثابة توريطة من جهة وتوظيف من أخرى، لفنانيها في حملة الحصار على قطر، وما تحمله في جبعتها من تكريس لانقسام بين أبناء المنطقة العربية الواحدة، أصبح هؤلاء المغنين أداة لهذا الانقسام ووسيلة أخرى لتعميق الشرخ بين مواطني الخليج، فمهما سيحدث لاحقًا، سيكون من الصعب أن تعود المياه لمجاريها كما كانت تمامًا.

وقد انتشرت الأغاني السياسية الممجّدة للسلطات بشكل كبير في السنوات الأخيرة، خاصة في السعودية مدحًا للعاهل السعودي ونجله وليّ عهده، إضافة لمصر بعد الانقلاب العسكري. ويعيب غالبية هذه الأغاني رداءتها الفنيّة بشكل أساسي، خاصّة من حيث كلماتها الرّكيكة والمدحيّة بطريقة مباشرة ومبالغ فيها لدرجة مثيرة للسّخرية.

اقرأ/ي أيضًا: واشنطن بوست: حصار قطر يبوء بالفشل!

ولا يضير توظيف الفنّ في المشاريع السياسية على غرار الأغاني الوطنية الجامعة التي انتشرت قبل عقود، والتي لا زالت تُعرض لليوم في المناسبات الوطنية أو تلك التي تغنّت بالقضية الفلسطينية على غرار أوبريت "الضمير العربي".

لكن ما يعيب الأغاني الدعائية الأخيرة، بأنها توظّف الفنّ في حملات سياسية لتبيض الأنظمة القمعية ومهاجمة البلدان العربية الشقيقة، وهو ما جعلها أغاني رديئة شكلًا ومضمونًا، بتفاهة كلماتها ودناءة أهدافها، والتي بلغت لدرجة تقسيم المواطنين على غرار أغنية علي الحجار "احنا شعب وهما شعب". دفع هذا نشطاء إلى تقديم أغنيات للسخرية منها وللرد عليها.

والتالي رصد لأبرز الأغاني السياسية الدعائية المنتشرة خلال السنوات الأخيرة:

1. "عاش سلمان.. عاش الملك"

راشد الماجد وعبدالمجيد عبدالله، الذيْن يشاركان في "علّم قطر"، سبق وأن قدما معًا بعد أسبوع واحد فقط من تولي سلمان بن عبدالعزيز الحكم في السعودية عام 2015؛ أغنية تمجده بعنوان "عاش سلمان". وهي الجملة التي تم ترديدها ما لا يقل عن 20 مرة خلال أغنية مدتها أربع دقائق!

ويبدو أنه بسبب كثرة التعليقات السلبية على الأُغنية، أو ربما ليحفظ ماء وجهه أمام ملكه، أغلق راشد الماجد، الذي نشر الأغنية على قناته بيوتيوب، التعليق على مقطع الفيديو الخاص بالأغنية.

2. "استبشرت بالخير.. وجه محمد بن سلمان مثل الصّبح"

لم يكن مفاجئًا أن يشارك الفنان العراقي ماجد المهندس، الذي اتخذت بلاده موقف الحياد من حصار قطر، في أغنية "علّم قطر"، فقد سبق وأن قدّم قبل شهرين أغنية تمجيدًا في ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان بعنوان "استبشرت بالخير"، من كلماتها: "وجهك إذا شفته تباشرت بالخير.. متل الصبح ضوء شارق.. ولك في دروب الكل هيبة وتقدير".

ويبدو أن الأغنية لم تلق الصّدى المنشود، فبعد ستة أسابيع من نشرها، لم تحقق سوى 16 ألف مشاهدة فقط. وعلى غرار الأغنية السابق، قامت قناة ماجد المهندس على يوتيوب بإغلاق التعليقات على الأغنية.

3. "بشرة خير"

من أشهر الأغاني الدعائية سياسيًا في السنوات الأخيرة كذلك، هي أغنية "بشرة خير" للفنان الإماراتي حسين الجسمي، والتي أُطلقت قبيل الانتخابات الرئاسية في مصر عام 2014، لتشجيع المواطنين للمشاركة في الانتخابات التي انتهت بنسبة مشاركة ضئيلة. وقد كان مهمًا للنظام المصري أن تشهد الانتخابات نسبة إقبال كبيرة، ليروج من خلال ذلك لشرعية تحركه ضد محمد مرسي والإطاحة به، وأن خارطة طريقه مؤيدة من الشعب.

فشلت الأغنية في تحقيق مرادها، لكنها في المقابل لاقت نجاحًا كبيرًا بالانتشار بسبب إيقاعها، فقد تجاوزت عدد مشاهداتها على يوتيوب 251 مليون مشاهدة.

