على درب الحلم الأوروبي.. قصة جزائري عائد من الموت

على درب الحلم الأوروبي.. قصة جزائري عائد من الموت

صارت إسطنبول محطة مهمة في درب هجرة جديد اقتحمه الجزائريون (نجيب بوزناد)

كان الحصول على تأشيرة لدخول تركيا أمرًا يسيرًا على الجزائريين، لا يتطلب كذلك الكثير من الوثائق والوقت والمال، وهكذا صارت تركيا من أهم الوجهات السياحية للجزائريين، لكن مؤخرًا صار الأمر عسيرًا نوعًا ما وصارت السفارة التركية بالجزائرية تطلب عديد الوثائق وكذا بيانًا للحالة المالية لطالب التأشيرة، كما قامت أيضًا بافتتاح مركز خاص لإيداع الطلبات على شاكلة دول فضاء شنغن، فصار الكثيرون يجدون صعوبة في الحصول على التأشيرة.

صارت إسطنبول محطة مهمة في درب هجرة جديد اقتحمه الجزائريون، لقد جعل الكثير منهم أرض أتاتورك معبرًا لهم لولوج الجنة الموعودة، أوروبا

هذه التعقيدات لا تعود لرغبة من أنقرة في خفض عدد الجزائريين القادمين إليها، لكن، حسب المتابعين لشؤون البلدين، بسبب العدد الكبير من الجزائريين الذين دخلوا تركيا ولم يعودوا للجزائر، صارت إسطنبول محطة مهمة في درب هجرة جديد اقتحمه الجزائريون، لقد جعل الكثير منهم أرض أتاتورك معبرًا لهم لولوج الجنة الموعودة، أوروبا.

اقرأ/ي أيضًا: أن تموت وأنت تحاول.. عن حلم شاب تونسي بجنّة أوروبا

توفيق، (25 سنة) طالب جامعي في العلوم الفلاحية، كان دومًا يحلم بمواصلة مساره التعليمي في فرنسا وتحقيق حلمه بالحصول على إقامة دائمة هناك، كان دائماً يرى في الحصول على منحة دراسية خطوة عملاقة نحو مستقبل أفضل، لكن توفيق استبق الأحلام وأراد الوصول بسرعة لباريس، كان ذلك بعد سماعه بقصص بعض شباب منطقته بولاية البويرة، 120 كم شرق العاصمة، الذين وصلوا إلى القارة العجوز انطلاقًا من تركيا.

يروي توفيق لــ"ألترا صوت": "كانت صور جيراني وأصدقائي التي يقومون بنشرها عبر فيسبوك وهم في روما وبرلين وباريس تذكّي نار الحلم في داخلي، فقررت خوض هذه التجربة المجهولة، سأترك مقاعد الدراسة وكل شيء ورائي وأخطو خطواتي الأولى نحو الحلم، كنت أعلم مسبقًا أن تجربة "الحرقة" لن تكون مفروشة بالورود، كنت أيضًا أسمع قصص الجزائريين المسجونين في اليونان، قصص الشباب التائهين في إزمير، حكايا شاب لفظ بحر إيجه جثته، لكنني كنت مصممًا على الذهاب".

"في درب الهجرة الجديد ستكون السفارة أخر مكان يمكن أن تفكر في الذهاب إليه، فتأشيرتك ستكون من شأن سماسرة شبكات الهجرة النشطين في المجال، ستتحصل على تأشيرتك وتذكرتك وسيمدونك بكل المعلومات اللازمة، ستصل إسطنبول، أنت مبرمج بشكل آلي على فعل هذا وترك ذاك"، يسترسل توفيق في كلامه.

ويضيف: "التقيت أحد الأصدقاء الذي عرفني على شخص ينشط في تسفير الشباب عبر تركيا، كان كلامه عن نجاح غالبية الشباب الذين مروا من عنده في دخول فرنسا، طلب مني 1000 يورو ويشمل ذلك التأشيرة وإقامة في فندق معلوم بمنطقة بايزيد في إسطنبول، سيأتيك أتراك لذلك الفندق يأخذونك لمدينة إزمير ويدخلونك في زورق عبر بحر إيجه ليلاً قاصدين أولى المدن والجزر اليونانية. لقد بدا لي الأمر سهلًا فالرجل قد برمج لي كل شيء، بقي فقط أن أنفذ ما هو مطلوب مني، بدأت أشم رائحة باريس وتهيأت لرحلة العمر، قمت بالاتصال بقريب لي في باريس كي أعلمه بالأمر فزادني حماسًا أنه سيوظفني في محل يسهر على تسييره، كل مقومات الهجرة التقت، هذه هي فرصتي الأخيرة".

