ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

على حافة الموجة الثانية من التصعيد: كيف يتجلى اختبار كسر الإرادات من لبنان إلى إيران؟

12 يناير 2026
متظاهرون إيرانيون
محتجون إيرانيون من أنصار الملكية في العاصمة برلين يطالبون بتغيير النظام في طهران (Getty)
أغيد حجازي أغيد حجازي

منذ نهاية جولات المواجهة الكبرى في عامي 2024 و2025، لم تغادر المنطقة حالة التوتر، بل انتقلت من طور الحرب المفتوحة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على الضغط المتدرّج وتعدد الساحات. اليوم، ومع تصاعد الغارات الإسرائيلية على لبنان، واتساع رقعة الاحتجاجات في إيران، واحتدام الضغوط الأميركية على العراق، يتشكّل مشهد إقليمي جديد لا تحكمه معركة واحدة ولا ساحة واحدة، بل شبكة مترابطة من الأزمات والاختبارات المتزامنة. في هذا السياق، تبدو المنطقة وكأنها تدخل اختبارًا طويل النفس لكسر الإرادات، حيث تُستخدم أدوات مختلفة في كل ساحة، لكن ضمن منطق واحد يسعى إلى إعادة رسم موازين القوة، وفرض وقائع جديدة، في لحظة مفتوحة على احتمالات التصعيد بقدر ما هي مثقلة بعجز الجميع عن الحسم السريع.

لبنان بين التصعيد المفتوح واستعصاء الخيارات

تستمر الغارات الإسرائيلية على لبنان بوتيرة تصاعدية، تجاوز بعضها نطاق جنوب نهر الليطاني، مع تهديدات متكررة بتوسيع العمليات أو الذهاب نحو حرب شاملة على "حزب الله"، وصولًا إلى التلويح باجتياح بري محدود أو واسع. هذا التصعيد لا يبدو معزولًا عن سياق إقليمي أوسع، بل يأتي في إطار ضغط عسكري وسياسي متزامن.

في بيروت، ما تزال الأمور عالقة عند مفترق حاد: الخيار الإسرائيلي يضغط باتجاه نزع سلاح الحزب، أو الاستمرار بعدوان شبه يومي قد يتحول إلى أيام قتالية مفتوحة، في محاولة لاستنزافه أو توجيه ضربة قاصمة له. في المقابل، يتمسك حزب الله برفض أي نقاش حول تسليم السلاح، معتبرًا أن المسألة تمس جوهر وجوده في ظل وجود الاحتلال والتهديد الإسرائيلي. هكذا تتكرس حالة الاستعصاء، دون أفق سياسي واضح، مع بقاء السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت الحرب ستعود بصيغة أوسع، أم أن الأطراف ستبقى ضمن هامش التصعيد المحسوب.

اليوم، ومع تصاعد الغارات الإسرائيلية على لبنان، واتساع رقعة الاحتجاجات في إيران، واحتدام الضغوط الأميركية على العراق، يتشكّل مشهد إقليمي جديد لا تحكمه معركة واحدة ولا ساحة واحدة، بل شبكة مترابطة من الأزمات والاختبارات المتزامنة

إيران والاحتجاجات: الاقتصاد كمدخل للمواجهة السياسية والعسكرية

في طهران، تتسع رقعة المظاهرات على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية، مع سقوط عشرات القتلى من المدنيين والعسكريين، واحتراق منشآت مدنية وعسكرية ودينية. ويُعد الحصار والعقوبات الأميركية من أبرز أسباب هذا الانهيار الاقتصادي، ما جعل الشارع الإيراني ساحة ضغط داخلية تتقاطع فيها العوامل الاجتماعية مع الحسابات الجيوسياسية.

في هذا السياق، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الأحداث، ملوحًا بتوجيه ضربات عسكرية في حال جرى إطلاق النار على المتظاهرين. هذا الخطاب لا يمكن فصله عن محاولة أميركية لاستثمار الاحتجاجات كذريعة سياسية وأخلاقية للتدخل، أو على الأقل لرفع مستوى التهديد. ويتقاطع ذلك مع تصريحات إسرائيلية عن امتلاكها عناصر داخل الأراضي الإيرانية، ومع رفع مستوى جهوزيتها العسكرية، في تناغم واضح مع موقف واشنطن. كل ذلك يوحي بأن الساحة الإيرانية قد تكون الهدف المركزي للموجة الثانية من المواجهة، بعد حرب الأيام الاثني عشر، في حال توافرت الظروف المناسبة.

العراق بين الضغط الأميركي وتصدع التوازن الداخلي

أما في بغداد، فتقف البلاد أمام لحظة شديدة الحساسية، في ظل عدم حسم ملف رئاسة الحكومة، وتزايد الضغوط الأميركية غير المسبوقة على الفصائل المسلحة لتسليم سلاحها. هذه الضغوط ترافقها تهديدات مباشرة، في وقت أبدت بعض الفصائل استعدادًا مشروطًا للاستجابة، بينما رفضت فصائل أخرى ذلك رفضًا قاطعًا، معتبرة أن الخطوة تمس توازنات داخلية وإقليمية دقيقة.