من مظاهر فشل الأغنية في تحقيق هدفها السياسي في الحشد للانتخابات، أنّ النظام المصري اضطر إلى مد فترة التصويت ليوم ثالث، وسط تشكيك منظمات ومراقبين حقوقيين في صحة الأرقام المعلنة عن نسب المشاركة في الانتخابات.

وردّا على الأغنية، قدّم الفنان الأردني سائد العجيمي، أغنية "احنا مقاطعين" بنفس لحن "بشرة خير".

4. تسلم الأيادي.. وتتشل الأيادي

قدّم مجموعة من الفنانين المصريين بقيادة الملحن والمغني الشعبي مصطفى كامل، ما يُسمى بأوبريت "تسلم الأيادي"، إهداء للجيش المصري، وذلك بعد أسبوعين فقط من بيان الثالث من يوليو 2013. وبطبيعة الحال تغنت الأغنية بعبدالفتاح السيسي، الذي وصفته بـ"الراجل الكريم". 

حققت هذه الأغنية انتشارًا كبيرًا، لكن ليس لجودتها وطربها، وإنما بشكل أساسي لرداءتها غير المسبوقة آنذاك، ومن جهة اُخرى بسبب الانقسام الحاد الذي كان يعيشه المجتمع المصري آنذاك، ما دفع مؤيدي السيسي إلى اعتبارها نشيدهم الوطني فقط لمجرد العناد مع المعارضين!

اللطيف في الأمر، هي الأغاني ومقاطع الفيديو الساخرة من اُغنية تسلم الأيادي، وعلى رأسها التي قدمها رسام الكاريكاتير المصري محمد أنديل.

هناك واحدة أخرى أيضًا بعنوان "تتشلّ الأيادي"، تضمّنت مقاطع مصوّرة من اعتداءات الجيش والشرطة على المتظاهرين.

5. "يا أبو دبورة ونسر وكاب.. فوضناك ضد الإرهاب"

في خضم دعوة عبدالفتاح السيسي لتفويضه من أجل محاربة الإرهاب، أو كما قال حينما كان وزيرًا للدفاع، في صيف 2013، بعد أسابيع قليلة من الإطاحة بمرسي، وهو ما اعتبر تمهيدًا لمجازر قوات الأمن من الجيش والشرطة ضد المتظاهرين في الحرس الجمهوري والمنصة وفض رابعة. في خضم ذلك قدّم ثلاثة فنانين أغنية دعائية بعنوان "يا أبو دبورة ونسر وكاب"، وهو تعبير يُستخدم للإشارة للرتب العسكرية والشرطية، وكان المقصود به في هذه الأغنية السيسي.

لازمت الرداءة معظم الأغاني السياسية الدعائية، وخاصة تلك التي ظهرت في مصر مُباشرة عقب انقلاب الثالث من تموز/يوليو 2013

وتضمنت الأغنية جملًا دعائية ركيكة، مثل "أنت يا سيسي رجل عظيم تستاهل مليون تكريم". كما وجّهت الأغنية شكرًا للدول العربية التي إما دعمت ومولت الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب في مصر، أو سابقت للاعتراف بشرعية بيان الثالث من تموز/يوليو 2013، وهي كل من السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. الشعب من دون قيمه

في المقابل، وبعد وقت، قدم رامي عصام الذي يُعرف أحيانًا بـ"فنان الميدان" والمقيم حاليًا خارج مصر؛ أغنية بعنوان "يا أبو دبورة وشورت وكاب"، تقول كلماتها "يا ابو دبورة وشورت وكاب.. ومباحث تنفيذ وآداب باستجواب بكلاب وعذاب.. روح اخبط راسك في الباب"، في إشارة للانتهاكات التي تمارسها الأجهزة الأمنية المصرية.

 

هكذا أتت " علم قطر" لتشكل إضافة جديدة فوق معجم الرداءة الفنية والاستخفاف بعقل المتلقي. لكن الأبشع من الرداءة والاستخفاف، بل وما يثير السخرية أكثر، اعتقاد أصحاب توجه التجهيل والتعمية والتضليل الفني والإعلامي أن ما يقدمونه منزل مقدس. في حين تسمح منصات الإعلام الاجتماعي، على الأقل، بتقويض الادعاءات وتوضح مدى سخرية ورفض جمهور، هو على الأقل أكثر عددًا من المطبلين المصفقين لكل ما تلزم ذائقتهم به الأنظمة القمعية عينها التي لا تغادر أدواتها وتستمر بالمراهنة عليها رغم مراكمة الفشل. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد تقرير الخارجية الأمريكية عن الإرهاب.. الإحراج مستمر لدول حصار قطر

دعابات السيسي المحرجة.. "أهلًا" بالتفاهة