اقرأ/ي أيضًا: في مطار إيبيزا حاصرتني الأسئلة

وصل توفيق لاسطنبول في ليلة صيفية هادئة، سحرته عروس البوسفور بمساجدها وشوارعها وحياتها الليلية الصخبة، التي لم ير لها مثيلاً من قبل، في صباح الغد غادر برًا إلى مدينة إزمير رفقة شاب تركي، وهناك بدأ الجزء الحقيقي من الرحلة.

يقول توفيق: "لم أكن أعلم الكثير من التفاصيل عن رحلتي حتى وصلت إزمير، لقد طلبوا مني ترك جواز سفري لديهم فأنا من اليوم مواطن سوري دفعته ظروف الحرب والدمار للهرب وركوب البحر نحو مكان آمن، يقولون إن الدخول مع جحافل اللاجئين السوريين صار أسهل طريقة للوصول".

في إزمير، طُلب من توفيق شاب (مهاجر جزائري بطريقة غير نظامية) أن يترك جواز سفره ويتظاهر بأنه لاجئ سوري

"لقد وصلنا لمكان الانطلاق ليلاً، عشرات الأشخاص سيقاسمونني الرحلة في زورق مطاطي صغير، رأيت بأم عيني أشخاصًا يدفعون نساء وأطفالًا لركوب الزورق، لقد قاموا بتكديسنا مثل حبات بطاطا في كيس مهترئ، أحد الشباب الجزائريين رفض الركوب قائلاً إنه لم يدفع ألف يورو ليعامل هكذا، لقد رأيت صاحب الزورق، وهو شاب تركي ضخم الجثة  يشهر مسدسًا في وجه الجزائري، مهددًا إياه بقتله إذا لم يمتثل، لم أكن أصدق ما تراه عيناي، لم أظن أبدًا أني سأخوض تجربة مماثلة حين أرى الموت في كل الزوايا" يحكي توفيق لـ"الترا صوت".

ويضيف: "انطلق بنا الزورق وهو يشق البحر ليلاً، برد قارس، صرت أفكر لو أنني قطعت البحر الأبيض المتوسط باتجاه إيطاليا من الساحل الشرقي للجزائر لكان الأمر أفضل وأقل فظاعة مما أرى، وصلنا مدينة سلانيك وهناك انطلقت قصة أخرى، الاختباء في الغابات والشوارع الخلفية، الخوف من دوريات الشرطة، والبحث عن سمسار جديد لترحيلنا لوجهة أوروبية أخرى، يختار البعض مواصلة الطريق ودخول بلدان أخرى بمفردهم مع قوافل لاجئين سوريين، يسلم البعض أنفسهم لمراكز لجوء مفتوحة في عديد المدن، ينطلق آخرون في رحلة البحث عن عمل ما لتدبر أمور سفرهم فالكثيرون منا كانوا بلا مال، فيما يسقط بعضنا في أيدي الشرطة اليونانية ليزجوا في سجن يحوي على مئات المهاجرين غير النظاميين من تونس والجزائر، وكان ذلك مصيري بعد قرابة شهرين في اليونان".

يختم توفيق حديثه لـ"الترا صوت": "قبضت عليّ الشرطة داخل محطة ميترو، قلت إنني سوري لكنهم اقتادوني لمركز شرطة حيث اعترفت بجنسيتي تحت السب والضرب، رمي بي في سجن في سلانيك، سمح لي بالاتصال بعائلتي، اتصلوا بالسمسار الذي أدخلني لتركيا، توسط لي ودفع والدي كفالة، خرجت من السجن ورُحّلت للجزائر، عدت خائبًا من تجربة فاشلة رأيت فيها كل شيء إلا الجنة التي قصدتها".

 

اقرأ/ي أيضًا:

إسطنبول.. الترحيب لا يكفي

الطريق إلى الوطن (1).. حكايا سوريين ضاقت بهم بلاد اللجوء!