على حين غرة".. عن تفكيك الموت عن قراءته بعين شاعر
23 يونيو 2026
في ثلاث ساعات وخمس عشرة دقيقة يأتي إلينا فيلم "على حين غرة" (All of a Sudden)، فتحمل مشاهدته تجربة عقلية تشبه، حقيقةً لا مجازًا، قراءة كتاب. قد تعتقد، إن لم تشاهد الفيلم، أن هذه المقاربة تنتقص من قيمته، لكنها هنا تجبرك على أن تتلقى الحكاية بمستوى، أو عبر مستويات، لم تتوقع أنك يومًا ما ستشاهد فيلمًا من خلالها.
مثل كثير من الأفلام الممتعة، ليست الحبكة ما يقود فيلم "على حين غرة"، وبالتأكيد ليست السينماتوغرافيا ولا الـ (Camera work) ما يسحبانك عميقًا، بل بناء تلك الشخصيات المبهرة بأصالتها وصدقها، واللغة التي لا تتوقف عن البرعمة والتعربش على المعنى وفرش مهابتها فوق أسطح الحكاية مشهدًا بعد آخر. في الفيلم، لا يأبه ريوسوكي هاماغوتشي بتهم الملل أو الثرثرة التي قد تلتصق به، لا يهمه إن امتد مشهده لعشرين دقيقة لا تفعل الكاميرا شيئًا فيه سوى تخديم شخصياته التي تعيش، تتنفس، تشعر، وتمتلئ بالمعاني، متلونة، متصارعة، متلوية بآلام اللغة، وتواصل الحديث.
لهذا، إن كنت من متتبعي مشروع ريوسوكي هاماغوتشي السينمائي، سيكون من الطبيعي جدًا أن تنتظر فيلمه من باب خبراتك تلك، وسيكون من المعتاد أن تتلقى الشعر في السينما، كونك اعتدت على أن يقصّ عليك الحكاية شاعر حقيقي، لا بالمعنى السينمائي الصوري المرئي الصارم، بل بحقيقة تلمّس الكلمات، وفتح باب لها لتدخل إلى حواسك ومن ثم عقلك.
مثل كثير من الأفلام الممتعة، ليست الحبكة ما يقود فيلم "على حين غرة"، وبالتأكيد ليست السينماتوغرافيا ولا الـ (Camera work) ما يسحبانك عميقًا، بل بناء تلك الشخصيات المبهرة بأصالتها وصدقها
منذ أن حضر ريوسوكي هاماغوتشي على خريطة السينما العالمية، وبعد منجزه في الأوسكار وبرلين وكان، لم تهدأ المقارنات وضُربت تجربته بلا هوادة، إيجابًا فحسب. قد لا تُعقد المقارنات لهدف نبيل واحد بالعادة، لكنها هنا فعلت، بعد ربط هذه التجارب بمرجعياتها الثقافية والسياسية والأيديولوجية بطبيعة الحال. وهنا، إن قاربنا تجربة ريوسوكي هاماغوتشي من خلال أحد آباء السينما، لا في اليابان فحسب بل في العالم، أكيرا كوروساوا، فإننا سنجد انقطاعًا بين السينمائيين، سبّبته الخيبة لا النفور. فسينما ريوسوكي هاماغوتشي لا تتكئ على اليابان "التاريخ" في إيجاد أجوبة للحياة، ولا تنتسب إلى خط أكيرا كوروساوا الملحمي الكلاسيكي، بل تعود إلى ما علّمه إياه أستاذه كيوشي كوروساوا، وهو مخرج جيل مختلف تمامًا، من الحداثة والبحث في المستقبل، بعيدًا عن الأسطرة والشاعرية البصرية.
سينما تحاكم العالم، تسأله عن الحقوق، عن التآخي، عن الكرامة البشرية، عن أحقيتنا بالموت، لا عبر قبوله كما اعتدنا مقاربته، بل عبر عيش تجربة التلاشي والمرض والفناء دون خجل، دون اعتذار عن تهالك آلاتنا المعطلة التي تريد أن يسمح لها هذا العالم الرأسمالي بالتحلل والمغادرة، بينما رأسنا المُنهَك مرفوع لا منكس بذل المرض والقهر الذي يسببه لنا خذلان الجسد.
عن الفيلم وولادة المشروع
"على حين غرة" مقتبس بتصرف من مراسلات حقيقية نُشرت بعنوان أنتِ وأنا، المرض يتفاقم فجأة، وهي رسائل تبادلتها الفيلسوفة ميكاكو مييانو وهي تحارب سرطان الثدي، الذي امتد إلى جسدها كاملًا، مع أنثروبولوجية الطب ماهو إيسونو. عشرون رسالة عن الموت والمعنى والجسد الذي يتخلى عنا، كتبت مييانو مقدمة الكتاب ثم فقدت وعيها ورحلت بعد خمسة عشر يومًا. وقع الكتاب في يد هاماغوتشي فاهتز جسده، بتعبيره هو، وأمضى بعدها خمس سنوات يحاول أن يجد للكتاب تجسيدًا بصريًا.
