على مقهى الوجودية: حيوات تُفكِّر.. حيوات تُخاطر
23 مايو 2025
ثمة لحظات في الحياة لا تطرق فيها الأسئلة أبوابنا بل تقتحمها. لحظات لا تعود فيها الأجوبة الجاهزة كافية، ولا النُّظم الفكرية مريحة. في مثل هذه اللحظات يولد ما يُشبه الحسّ الفلسفي الخام، ذاك القلق الذي لا يمكن إسكاته، بل لا يُراد له أن يسكت.
كتاب "على مقهى الوجودية" للكاتبة البريطانية سارة بايكويل هو كتاب عن تلك اللحظات، وعن أولئك الذين قرروا ألا يهربوا منها، بل أن يصغوا، يتفكروا، ويكتبوا، حتى وإن كانت الكتابة ضد العالم وضد أنفسهم.
بايكويل، وهي كاتبة سيرة أكثر منها فيلسوفة، لا تقترب من الفلسفة بوصفها منظومة مفاهيم مجردة، بل تتعامل معها كسردٍ حيّ يتنفس عبر الأشخاص الذين صاغوا أفكارهم بقدر ما صاغتهم تلك الأفكار. إنها تجلس بنا إلى طاولة في مقهى باريسي في أربعينات القرن العشرين، وهناك تقدم لنا سارتر، ودي بوفوار، وميرلو-بونتي، وكامو، وياسبرز، وهايدغر، لا كتماثيل فكرية، بل ككائنات قلقة: تتجادل، وتحب، وتخون، وتعيش تحت وطأة أسئلة المعنى، والحرية، والموت.
كتاب "على مقهى الوجودية" للكاتبة البريطانية سارة بايكويل هو كتاب عن تلك اللحظات، وعن أولئك الذين قرروا ألا يهربوا منها، بل أن يصغوا، يتفكروا، ويكتبوا، حتى وإن كانت الكتابة ضد العالم وضد أنفسهم
"كيف نوجد؟"
يبدأ الكتاب بسؤال بسيط في ظاهره: كيف تكون إنسانًا؟، لكنه يحمل في أعماقه كل ثقل الفلسفة الوجودية. في هذا القسم، تستعرض بايكويل جذور الوجودية من خلال الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور، الذي رأى أن الإيمان لا يمر عبر العقل، بل عبر "قفزة" شخصية، مخاطِرة، تعبر اللايقين. ومن ثم تنتقل إلى فريدريك نيتشه الذي فجّر الأنساق وأعلن "موت الإله"، فاتحًا الطريق أمام إنسان لا مرجعية له سوى إرادته الخاصة.
"الوجوديون في الميدان"
هذا هو القسم الذي يتوسط الكتاب زمنيًا وفكريًا، حيث تدور محاوره حول سارتر وسيمون دي بوفوار، وعلاقتهما بالفكر والمجتمع والحب والجنس والسياسة. نرى فيه بوفوار كصوت مستقل لا ظلًا لسارتر، وهي ترسم ملامح مشروعها النسوي والفلسفي الخاص، لا سيما في كتاب الجنس الآخر.
ويتخلل هذا القسم الحديث عن مفكرين آخرين، مثل ألبير كامو، الذي آمن بالعبث لكنه لم يستسلم له، وميرلو-بونتي الذي تمسك بفلسفة الجسد والإدراك، وكارل ياسبرز الذي رأى في "الحدود" نقطة انطلاق لفهم أعمق للوجود.
نتابع هنا تفاصيل دقيقة عن العلاقات الشخصية والتوترات الفكرية، عن الحوارات التي تمتد من المقاهي إلى قاعات المحاضرات إلى ساحات المعركة الفكرية. تخبرنا بايكويل عن صداقات وخيانات، عن انقسامات فكرية كالتي حدثت بين سارتر وكامو بعد الحرب العالمية الثانية، حين تباعدت رؤاهما حول العنف والحرية والمقاومة.
"كيف نعيش؟"
في هذا الجزء، يتحول السؤال الفلسفي إلى موقف وجودي ملموس. كيف نعيش في عالم بلا يقين؟ كيف نصنع المعنى دون أن نتشبث بوهمٍ مطلق؟ هنا تستعرض الكاتبة العلاقة بين الوجودية وبعض الأيديولوجيات الكبرى، مثل الماركسية، مبرزة كيف أن الوجودية تطالب بتعليق الأحكام ورفض الدوغمائيات، واستدعاء الذات النقدية بوصفها وسيلة للفهم والعمل.
ينتهي الكتاب بنغمة متأملة. لقد تغيّر العالم منذ سارتر وبوفوار، لكن الأسئلة لم تختفِ، فقط اتخذت أشكالًا جديدة. وربما هذا هو معنى الوجودية الدائم: أن تكون في مواجهة مفتوحة مع الزمن، أن تحيا من دون يقين، لكن بكامل وعيك.
كتابة ضد السكون
"على مقهى الوجودية" ليس درسًا في الفلسفة، بل في الحياة. إنه كتاب يذكرنا بأن التفكير ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية. وبأن الحياة لا تُعاش جيدًا إلا إذا كانت مصحوبة بوعي حاد، حتى وإن كان هذا الوعي مؤلمًا أو مرهقًا. من خلال هذا الكتاب، نكتشف أن الفلسفة ليست في الكتب وحدها، بل في طريقتنا في الأكل، في الحب، في اتخاذ القرارات، وفي قبول موتنا.
في نهاية المطاف، تقول لنا بايكويل إن الفلاسفة الوجوديين، رغم اختلافاتهم، كانوا جميعًا منشغلين بشيء واحد: أن يجعلوا من الحياة سؤالًا حيًّا لا يمكن تجاهله. سؤالًا لا يُجاب عليه مرة واحدة، بل يُعاش.