هذا الانقسام يضع العراق ضمن دائرة الاستهداف، ولو بدرجة أقل مقارنة بالساحتين اللبنانية والإيرانية. غير أن هشاشة الوضع السياسي، وتداخل النفوذ الخارجي، يجعلان من أي تصعيد محتمل عامل تفجير إضافي قد يعيد خلط الأوراق داخليًّا، ويضع البلاد أمام سيناريوهات يصعب التحكم بمآلاتها.

هندسة الضغط المتزامن

تتشابك الملفات اللبنانية والإيرانية والعراقية ضمن لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الضغوط الأميركية والإسرائيلية مع أزمات داخلية متراكمة في كل ساحة على حدة. وعلى الرغم من أن حروب عامي 2024 و2025 ألحقت أضرارًا ملموسة بمحور المقاومة وأضعفت بعض قدراته، إلا أنها لم تنجح في إنهائه أو تفكيكه بالكامل. هذا الواقع يدفع واشنطن وتل أبيب، على ما يبدو، إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على التحضير لموجة ثانية تستهدف ما تبقى من هذا المحور، سواء عبر التصعيد العسكري المباشر أو من خلال استثمار نقاط الضعف الداخلية والاقتصادية والسياسية.

في هذا السياق، لا تظهر الساحات الثلاث كمسارات منفصلة، بل كجبهات مترابطة تتحرك ضمن منطق ضغط متزامن ومتدرّج، يهدف إلى اختبار قدرة كل طرف على الصمود منفردًا، تمهيدًا لكسر الترابط البنيوي الذي يجمع بينها. فلبنان يُدفع باتجاه استنزاف عسكري طويل الأمد، وإيران تُستهدف عبر الاقتصاد والشارع الداخلي وصولًا إلى التهديد بالعمل العسكري، بينما يُضغط على العراق من خلال تفكيك معادلة السلاح وإعادة صياغة التوازن الداخلي. هذا التوزيع الوظيفي للأدوات يعكس مقاربة أميركية – إسرائيلية تسعى إلى تفكيك الخصوم خطوة خطوة، دون الانتقال الفوري إلى حرب شاملة، مع إبقاء خيار التصعيد العسكري حاضرًا كأداة ردع وضغط في آن واحد. غير أن هذا المسار يبقى محفوفًا بالمخاطر، إذ إن تعثر أي من هذه المسارات قد يؤدي إلى انتقال التوتر من ساحة إلى أخرى، ويُدخل المنطقة في مرحلة أكثر سيولة، تتداخل فيها أدوات الضغط السياسي مع احتمالات الانفجار العسكري.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

في ضوء هذا المشهد المتداخل، تبدو المنطقة مفتوحة على مجموعة من السيناريوهات المحتملة، لا يمكن فصل أيٍّ منها عن الآخر، بقدر ما تعبّر عن مسارات متوازية قد تتقدّم أو تتراجع تبعًا لتوازنات القوة والقرار السياسي.

أول هذه السيناريوهات يقوم على استمرار التصعيد المضبوط دون الانزلاق إلى حرب شاملة. في هذا المسار، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية المحدودة في لبنان ضمن سقف محسوب، مقابل إبقاء حزب الله احتواء هذه الضربات دون الذهاب إلى رد يؤدي إلى حرب مفتوحة. بالتوازي، تستمر الضغوط الأميركية على إيران عبر العقوبات والتهديدات السياسية، مع إبقاء خيار العمل العسكري في دائرة التلويح لا التنفيذ، فيما يبقى العراق ساحة ضغط سياسي وأمني دون انفجار شامل. هذا السيناريو يفترض أن الأطراف كافة ما تزال ترى في إدارة الصراع خيارًا أقل كلفة من فتح مواجهة إقليمية واسعة.

السيناريو الثاني يتمثل في خروج إحدى الساحات عن السيطرة، بما يؤدي إلى انتقال التصعيد من ساحة إلى أخرى. فقد يؤدي توسع المواجهة في لبنان، أو توجيه ضربة محدودة داخل إيران، أو تفجر الوضع الأمني في العراق نتيجة الصراع على سلاح الفصائل، إلى كسر قواعد الاشتباك القائمة. في هذه الحالة، يصبح احتواء التصعيد أكثر صعوبة، وتتحول الساحات المترابطة إلى مسرح مواجهة مفتوحة، حتى وإن لم يكن الذهاب إلى حرب شاملة قرارًا معلنًا في بدايته.