المشكلة التي وعاها أن الرسائل مجردة وفلسفية وعاطفية وعصية على الالتقاط السينمائي التقليدي، لهذا لم يرد هاماغوتشي أن يحوّل الشخصيتين الحقيقيتين إلى شخصيتين روائيتين مسطحتين بالبساطة وتعقيدات الحبكة والتحرك العشوائي واللهاث بكاميراته وراء اللقطات المستحيلة، إذ قال إن التخييل، أو افتعال التخييل، يُبسّط الناس الحقيقيين ويختزلهم. لكن القفز ورمي الذات الكاملة في الخيال بدا الخيار الوحيد لكتابة الفيلم، ومع كل هذا، لم يستطع هاماغوتشي أن يتبين شكل الفيلم حتى جاءته شركة الإنتاج الفرنسية " سينفرانس ستوديوز " (Cinéfrance Studios)، فوجد الجسر الواقعي لفيلمه، عبر فلسفة الـ :(Humanitude)، وهو منهج رعاية فرنسي انتقل إلى اليابان، منهج يضع كرامة الإنسان لا كفاءته في قلب روح رعاية المسنين. هكذا، من هذا الجسر بين باريس وطوكيو، بين الرعاية والفن، بين الحياة والفناء، وُلد الفيلم.
هاماغوتشي.. مشروع رؤيوي لا صانع أفلام فحسب
من البداية، لم يحضر هاماغوتشي في المشهد السينمائي كي يصنع أفلامًا ويمضي. إن كنت دارسًا للسينما أو منبهرًا بها ولطالما أتعبك مصطلح الـ (style)، فسينما هاماغوتشي هي من ستوضحه، فكل تجاربه تعتمد على "الستايل" الملائم في لعبة سرد الحكاية، حيث هو من قرر منذ البداية ترك الصورة لتخدم عوالم حوارية يسكنها أشخاص يحاولون، بكل ما أوتوا من لغة وصبر وجرأة، أن يفهموا بعضهم. في (Happy Hour)، خمس ساعات تتنفس فيها أربع نساء يابانيات، تعيد كل منهن اكتشاف نفسها وسط حياة لم تختَرها. في (Asako I & II)، الحب والهوية والوهم والسؤال عما إذا كنا نحب الشخص أم الصورة التي نسقطها عليه. في (Drive My Car)، المقتبس عن موراكامي، الحزن واللغة والمسرح والصمت الذي يقول أكثر من الكلام، فاز بأوسكار أفضل فيلم دولي وبجائزة السيناريو في كان. في (Evil Does Not Exist)، الرأسمالية تزحف نحو مجتمع ريفي وتدمره بهدوء وبحسم. وهناك المسرح، دائمًا المسرح.
لم يحضر هاماغوتشي في المشهد السينمائي كي يصنع أفلامًا ويمضي. إن كنت دارسًا للسينما أو منبهرًا بها ولطالما أتعبك مصطلح الـ (style)، فسينما هاماغوتشي هي من ستوضحه
اليابان والرأسمالية.. نشرح الحكاية فوق اللوح الأبيض
تمثل اليابان اليوم أكثر مجتمعات العالم تجسيدًا للتناقض بين النظام الإنساني والرأسمالي، بلد التقاليد والفكر والفلسفة والروحانيات، يصير وأن يموت فيه البشر من الإرهاق، ظاهرة الـ(Karoshi)، الموت تعبًا، تشخيص طبي معترف به قانونيًا. تجري في خضم شيخوخة سكانية متسارعة، وانهيار في معدلات الإنجاب، ومبالغ تُصرف على دور رعاية ممولة، بحيث يجلب المريض، طريح الفراش، تمويلًا حكوميًا أكبر من العجوز المتعافي. ولكي تُدرك واقعية هاماغوتشي، يأتي مشهد اللوح الأبيض كواقع شديد الواقعية ليكون أكثر من مشهد. ماري، حيث تمسك الشخصية "المخرجة المسرحية" بأقلام الماركر وترسم على اللوح مخططًا تشرح فيه كيف يعمل غول النظام الرأسمالي على ابتلاع البشر في أقسى لحظات حياتهم هشاشة، بينما يموتون أو يقاربون الموت.
عن الشعر في السينما
في "على حين غرة"، اعترف هاماغوتشي أنه كتب ما لا يستطيع تصويره، لكنه كتبه على أي حال، وانتهى بنا إلى عيش تجربة استثنائية في التعرف على ما تستطيعه أنفسنا من ملامسة المعارف وتنفّسها قبل وعيها وتبلورها قناعات. يدرك مشاهدو "على حين غرة" أنهم عاشوا كشفًا نفسيًا وفكريًا كبيرًا بعد انتهاء الفيلم. قال هاماغوتشي ذلك بنفسه: "كنت أكتب سيناريو غير سينمائي". ثم أضاف: "أردت سيناريو يسحبني بعيدًا عما أعرفه عن سينمائية السينما". هذا بالضبط ما يفعله شاعر السينما، عبر الكلمة التي تكسر ما اعتدناه حتى اللحظة. هاماغوتشي فعل هذا بالكلام، بالحوار، بالجملة التي تُقال في موقع مضاء وكاميرا تدور، بين وجعَي امرأتين لا تعرفان بعد أن الوقت ينفد، فيصبح الكلام بينهما، لا الصورة، هو الحدث.