على وقْع الحصار والعزلة.. هل تقع مالي بيد المسلحين المرتبطين بالقاعدة؟
4 نوفمبر 2025
تعيش دولة مالي، الواقعة في غرب إفريقيا، أزمة وقود خانقة بسبب الهجمات المتكرّرة التي يشنّها مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة على قوافل الإمدادات والشاحنات القادمة من دول الجوار، مثل ساحل العاج وموريتانيا والسنغال.
وأفادت وكالة "رويترز" بأن مقاتلي تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" باتوا يتمركزون على بُعد نحو 50 كيلومترًا فقط من العاصمة باماكو.
وترى "رويترز" أن ما وصفته بـ"حصار الوقود" الذي يفرضه المسلحون المتشددون يمثّل أكبر تهديد للحكام العسكريين الذين يتولّون السلطة في مالي منذ عام 2021.
ويواجه النظام العسكري بقيادة آسيمي غويتا اضطرابات داخل المؤسسة العسكرية، ظهرت أبرز تجلياتها في محاولة انقلابية نفذها عدد من الضباط في آب/أغسطس الماضي، اتّهم المجلس العسكري جهاتٍ أجنبية بالوقوف وراءها، في إشارة إلى فرنسا.
وإلى جانب التوتر داخل الجيش، تصاعدت في الآونة الأخيرة أنشطة الجماعات المسلحة ضدّ القوات الحكومية، وصولًا إلى فرض حصارٍ على المدن الرئيسية في البلاد من قِبل المسلحين المرتبطين بتنظيم القاعدة.
كما يواجه الحكم العسكري تحديات إقليمية متزايدة بعد إغلاق الحدود مع موريتانيا وتوتّر العلاقات مع الجزائر، اللتين تتشاطران مع مالي حدودًا طويلة، فيما تستقبل موريتانيا آلاف اللاجئين الأزواديين الماليين في مخيم "امبرّة" الواقع أقصى شرق أراضيها.
تشير التوقعات إلى احتمال انقلاب عسكري في مالي لإزاحة رئيس المجلس العسكري آسيمي غويتا
تشكّل هذه العوامل مجتمِعةً عاملَ ضغطٍ كبيرًا على الحكومة العسكرية في مالي، وتهدد بشللٍ شبه تام، في ظلّ ارتفاع معدلات التضخم ومعاناة سكان المدن الكبرى من انقطاع الكهرباء ونقص المواد الغذائية.
وبدأت أوساطٌ غربية تُبدي تخوّفها من أن يُقدِم مقاتلو تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" على محاولة السيطرة على الحكم في مالي، على غرار ما فعلته حركة طالبان في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي. ويُنظر في هذا السياق بريبة إلى عدم تحرك الفيلق الإفريقي الروسي لردع المهاجمين الذين باتوا على مشارف العاصمة باماكو.
في المقابل، يعلّق قطاع واسع من الماليين آمالهم على قوات تحالف دول الساحل، الذي أُنشئ في السادس من تموز/يوليو الماضي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ويهدف أساسًا إلى "الحماية من التهديدات المحتملة للتمرد المسلح أو العدوان الخارجي". وينصّ ميثاق التحالف على أن "أي هجوم على سيادة وسلامة أراضي طرف أو أكثر من الأطراف المتعاقدة سيُعتبر عدوانًا على الأطراف الأخرى".
لكن محللين أمنيين تحدّثوا إلى "رويترز" استبعدوا أن تكون لدى جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التي تنشط منذ أشهر قرب العاصمة باماكو، النية أو القدرة العسكرية على السيطرة على العاصمة التي يقطنها نحو أربعة ملايين نسمة، مشيرين إلى أنّ الجماعة كانت قد هاجمت باماكو لفترة وجيزة عام 2024 قبل أن تتراجع إلى قواعدها.
