علي فرزات والاستلاب للفكر اليومي

علي فرزات والاستلاب للفكر اليومي

غرافيتي على جدار الفصل العنصري

كان يمكن لمنشور علي فرزات، الذي أثار عاصفة فيسبوكية مؤخرًا، في صيغته المتقشفة الأولى "كل مين يقلع شوكه بايدو.. اللي فينا بسوريا مكفينا"، على وقع إعلان صفقة القرن الهادفة لتصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أن يكون كاريكاتيريذًا بامتياز، خاصة لناحية قدرته الايحائية بالتندر على الحالة التي صار عليها السوري بعد مرور تسع سنوات من حرب النظام عليه، والتي لم يعد قادرًا فيها على تضميد جراحه بنفسه، أو نزع شوكه بيده على طريقة فرزات المجازية في التعبير، فما بالك بجراح الآخرين ومنهم الجرح الفلسطيني المفجوع حديثًا بوعد ترامب إلى نتنياهو؟

يتساءل المرء عن سرّ الموقف الشعبوي لفنان مثل علي فرزات من قضية الشعب الفلسطيني في صراعه مع الاحتلال الإسرائيلي

إلا أن الصيغة التي استقر عليها المنشور بعد ساعتين من التحريرات المتلاحقة "كل مين يقلع شوكه بايده اللي فينا بسوريا مكفينا. اللي بيعمل بايدو الله يزيدو.. شفناهم فوق وشفناهم تحت بمأساتنا. وين كنتو لما تمت صفقة القرن بين عرفات كيسنجر وتابعها العراب عباس في اوسلو مع طرطور ايران هنية؟"؛ أظهرت أنه لم يكن في وارد فرزات إعلان النقد اللاذع لسياسات السلطة الفلسطينية في رام الله، أو سلطة حماس في غزة، بقدر ما تعلق الأمر بتعريضه بالجميع سلطات وشعب وفق صيغة "وين كنتو؟" الاستنكارية التي تحمل في طياتها تقريعًا شديدًا للشعب الفلسطيني، إما لناحية خنوعه أمام تلك القيادت أو تواطئه معها في القبول بتلك التسويات المذلة، وإلا كيف أمكن لهذا الرهط من التوابع والطراطير بالاستمرار بمواقعهم القيادية حتى يومنا الحاضر.

اقرأ/ي أيضًا: يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني.. في السوشال ميديا أوضح من الواقع!

يتساءل المرء عن سرّ الموقف الشعبوي لفنان مثل علي فرزات من قضية الشعب الفلسطيني في صراعه مع الاحتلال الإسرائيلي، ليجده في طريقته الذهنية القائمة على تبني الفكر اليومي واستنتاجاته السحرية، ذلك الفكر الذي يلجم صاحبه عن فهم الفروق الجوهرية بين موقف السلطة الفلسطينية السياسي من نظام الأسد، وموقف الشعب الفلسطيني منها، لناحية إصراره على المطابقة بين الموقفين كما لو إنهما من طبيعة واحدة، وكما لو أن الشعب الفلسطيني نوع من التجمع القبلي الذي تتطابق الرؤية الفردية لكل واحد من أفراده مع الرؤية السلطوية لقيادته.

كل ذلك في رغبة مضمرة لدى الرجل لتبرير التشفي بالسلطة الفلسطينية في مأزقها تجاه صفقة القرن "اللي من إيدو.. الله بيزيدو"، كما إمكانية سحبه على جمهورها المتهم وفقا لفرزات بالجبن والمداهنة لها.

من داخل البوست، ومن خارجه أيضًا، ظلت موجة التخوين عند فرزات ضد فلسطيني سوريا على حالها، بدليل إصراره على سرد أسماء عشرة تشكيلات فلسطينية مسلحة، يكاد حضور البعض منها في الحياة الفسطينية السياسية كـ: الصاعقة والقيادة العامة وفتح الانتفاضة، لا يصل إلى الحالة المجهرية. فيما لا ينتمي البعض منها لفلسطين إلا من حيث البيولوجيا، كجيش التحرير الفلسطيني الذي ليس إلا قطعة عسكرية من قطعات جيش النظام. فما بالك ببعض التشكيلات التي استولت على اسم القدس على شاكلة "لواء القدس الفلسطيني" فيما كان الأحق والأجدر نسبتها إلى ممولها الإيراني؟

يظهر وابل الهجاء والتقريع الذي واظب فرزات صبه على فلسطينيي سوريا مقدار الفقر في جهازه المعرفي، لجهة سبر كنه طبيعة العلاقة التي ربطت بين الشعبين السوري والفلسطيني على مدار أكثر من السبعين عامًا، بدليل عجزه عن التقاط إشارات تضامنهم مع انتفاضة الشعب السوري الطالع لنيل حريته، إثر الأحداث التي تفجرت عيشة الخامس من حزيران/يونيو 2011، عقب محاولة مليشيات أحمد جبريل العمل على تحقيق هدفين متلازمين، تمثل الأول بالتشويش على انتفاضة السوريين عبر افتعال حادثة اجتياز الحدود السورية في الجولان، فيما تمثل الثاني بمحاولة جر الفلسطينيين لخندق النظام وسياساته المناهضة للشعب السوري.

