على خدها مثلث برمودا

على خدها مثلث برمودا

لوحة لـ أنسليم كييفر/ ألمانيا

واحد اثنان ثلاثة. ثلاث نقاط تشكل رؤوس مثلث متقايس الأضلع رُسمت بإتقان شديد على خدها الأيسر. عندما تبتسم ترسم غمازة تتوسط خدها والمثلث الوهمي، كانت كثيرة الابتسام لذا يظل ذلك الثقب يظهر ليختفي ويختفي ليعود إلى الظهور من جديد.

ابتسامة تحمله إلى علياء السماء فيبتلعه ذلك الثقب ليظهر من جديد على سطح خدها عندما تستكين تلك العضلة إلى الراحة، كان طوال الطريق يراقبها وهي تتحدث وتبتسم وتضحك بصوت عال حتى عندما تسكت وتسرح بخيالها لا تفارق عيناه إلى أن تنزل من الميترو. أما هو فيعود إلى بيته ويجلس في شرفته يراقب النجوم والقمر.

اسمها قمر وتسكن واحدًا من تلك الأحياء الشعبية المتراصة على تخوم المدينة، تستقل يوميًا المترو للوصول إلى معمل الخياطة. ولدت قمر في البيت على يد القابلة، نسي معظم سكان الجهة اسمها فلُقبت بـ"خالتي القابلة"، كانت ليلة صيفية شديدة الحر ظلت أم قمر تخيط الحوش جيئة وذهابًا لساعات طويلة، وعندما حان وقت المخاض تمسكت بحبل مربوط في حلقة في الجدار ودفعت بكل قوة الجنين خارج رحمها مطلقة صرخة مكتومة، عندها رفعت رأسها لتشكر الرب لاحظت أن السماء قد اختفت منها النجوم ولقمر وكأنها صفحة بيضاء.

قرّرت ليلتها خالتي القابلة تسميها قمر عله يعود إلى الظهور من جديد إذا ضحكت الطفلة، سحبت من طرف ثوبها إبرة غمستها في كحل أسود ورسمت على خد الطفلة ثلاث نقاط، وتمتمت بشيء ما ثم ناولت قمر لأمها لترضعها. لاحظ كل من في البيت أن الفتاة قليلة البكاء كثيرة النظر إلى السقف فأغلب الوقت رأسها مرفوعة إلى الأعلى.

في ليلة شديدة الحرارة اختارت العائلة قضاء السهرة وسط الحوش، كانت قمر تبلغ السبع سنوات، رمت بدميتها المحشوة بالصوف بعيدًا بعد أن ملت اللعب بها واستلقت بجانب أمها رافعه بصرها إلى السماء ومحركة يديها بطريقة تشبه فيها قائد الأوركسترا السمفونية. لم تعر الأم انتباهًا لما تفعله ابنتها إلا ليلتها فركزت مع حركات يديها، بدا لها الأمر مستحيلًا في البداية ثم ضلت مركزة إلى أن تأكدت بشكل قاطع.

كانت قمر قادرة على تحريك النجوم، فبإصبع واحدة حركت أربع نجمات لتشكل مربعًا ثم قلبته لمعين، وأخيرًا سحبته بشكل متسلسل جاعلة النجوم في خط مستقيم.دخل الخوف قلب الأم وبدأت الهلاوس تنهش دماغها أتراها أنجبت ساحرة أم فتاة خارقة؟ أو ربما مشعوذة يمكنها التحكم في الطبيعة؟ اليوم تحكمت في النجوم وعندما تكبر قليلًا يمكنها ربما التحكم في الرياح والأمطار والعواصف ربما. تذكرت فجأة القابلة وما فعلته عند ولادة ابنتها، وعند بزوغ اول خيط شمس اتجهت إلى منزلها لتستفسر الأمر فهي عجوز قاربت التسعين ومن الأكيد أن الحياة أرتها من العجائب ما لا يعد.

لم تستطع العجوز إقناع الأم أن النقاط التي رسمتها على خد ابنتها هي فقط من باب جلب الحظ لا غير، وأنه لا علاقة لها بما تقوم به قمر حاليًا. ظلت الهلاوس تسكن رأسها، أما قمر فما زالت تحب اللعب بالنجوم، وكلما تحركت نجمة تبعتها بيدها. ما رأته الأم ليلتها كان محض صدفة فثاءب أن كانت حركة بعض النجوم كثيفة وجلية للعين المجردة.

استغل الفرصة عند مرور المترو من النفق واقترب من قمر، أغلب صديقاتها كن يعرفن أن ذلك الشاب الأسمر النحيل معجب بها ويتحين الفرصة حتى يقترب منها ويحدثها. استجمع قوته وانطلقت الحروف سلسة من فمه مكونة سلسلة مترابطة من الكلمات

- في الركن قبالة المحطة القادمة هناك مقهى إذا رغبت يمكننا الذهاب؟

ابتسمت قمر خجلة ومترددة بعض الشيء فشجعتها نظرات وهمسات زميلاتها. لم تكُف عن الابتسام كلما تحدث ولم يكُف هو عن الدوران داخل المثلث الذي يتوسط خدها، بعد مُضي قرابة الساعة أعلنت قمر عن موعد الرحيل، لم يستطع تمالك نفسه فمرر إصبعه على خدها رابطًا بخط وهمي بين الشامات الثلاث راسمًا مثلثًا متقايس الأضلع، ابتسمت فبرزت غمازة داخل المثلث اللامرئي ساعتها ولا شعوريًا طبع عليه قبلة وتراجع في اضطراب.

قضى ليلته في الشرفة يراقب من بعيد النجوم متذكرًا خد قمر وغمازتها التي سلبت عقله، رفع يده ثم وضع إصبعه على نجم لامع وسحبه إلى محيط الدائرة المضيئة، ثم اختار نجمًا آخر ووضعه بنفس الطريقة، ثم نجمًا ثالثًا فتحركت النجوم لتكون مثلثًا متقايس الأضلع. أخافه ما حدث فسحب يده بسرعة واضعًا إياها وراء ظهره وظل متجمدًا أمام المشهد، أمعن النظر داخل المثلث فرأى نقطة سوداء بدأت في الظهور مكونة دوامة تتسع شيئًا فشيئًا إلى أن اقتربت من الشرفة محاولة ابتلاعها. حاول التراجع إلى الخلف إلا أن شيئًا ما أعاقه، فكرر المحاولة مرة أخرى إلى أن ارتطم رأسه بالأرض بعد إلى انقلب من فوق الكرسي وهو يحاول الهرب من الثقب الأسود.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ذاهبون إلى الليل

ديونيس ينتظرُ مِثْلي