أما السيناريو الثالث، فيقوم على فرض تسويات جزئية تحت ضغط الوقائع. في لبنان، قد يُعاد إنتاج تفاهم أمني يخفف حدة المواجهة دون المساس بجوهر سلاح "حزب الله"، وهو ما تسعى إليه الحكومة اللبنانية عبر "لجنة الميكانيزم"، وفي إيران، قد تنجح السلطة في احتواء الاحتجاجات عبر مزيج من القبضة الأمنية والإجراءات الاقتصادية المحدودة، بالتوازي مع فتح قنوات تفاوض مع واشنطن. أما في العراق، فقد تُطرح صيغ وسطية لإعادة تنظيم دور الفصائل المسلحة دون تفكيكها الكامل. غير أن هذا المسار، وإن خفف من حدة التصعيد، يبقي جذور الأزمة قائمة وقابلة للاشتعال مجددًا.

أما السيناريو الأخير، وهو الأكثر حدّة، يفترض انتقال الولايات المتحدة وإسرائيل من سياسة الضغط المتدرّج إلى خيار المواجهة المباشرة، انطلاقًا من إيران بوصفها مركز الثقل في هذا المحور. في هذا السياق، تتحول الضغوط الاقتصادية والسياسية الحالية إلى تمهيد لحرب أوسع، تمتد تداعياتها إلى لبنان والعراق بدرجات متفاوتة، ما يفتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات الإقليمية بالقوة، مع كلفة إنسانية وسياسية عالية.

في المقابل، يظل سيناريو الاستنزاف الطويل الأمد حاضرًا بقوة، حيث تفشل جميع الأطراف في فرض خياراتها الحاسمة. لا حرب شاملة ولا تسوية حقيقية، بل تصعيد متقطع، وأزمات اقتصادية متفاقمة، وضغوط سياسية وأمنية مستمرة. في هذا المسار، تتآكل قدرات الأطراف تدريجيًّا، وتبقى المنطقة عالقة في حالة سيولة استراتيجية مفتوحة، بلا أفق واضح للحسم.

بين هذه السيناريوهات المتداخلة، تبدو المرحلة المقبلة محكومة بعاملين أساسيين: حدود المغامرة لدى واشنطن وتل أبيب، وقدرة أطراف "محور المقاومة" على الصمود الداخلي والحفاظ على تماسك ساحاتها. وفي ظل هذا التوازن الهش، يظل احتمال الخطأ في الحسابات قائمًا بقدر ما يظل التخطيط المتعمّد حاضرًا، ما يجعل المنطقة تقف فعلًا على حافة موجة الحرب الثانية.

كلمات مفتاحية
كوبا

أزمة وقود خانقة في كوبا تعمّق المعاناة المعيشية وتشلّ النقل والسياحة

أزمة وقود خانقة في كوبا تدفع إلى نظام مواعيد صارم وتؤثر على النقل والطيران والسياحة وسط ضغوط أميركية

كفر كلا

إسرائيل تعترف بأنها قوة احتلال.. ومهمة لبنانية معقّدة على وقع مفاوضات "النووي"

اعترفت إسرائيل بشكل فاضح وخطير، على لسان وزير الأمن يسرائيل كاتس، بأنها قوة احتلال في جنوب لبنان

غزة

إدانة عربية وإسلامية لقرار إسرائيل بشأن أراضي الضفة وسط تصعيد ميداني واسع

إدانة عربية وإسلامية لقرار إسرائيل بشأن أراضي الضفة وسط تصعيد ميداني وتحذيرات من تقويض حل الدولتين

كوبا
سياق متصل

أزمة وقود خانقة في كوبا تعمّق المعاناة المعيشية وتشلّ النقل والسياحة

أزمة وقود خانقة في كوبا تدفع إلى نظام مواعيد صارم وتؤثر على النقل والطيران والسياحة وسط ضغوط أميركية

كفر كلا
سياق متصل

إسرائيل تعترف بأنها قوة احتلال.. ومهمة لبنانية معقّدة على وقع مفاوضات "النووي"

اعترفت إسرائيل بشكل فاضح وخطير، على لسان وزير الأمن يسرائيل كاتس، بأنها قوة احتلال في جنوب لبنان

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

بريطانيا تدرس حظر وسائل التواصل لمن هم دون 16 عامًا وتشديد قيود روبوتات الدردشة

تتضمن المقترحات أيضًا صلاحيات للحد من خاصية "الاقتران مع غرباء" في أجهزة الألعاب، ومنع إرسال أو استقبال الصور العارية، إضافة إلى النظر في تقييد استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)

غزة
سياق متصل

إدانة عربية وإسلامية لقرار إسرائيل بشأن أراضي الضفة وسط تصعيد ميداني واسع

إدانة عربية وإسلامية لقرار إسرائيل بشأن أراضي الضفة وسط تصعيد ميداني وتحذيرات من تقويض حل الدولتين