في المقابل، يرى محللون آخرون أن الاستراتيجية الحالية للجماعة، القائمة على خنق العاصمة اقتصاديًا بحرمانها من الوقود، وإجبار المدارس على الإغلاق، وحرمان الشركات من الكهرباء المولَّدة بالديزل، تمثّل التحدي الأخطر حتى الآن أمام القادة العسكريين الذين يتولّون السلطة منذ عام 2021.
ويرى ستة محللين أمنيين ودبلوماسيين تحدثوا إلى "رويترز" أن الجماعة تهدف على الأرجح إلى إثارة انقلاب جديد، مشيرين إلى أن "حدوث انقلاب كهذا سيكون الثالث في مالي منذ عام 2020، ما سيتيح للجماعة جمع المزيد من الأسلحة والأموال"، بحسب تقرير الوكالة.
أما على المدى البعيد، فيعتقد المحللون أن الجماعة تسعى إلى فتح قنوات تفاوض، إمّا مع الحكومة الحالية أو مع إدارةٍ ما بعد الانقلاب، في خطوةٍ تُعدّ تحولًا استراتيجيًا في مساعيها للحصول على الشرعية السياسية.
وفي تقدير موقف نُشر الأسبوع الماضي، حذّرت مؤسسة "كونترول ريسكس" للاستشارات من أنّ الضغوط غير المسبوقة التي تمارسها الجماعة على الحكومة تجعل "خطر انهيار النظام، سواء بانقلابٍ عسكري أو بأزمةٍ سياسيةٍ داخلية، مرتفعًا للغاية خلال الأسابيع المقبلة".
وسبق لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين أن أعلنت في بيانٍ الشهر الماضي أنّ هدفها من حصار باماكو هو "معاقبة اللصوص الذين يتقلدون السلطة ويضطهدون الشعب المالي"، وفق نص البيان.
تزايد وتيرة الهجمات
بدورها، تحدّثت صحيفة "الغارديان" عن تزايد وتيرة الهجمات التي تنفّذها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، والتي تستهدف الجيش المالي وقوافل الإمدادات التابعة له وللحكومة.
وترى الصحيفة أنه في حال سقوط العاصمة باماكو بيد مقاتلي الجماعة، فإن مالي ستكون "على طريق التحوّل إلى جمهورية إسلامية تطبّق تفسيرات صارمة للشريعة الإسلامية"، على غرار أفغانستان وبعض المناطق التي تسيطر عليها حركات متشددة.
وأضافت الغارديان أن الجماعة "تفرض بالفعل في المناطق الخاضعة لسيطرتها قواعد صارمة للباس، وتُصدر أحكامًا وعقوبات عبر محاكم لا تراعي معايير المحاكمة العادلة"، وذلك استنادًا إلى تقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش عام 2024.
واستنادًا إلى تقديرات مراقبين، من المتوقع أن تتدهور الأوضاع في مالي بوتيرة سريعة. وترى الغارديان أن تحذيرات الولايات المتحدة لرعاياها تشكّل "أحدث مؤشّر على أن البلاد تقف على حافة الانهيار، أو ربما تتجه نحو انقلاب ثالث ناجح خلال خمس سنوات، وسادس منذ الاستقلال عن فرنسا في أيلول/سبتمبر 1960".
وفي خضمّ هذه التطورات، بدأت أوساط مالية تتداول أسماء محتملة لخلافة آسيمي غويتا، وسط تململٍ متزايد داخل الجيش واتساع عزلة المجلس العسكري. ومن بين الأسماء المطروحة مالك دياو ووزير الدفاع ساديو كامارا كمرشحين محتملين لخلافة غويتا.
كما أشارت الغارديان إلى احتمال عودة الفاعل الديني البارز محمود ديكو، المقيم في الجزائر منذ عام 2023 إثر خلافه مع الحكومة. ونقلت الصحيفة عن مصدرٍ مطّلع أن "بعض عناصر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين يطالبون بعودة ديكو للتفاوض معه بدلًا من الحكومة المالية"، مضيفًا أن "هدفهم النهائي هو تحويل مالي إلى دولة إسلامية، وهم قريبون جدًّا من تحقيق ذلك"، على حدّ قوله.