لطالما تميز انتماء فلسطيني سوريا بالتأرجح بين هويتهم المعنوية ممثلة بمنظمة التحرير، وبين هويتهم كمواطنيين سوريين من الدرجة الثانية

لطالما تميز انتماء فلسطيني سوريا بالتأرجح بين هويتهم المعنوية ممثلة بمنظمة التحرير، وبين هويتهم كمواطنيين سوريين من الدرجة الثانية. ففي حين كانت الهوية الفلسطينية تضغط عليهم بالانسحاب نحو الذات، تحت تأثير الأهداف الكبرى المتمثلة بالتحرير والعودة، كانت الهوية السورية تدفعهم للانخراط في قضايا المجتمع السوري بما فيها السياسية على الرغم المخاطر الفادحة التي تنطوي عليها هذه العملية، في ظل نظام سياسي مستبد لا يتسامح مع أحد من مواطنيه بممارسة السياسية إلا على طريقته في الطاعة العمياء.

اقرأ/ي أيضًا:  الفلسطيني السوري.. ذاتٌ تتشظى

عندما اندلعت الثورة السورية ضد النظام السوري، لم يتحدّد موقف فلسطينيي سوريا منها، لا بناء على توجيهات سلطة عباس في رام الله، ولا بناء على توجيهات سلطة حماس في غزة، على الرغم من تباين موقف السلطتين منها، بقدر ما تعلق الأمر بطبيعة العلاقات الاجتماعية التي نسجها الفلسطينيون مع جيرانهم السوريين في سلوكهم المَعْشَريّ.

في درعا حيث الترابط الاجتماعي بين الطرفين أكثر عمقًا، سواء لناحية التجاور المكاني أو الانصهار العائلي، أو لناحية طبيعة العلاقات المعشريّة الفلاحية القائمة على النخوة والجيرة ووحدة المصير، كان مستوى انخراط الفلسطينيين في الثورة مماثلًا لمستوى انخراط السوريين. أما في اليرموك، فقد سمح التداخل السكاني، إضافة لقرب المخيم من المركز ووقوعه داخل العاصمة الإدارية، بانخراط أعداد متزايده منهم في المظاهرات الشعبية العارمة، وأما من تعذر عليه المشاركة في التظاهرات فقد شارك على نحو فعال بأعمال إغاثة السوريين الفارين من بطش النظام إلى المخيم، وصولًا إلى تقاسم الجميع الحصة نفسها من الدمار والموت والمجاعة، أثناء الفترة التي ترافقت مع حصاره والتنكيل به من قبل قوات الأسد وميليشياتها المتعددة. بينما في المناطق المعزولة كمخيم خان الشيح وغيره من المخيمات الأخرى، فمن لم ينخرط في الدفاع عن العيش المشترك آثر الهجرة والتشرد في أصقاع الأرض، على الوقوع تحت ضغوط النظام وأحابيله في تحويل بندقيته ضد أخيه السوري.

مع ذلك أظهرت الوقائع انخراط أعداد من الفلسطينيين في القتال ضمن المليشيات الفلسطينية أو الإيرانية، لأسباب شتى قد يأتي على رأسها الرغبة بالشعور بالأمان، أو التبني الصادق لدعاية النظام حول المؤامرة الكونية، أو حتى المشاركة لأسباب تشبيحية خالصة.

في مدينة درعا السورية، كان مستوى انخراط الفلسطينيين في الثورة مماثلًا لمستوى انخراط السوريين

بعيدًا عن الطاقة العدوانية التي استهل بها فرزات بيانه الحربي ضد الفلسطينيين في رفعهم إلى مصاف الأعداء التاريخيين للشعب السوريين، متجاهلًا عن سوء نية أن العدو الأول والأخير للسوريين هو نظام البراميل المتفجرة والإبادة الجماعية. إلا أن محاولاته لتجريم الفلسطينيين على نحو شامل وكلي، خاصة في الست ساعات الأولى التي سبقت تحويل دفة اتهاماته لأنصار عباس وهنية، لا تستقيم مع بنية التفكير السليم، بقدر ما تتماشى مع بنية التصورات النمطية التي تصر على رفع جماعة الفلسطينيين المتعددة الاتجاهات والنوازع والانتماءات إلى مستوى الجماعة الصماء، التي يكفي أن ينخرط بعض من أفرادها في قتال السوريين حتى تتحول البقية الباقية إلى مجرمين وقتلة من نفس الصنف.

اقرأ/ي أيضًا: فلسطينيو سوريا والمستقبل الغامض

انحياز بعض الجماعات الفلسطينية إلى أحد طرفي الصراع في الثورة السورية، لا يعكس خيانة أي منهما للسوريين، بقدر ما يعكس مستوى الانتماء الذي تغلل في نفسيهما جراء علاقتهما المعشرية المديدة.

يبدو فرزات في بوسته الفيسبوكي شخصًا فاقدًا للبصيرة السياسية التي قد تسعفه للتمييز بين الخطر الوجودي لصفقة القرن على الفلسطينيين كما السوريين، على النحو الذي جاء في بيان الأحرار السوريين "إن مواجهة صفقة القرن بقدر ماهي مصلحة وطنية فلسطينية، فهي بالضرورة مصلحة وطنية سورية، لأن مصير سورية لا ينفصل عن مصير فلسطين والعكس صحيح".

ربما تكون جملة الإحباطات التي يعيشها الرجل قد جعلته في موقع المتصيد لأخطاء الآخرين، الذين يصر على نفي أية علاقة لهم بالبشري وتبدلاته، حتى في وقوف البعض في الجانب الخاطئ من التاريخ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صفقة القرن.. انحياز لشرعية القوة

مواجهة إسرائيل بين الولاء والبراء الإنساني